تجاوز إلى المحتوى

من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من هجاء الحطيئة

رأى الحطيئة وجهه في بئر فقال:

أرى لي وجهاً قبّح الّله خلقهفقبّح من وجهٍ وقبّح حامله

ولهذا خبر؛ ذكرت الرواة: أن الزبرقان بن بدر استعدى على الحطيئة عمر بن الخطاب ﵁ وقال: هجاني بقوله:

دع المكارم لا ترحل لبغيتهاواقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»

فقال عمر: ما أرى هذا هجاءً؛ وكان أعلم بذلك من كل أحد، ولكنه أراد درء الحدود بالشبهات. فقال الزبرقان: هذا حسان بن ثابت. فقال: علي بحسان، فأنشده الشعر. فقال: ما هجاه يا أمير المؤمنين ولكن سلح عليه! فأحضر الحطيئة، وقال: هات الشفرة أقطع لسانه؟ فاستشفع فيه فحبسه، فكتب إليه من الحبس:

ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخزغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر
غادرت كاسبهم في قعر مظلمةٍفاغفر هداك مليك الناس يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبهألقت إليك مقاليد النهى البشر
لم يؤثروك بها إذ قدّموك لهالكن لأنفسهم كانت لها الأُثر
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «مَاذَا تقول لأِفْراخٍ بذي مَرَخٍ»

فبكى عمر وأحضره. فقال: قد والله يا أمير المؤمنين هجوت أبي وامرأتي وأمي. قال: وكيف ذلك؟ قال قلت لأبي:

ولقد رأيتك في المنام فسؤتنيوأبا بنيك فساءني في المجلس

وقلت لأمي:

تنحّي فاجلسي مني بعيداًأراح الله منك العالمينا
أغربالاً إذا استودعت سرّاًوكانوناً على المتحدّثينا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «جزاك الله شرا من عجوز»

وقلت لامرأتي:

أطوّف ما أُطوّف ثم آويإلى بيت قعيدته لكاع
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أُطوِّفُ ما أطوِّفُ ثم آوِي»

واطلعت في بئر فرأيت وجهي قبيحاً فقلت:

أبت شفتاي اليوم إلاّ تكلّمابسوءٍ فلا أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجهاً قبّح الله خلقهفقبّح من وجهٍ وقبّح حامله

فتبسم عمر، وقال: فإن عفونا عنك، أتهجو بعدها أحداً؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، وعلي بذلك عهد الله! فقال: لكأني بفتىً من قريش قد نصب لك نمرقة، فاتكأت عليها، وأقبلت تنشده في أعراض المسلمين. قال: أعوذ بالله يا أمير المؤمنين.

قال بعض الرواة: فوالله لقد رأيته عند عبيد الله بن زياد على الحال التي ذكر عمر، فقلت له: لكأن أمير المؤمنين عمر كان حاضراً لك اليوم، فتأوه. وقال: رحم الله ذلك المرء، فما أصدق فراسته!

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بين الخوارزمي والبديع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.