تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر ما هَمَّ به الشريف إبراهيم من الثورة ومآل حاله

وكان الشريف إبراهيم المعروف بالخريطة دار وهو صاحب الكاغد والأقلام بدار السلطان واليًا على بلاد حانسي وسرستي، ولما تحرك السلطان إلى بلاد المعبر وأبوه هو القائم ببلاد المعبر الشريف أحسن شاه، فلما أرجف بموت السلطان طمع إبراهيم في السلطنة، وكان شجاعًا كريمًا حسن الصورة، وكنت متزوجًا بأخته حور نسب، وكانت صالحة تتهجد بالليل، ولها أوراد من ذكر الله عز وجل، وولدت مني بنتًا ولا أدري ما فعل الله فيهما، وكانت تقرأ لكنها لا تكتب، فلما هم إبراهيم بالثورة اجتاز به أمير من أمراء السند معه الأموال يحملها إلى دهلي، فقال له إبراهيم: إنَّ الطريق مخوف وفيه القطع، فأقم عندي حتى يصلح الطريق وأوصلك إلى المأمن، وكان قصده أن يتحقق موت السلطان فيستولي على تلك الأموال، فلما تحقق حياته سرح ذلك الأمير، وكان يسمى ضياء الملك بن شمس الملك، ولما وصل السلطان إلى الحضرة بعد غيبته سنتين ونصف، وصل الشريف إبراهيم إليه فوشي به بعض غلمانه، وأعلم السلطان بما كان هم به، فأراد السلطان أن يعجل بقتله ثم تأنى لمحبته فيه، فاتفق أن أتى يومًا إلى السلطان بغزال مذبوح ينظر إلى ذبحته، فقال ليس يجيد الذكاة اطرحوه فرآه إبراهيم فقال: إن زكاته جيدة وأنا آكله، فأخبر السلطان بقوله، فأنكر ذلك وجعله ذريعة إلى أخذه، فأمر به فقُيِّدَ وغُلِّلَ ثم قرره على ما رمى به من أنه أراد أخذ الأموال التي مر بها ضياء الملك، وعلم إبراهيم أنه إنما يريد قتله بسبب أبيه، وأنه لا تنفعه معذرة، وخاف أن يُعَذَّب، فرأى الموت خيرًا له فأقر بذلك، فأمر به فوُسِطَ وتُرِكَ هنالك، وعادتهم أنه متى قَتَلَ السلطان أحدًا أقام مطروحًا بموضع قَتْله ثلاثًا، فإذا كان بعد الثلاث أَخَذَهُ طائفة من الكفار موكلون بذلك، فحملوه إلى خندق خارج المدينة يطرحونه به، وهم يسكنون حول الخندق؛ لئلا يأتي أهل المقتول فيَعْرِفونه، وربما أعطى بعضهم لهؤلاء الكفار مالًا، فتجافوا له عن قتيله حتى يدفنه، وكذلك فُعِلَ بالشريف إبراهيم رحمه الله تعالى.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.