من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر انتقال السلطان لنهر الكنك وقيام عين الملك
ولما استولى القحط على البلاد انْتَقَلَ السلطان بعساكره إلى نهر الكنك الذي تَحُجُّ إليه الهنود على مسيرة عشر من دهلي، وأَمَرَ الناس بالبناء، وكانوا قبل ذلك صنعوا خيامًا من حشيش الأرض، فكانت النار كثيرًا ما تقع فيها، وتؤذي الناس حتى كانوا يصنعون كهوفًا تحت الأرض، فإذا وقعت النار رَمَوْا أمتعتهم بها وسدوا عليها بالتراب، ووَصَلْتُ أنا في تلك الأيام لمحلة السلطان، وكانت البلاد التي بغربي النهر حيث السلطان شديدة القحط والبلاد التي بشرقيه خصبة، وأميرها عين الملك بن ماهر، ومنها مدينة عوض ومدينة ظفر آباد ومدينة اللكنو وغيرها، وكان الأمير عين الملك كل يوم يحضر خمسين أَلْفَ مَنٍّ؛ منها قمح وأرز وحمص لعلف الدواب، فأمر السلطان أن تُحْمَل الفيلة ومعظم الخيل والبغال إلى الجهة الشرقية المخصبة لترعى هنالك، وأوصى عين الملك بحفظها.
وكان لعين الملك أربعة إخوة، وهم شهر الله ونصر الله وفضل الله ولا أذكر اسم الآخر، فاتفقوا مع أخيهم عين الملك على أن يأخذوا فيلة السلطان ودوابه، ويبايعوا عين الملك، ويقوموا على السلطان، وهرب إليهم عين الملك بالليل، وكاد الأمر يتم لهم، ومن عادة ملك الهند أن يَجْعَلَ مع كل أميرٍ كبيرٍ أو صغيرٍ مملوكًا له يكون عينًا عليه، ويُعَرِّفه بجميع حاله، ويجعل أيضًا جواري في الدور يَكُنَّ عيونًا له على أمرائه ونسوة يسميهن الكناسات، يدخلن الدور بلا استئذان، ويخبرهن الجواري بما عندهن، فيخبر الكناسات بذلك المخبرين، فيُخْبَر بذلك السلطان، ويذكرون أن بعض الأمراء كان في فراشه مع زوجته، فأراد مماستها فحَلَّفَتْه برأس السلطان ألَّا يفعل فلم يسمع منها، فبعث عنه السلطان صباحًا وأخبره بذلك وكان سبب هلاكه، وكان للسلطان مملوك يُعْرَف بابن ملك شاه هو عين على عين الملك المذكور، فأخبر السلطان بفراره وجوازه النهر، فسُقِطَ في يده وظن أنها القاضية عليه؛ لأن الخيل والفيلة والزرع كل ذلك عند عين الملك وعساكر السلطان مفترقة، فأراد أن يقصد حضرته، ويجمع العساكر، وحينئذٍ يأتي لقتاله، وشاوَرَ أرباب الدولة في ذلك، وكان أمراء خراسان والغرباء أشد الناس خوفًا من هذا القائم؛ لأنه هندي، وأهل الهند مبغضون في الغرباء لإظهار السلطان لهم، فكرهوا ما ظهر له وقالوا: يا خوند عالم إن فعلت ذلك بَلَغَهُ الخبر، فاشتد أَمْره ورتب العساكر، وانثال عليه طلاب الشر ودعاة الفتن، والأَوْلى معاجلته قبل استحكام قوته.
وكان أول من تَكَلَّمَ بهذا ناصر الدين مطهر الأوهري، ووافقه جميعهم فعمل السلطان بإشارتهم، وكتب تلك الليلة إلى من قرب منه من الأمراء والعساكر، فأتوا من حينهم، وأدار في ذلك حيلة حسنة، فكان إذا قدم على محلته مثلًا مائةُ فارس بعث الآلاف من عنده للقائهم ليلًا، ودخلوا معهم إلى المحلة كان جميعهم مدد له، وتَحَرَّك السلطان في ساحل النهر ليجعل مدينة قنوج وراء ظهره، ويتحصن بها لمنعتها وحصانتها، وبينها وبين الموضع الذي كان به ثلاثة أيام، فرحل أول مرحلة وقد عبأ جيشه للحرب، وجعله صفًّا واحدًا عند نزولهم، كل واحد منهم بين يديه سلاحه وفرسه إلى جانبه، ومعه خباء صغير يأكل به ويتوضأ ويعود إلى مجلسه والمحلة الكبرى على بعد منهم، ولم يدخل السلطان في تلك الأيام الثلاثة خباء ولا استظل بظل، وكنت في يوم منها بخبائي، فصاح بي فتًى من فتياني اسمه سنبل، واستعجلني وكان معي الجواري، فخرجت إليه فقال: إن السلطان أَمَرَ الساعة أن يُقْتَلَ كُلُّ مَنْ معه امرأته أو جاريته، فشفع عنده الأمراء، فأمر ألَّا تبقى الساعة بالمحلة امرأة، وأن يُحْمَلْنَ إلى حصن هنالك على ثلاثة أميال يقال له كنبيل، فلم تَبْقَ امرأة بالمحلة ولا مع السلطان، وبِتْنَا تلك الليلة على تعيئة، فلما كان في اليوم الثاني رَتَّبَ السلطان عسكره أفواجًا، وجَعَلَ مع كل فوج الفيلة المدرعة عليها الأبراج فوقها المقاتلة، وتَدَرَّعَ العسكر، وتهيئوا للحرب، وباتوا تلك الليلة على أهبة.
ولما كان اليوم الثالث بلغ الخبر بأن عين الملك الثائر أجاز النهر، فخاف السلطان من ذلك، وتوقع أنه لم يفعله إلا بعد مراسلة الأمراء الباقين مع السلطان، فأمر في الحين بقسم الخيل العتاق على خواصه، وبعث لي حظًّا منها، وكان لي صاحب يسمى أميراميران الكرماني من الشجعان، فأعطيته فرسًا منها أشهب اللون، فلما حركه جمح به، فلم يستطع إمساكه، ورماه عن ظهره فمات رحمه الله تعالى، وجد السلطان ذلك اليوم في مسيرة فوصل بعد العصر إلى مدينة قنوج، وكان يخاف أن يسبقه القائم إليها، وبات ليلته تلك يرتب الناس بنفسه ووقف علينا ونحن في المقدمة مع ابن عمه ملك فيروز، ومعنا الأمير غدا ابن مهني والسيد ناصر الدين مطهر وأمراء خراسان، فأضافنا إلى خواصه، وقال: أنتم أعزة على ما ينبغي أن تفارقوني، وكان في عاقبة ذلك الخير، فإن القائم ضرب في آخر الليل على المقدمة، وفيها الوزير خواجة جهان، فقامت ضجة في الناس كبيرة، فحينئذٍ أَمَرَ السلطان ألَّا يبرح أحد من مكانه، ولا يقاتل الناس إلا بالسيوف، فاسْتَلَّ العسكر سيوفهم، ونهضوا إلى أصحابهم وحَمِيَ القتال، وأمر السلطان أن يكون شعار جيشه دهلي وغزنة، فإذا لقي أحدهم فارسًا قال له دهلي، فإن أجابه بغزنة علم أنه من أصحابه وإلا قاتله.
وكان القائم إنما قَصَدَ أن يضرب على موضع السلطان، فأخطأ به الدليل، فقصد موضع الوزير، فضرب عنق الدليل، وكان في عسكر الوزير الأعاجم والترك والخراسانيون وهم أعداء الهنود، فصدقوا القتال، وكان جيش القائم نحو الخمسين ألفًا، فانهزموا عند طلوع الفجر، وكان الملك إبراهيم المعروف بالبنجي (بفتح الباء الموحدة وسكون النون وجيم) التتري قد أقطعه السلطان بلاد سنديلة، وهي قرية من بلاد عين الملك، فاتفق معه على الخلاف، وجعله نائبه، وكان داود بن قطب الملك وابن ملك التجار على فيَلة السلطان وخيله فوافقاه أيضًا وجعل داود حاجبه، وكان داود هذا لما ضربوا على محلة الوزير يَجْهَرُ بسبِّ السلطان ويشتمه أقبح شتْم، والسلطان يسمع ذلك ويَعْرِف كلامه، فلما وقعت الهزيمة قال عين الملك لنائبه إبراهيم التتري: ماذا ترى يا ملك إبراهيم! قد فر أكثر العسكر وذو النجدة منهم، فهل لك أن ننجوا بأنفسنا؟ فقال إبراهيم لأصحابه بلسانهم: إذا أراد عين الملك أن يفرَّ فإني سأقبض على السلطان؛ ليكون ذلك كفارة لذنبي في الخلاف معه وسببًا لخلاصي، فلما أراد عين الملك الفرار قال له إبراهيم: إلى أين يا سلطان علاء الدين، وكان يُسَمَّى بذلك، وأمسك بدبوقته، وضرب أصحابه فرسه، فسقط إلى الأرض، ورمى إبراهيم بنفسه عليه فقبضه، وجاء أصحاب الوزير ليأخذوه فمنعهم، وقال: لا أتركه حتى أوصله للوزير أو أموت دون ذلك فتركوه فأوصله إلى الوزير.
وكنت أنظر عند الصبح إلى الفيلة والأعلام يؤتى بها إلى السلطان، ثم جاءني بعض العراقيين، فقال: قد قُبِضَ على عين الملك، وأُتِيَ به الوزير، فلم أُصَدِّقْه، فلم يَمُرَّ إلَّا يسير، وجاءني الملك تمور الشربدار، فأخذ بيدي وقال: أبشر فقد قُبِضَ على عين الملك، وهو عند الوزير، فتحرك السلطان عند ذلك، ونحن معه إلى محلة عين الملك على نهر الكنك، فنَهَبَت العساكر ما فيها، واقتحم كثير من عسكر عين الملك النهر فغرقوا، وأخذ داود بن قطب الملك وابن ملك التجار وخلق كثير معهم، ونُهِبَت الأموال والخيل والأمتعة، ونزل السلطان على المجاز، وجاء الوزير بعين الملك وقد أُرْكِبَ على ثور وهو عريان مستور العورة بخرقة مربوطة بحبل وباقيه في عنقه، فوقف على باب السراجة، ودخل الوزير إلى السلطان، فأعطاه الشربة عناية به، وجاء أبناء الملوك إلى عين الملك، فجعلوا يسبونه ويبصقون في وجهه ويصفعون أصحابه إليه، وبعث السلطان الملك الكبير فقال له: ما هذا الذي فعلت؟ فلم يجد جوابًا، فأمر به السلطان أن يُكْسَى ثوبًا من ثياب الزمالة وقُيِّدَ بأربعة كبول، وغُلَّتْ يداه إلى عنقه، وسُلِّمَ للوزير ليحفظه، وجاز إخوته النهر هاربين، ووصلوا مدينة عوض، فأخذوا أهلهم وأولادهم، وما قدروا عليه من المال، وقالوا لزوجة أخيهم عين الملك: اخلصي بنفسك وبنيك معنا فقالت: أفلا أكون كنساء الكفار اللائي يحرقن أنفسهن مع أزواجهن؟ فأنا أيضًا أموت لموت زوجي وأعيش لعيشه، فتركوها وبلغ ذلك السلطان، فكان سَبَبَ خَيْرِها وأَدْرَكَتْه لها رقة، وأدرك الفتى سهيل نصر الله من أولئك الإخوة فقتله، وأُتِيَ السلطان برأسه، وأُتِيَ بأم عين الملك وأخته وامرأته، فسُلِّمْن إلى الوزير، وجُعِلْنَ في خباء بقرب خباء عين الملك، فكان يدخل إليهن، ويجلس معهن ويعود إلى محبسه.
ولما كان بعد العصر من يوم الهزيمة أَمَرَ السلطان بسراح لفيف الناس الذين مع عين الملك من الزمالة والسوقة والعبيد ومن لا يعبأ به، وأُتِي بملك إبراهيم البنجي الذي ذكرناه، فقال ملك العسكر الملك نوايا خوند عالم اقتل هذا فإنه من المخالفين فقال الوزير: إنه قد فدى نفسه بالقائم، فعفا عنه السلطان، وسرحه إلى بلاده، ولما كان بعد المغرب جلس السلطان ببرج الخشب، وأتي باثنين وستين رجلًا من كبار أصحاب القائم، وأتي بالفيلة فطرحوا بين أيديها، فجعلت تقطعهم بالحدائد الموضوعة على أنيابها، وترمي ببعضهم إلى الهواء وتتلقفه، والأبواق والأنفار والطبول تضرب عند ذلك، وعين الملك واقف يعاين مقتلهم، ويطرح منهم عليه، ثم أعيد إلى محبسه، وأقام السلطان على جواز النهر أيامًا لكثرة الناس وقلة القوارب، وأجاز أمتعته وخزائنه على الفيلة، وفرق الفيلة على خواصه ليجيزوا أمتعتهم، وبعث إلي بقيل منها أجزت عليه رجلي، وقصد السلطان ونحن معه إلى مدينة بهرايج (وضبط اسمها بفتح الباء الموحدة وهاء مسكن وراء وألف وياء آخر الحروف مكسورة وجيم)، وهي مدينة حسنة في عدوة نهر السر، وهو وادٍ كبيرٌ شديد الانحدار، وأجازه السلطان برسم زيارة قبر الشيخ الصالح البطل سالا رعود الذي فتح أكثر تلك البلاد، وله أخبار عجيبة وغزوات شهيرة، وتكاثر الناس للجواز، وتزاحموا حتى غرق مركب كبير كان فيه نحو ثلاثمائة نفس، لم يَنْجُ منهم إلَّا عربي من أصحاب الأمير غدا، وكنا ركبنا نحن في مركب صغير، فسَلَّمَنا الله تعالى، وكان العربي الذي سَلِمَ من الغرق يسمى بسالم وذلك اتفاق عجيب، وكان أراد أن يصعد معنا في مركبنا، فوجدنا قد ركبنا النهر فركب في المركب الذي غرق، فلما خرج ظن الناس أنه كان معنا فقامت ضجة في أصحابنا وفي سائر الناس وتوهموا أنا غرقنا، ثم لما رأونا بعدُ استبشروا بسلامتنا، وزرنا قبر الصالح المذكور وهو في قبة لم نجد سبيلًا إلى دخولها لكثرة الزحام، وفي تلك الوجهة دخلنا غيضة قصب، فخرج علينا منها الكركدن فقُتِلَ وأتى الناس برأسه، وهو دون الفيل ورأسه أكبر من رأس الفيل بأضعاف وقد ذكرناه.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع