من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من غزل بشار
وإنما اتبع أبو نواس في هذه الأشعار التي وصف فيها ترك الشرب وطاعته لأمر الأمين مذهب أبي معاذ بشار بن برد وذلك أنه لما قال:
لا يؤيسنّك من مخبّأةٍقولٌ تغلّظه وإن جرحا
عسر النساء إلى مياسرةٍوالصعب يركب بعدما جمحا
فبلغ ذلك المهدي فغاظه، وقال: يحرض الناس على الفجور، ويسهل لهم السبيل إليه. فقال له خالد بن يزيد بن منصور الحميري: يا أمير المؤمنين، ق افتتن النساء بشعره، وأي امرأة لا تصبو إلى مثل قوله:
عجبت فطمة من نعتي لهاهل يجيد النعت مكفوف البصر
بنت عشرٍ وثلاثٍ قسّمتبين غصن وكثيب وقمر
درّة بحريّة مكنونةٌمازها التّاجر من بين الدّرر
أذرت الدّمع وقالت ويلتيمن ولوع الكفّ ركّاب الخطر
أُمتي بدّد هذا لعبيووشاحي حلّه حتى انتثر
فدعيني معه يا أُمّتيعلّنا في خلوةٍ نقضي الوطر
أقبلت في خلوةٍ تضربهاواعتراها كجنون مستعر
بأبي والله ما أحسنهدمع عيني غسّل الكحل قطر
أيها النّوام هبّوا ويحكموسلوني اليوم ما طعم السهر
فأمره المهدي ألا يتغزل؛ فقال أشعاراً في ذلك منها:
يا منظراً حسناً رأيتهمن وجه جاريةٍ فديته
والله ربّ محمدٍما أن غدرت ولا نويته
أعرضت عنك وربّماعرض البلاء وما اتّقيته
إنّ الخليفة قد أبىوإذا أبى شيئاً أبيته
ويشوقني بيت الحبيب إذا غدوت وأين بيته
ومخضّبٍ رخص البنان بكى عليّ وما بكيته
قام الخليفة دونهفصبرت عنه وما قليته
ونهاني الملك الهمام عن النساء فما عصيته
بل وقد وفيت فلم أضععهداً ولا وأياً وأيته
وأنا المطلّ على العداوإذا غلا الحمد اشتريته
وقال:
والله لولا رضا الخليفة ماأعطيت ضيماً عليّ في شجني
قد عشت بين النّدمان والرّاح والمزهر في ظلّ مجلسٍ حسن
ثم نهاني المهديّ فانصرفتنفسي صنيع الموفّق اللّقن
وقال:
أفنيت عمري وتقضّى الشباببين الحميّا والجواري الأواب
فالآن شفّعت إمام الهدىوربما طبت لحبّ وطاب
لهوتن حتى راعني داعياًصوت أمير المؤمنين المجاب
لبيك لبيك! هجرت الصّباونام عذّالي ومات العتاب
أبصرت رشدي وتركت المنىوربما ذلّت لهنّ الرقاب
وفي هذه الكلمة يقول:
يا حامد الفعل ولم يبلهسبقت بالسّيل سيل السحاب
الفعل أولى بثناء الفتىما جاءه من خطأٍ أو صواب
دع قول واءٍ وانتظر فعلهينبي عن اللّقحة ما في الحلاب
إذا غدا المهديّ في جندهوراح في آل الرسول الغضاب
بدا لك المعروف في وجههكالظّلم يجري في الثنايا العذاب
ومن شعره المطرب في الغزل قوله:
أيّها السّاقيان صبّا شرابيواسقياني من ريق بيضاء رود
إن دائي الصّدى وإنّ شفائيشربةٌ من رضاب ثغرٍ برود
عندها الصبر عن لقائي وعنديزفراتٌ يأكلن قلب الجليد
ولها مبسمٌ كثغر الأقاحيوحديثٌ كالوشي وشي البرود
نزلت في السواد من حبّة القلب ونالت زيادة المستزيد
ثم قالت: نلقاك بعد ليالٍوالليالي يبلين كلّ جديد
لا أبالي من ضنّ عنّي بوصلٍإن قضى الله منك لي يوم جود
وقوله:
لو عاينوها لم يلوموا على البكاكريماً سقاه الخمر بدرٌ محلّق
فكيف تناسى من يكون حديثهبأذني وإني غيبت قرطٌ معلّق
وقوله:
كأنّها حين لاحت في مجاسدهافارتجّ أسفلها واهتزّ أعلاها
حوراء جاءت من الفردوس تفتنهكالشمس طلعتها والمسك ريّاها
من اللواتي غدت فرداً وشقّ لهامن ثوبه الحسن سربالاً فردّاها
راحت ولم تعطه برءاً لقرحتهمنها ولو سألته النفس أعطاها
تغمّه نفسه من طول صبوتهاحتى لو اجتمعت في الكفّ ألقاها
ما شاهد القوم إلا ظلّ يذكرهاولا خلا ساعةً إلاّ تمنّاها
وقول بشار: عجبت فطمة من نعتي لها قد احتذاه محمد بن مناذر:
قد جدّ بي في اللعبذو راحة من تعب
جسم من الفضة قدأُشرب ماء الذهب
جارية صغيرةمشغولة باللعب
صاحت وقد روّعتهابقبلة واحربي
أنت وربّي يا فتىتريد أن تصنع بي
إيّاك أن يدعو عليك اليوم أمّي وأبي
فلم أزل أختلهاحتى علوت مركبي
وهي كغصن مالت الرّيح به مضطرب
تجود عيناها بجاري دمعها المنسكب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع