تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر عجيبة رأيتها بمجلسه

ورأيت في مجلس هذا السلطان رجلًا بيده سكين شبه سكين المسفر، قد وضعه على رقبة نفسه، وتكلم بكلام كثير لم أفهمه، ثم أمسك السكين بيديه معًا، وقطع عنق نفسه، فوقع رأسه لحدة السكين وشدة إمساكه بالأرض، فعجبت من شأنه، وقال لي السلطان: أيفعل أحد هذا عندكم؟ فقلت له: ما رأيت قط، فضحك وقال: هؤلاء عبيدنا يقتلون أنفسهم في محبتنا وأمر به فرفع وأحرق، وخرج لإحراقه النواب، وأرباب الدولة والعساكر والرعايا، وأجرى الرزق الواسع على أولاده وأهله وإخوانه، وعظموا لأجل فعله، وأخبرني من كان حاضرًا في ذلك المجلس أن الكلام الذي تكلم به كان تقريرًا لمحبته في السلطان، وأنه يقتل نفسه في حبه كما قتل أبوه نفسه في حب أبيه وجده نفسه في حب جده، ثم انصرفت عن المجلس، وبعث إلي بضيافة ثلاثة أيام، وسافرنا في البحر، فوصلنا بعد أربعة وثلاثين يومًا إلى البحر الكاهل وهو الراكد وفيه حمزة زعموا أنها من تربة أرض تجاوره، ولا ريح فيه ولا موج ولا حركة مع اتساعه، ولأجل هذا البحر تتبع كل جنك من جنوك الصين ثلاثة مراكب — كما ذكرناه — تجذف به فتجره، ويكون في الجنك مع ذلك نحو عشرين مجذافًا كبارًا كالصواري، يجتمع على المجذاف منها ثلاثون رجلًا أو نحوها، ويقومون قيامًا صفين، كل صف يقابل الآخر، وفي المجذاف حبلان عظيمان كالطوابيس، فتجذف إحدى الطائفتين الحبل ثم تتركه، وتجذف الطائفة الأخرى وهم يغنون عند ذلك بأصواتهم الحسان، وأكثرها يقولون لعلي لعلي.

وأقمنا على ظهر هذا البحر سبعة وثلاثين يومًا، وعجبت البحرية من التسهيل فيه، فإنهم يقيمون فيه خمسين يومًا إلى أربعين، وهي أنهى ما يكون من التيسير عليهم، ثم وصلنا إلى بلاد طوالسي وهي (بفتح الطاء المهمل والواو وكسر السين المهمل) وملكن هو المسمى بطوالسي، وهي بلاد عريضة وملكها أيضًا هي ملك الصين وله الجنوك الكثيرة يقاتل بها أهل الصين حتى يصالحوه على شيء وأهل هذه البلاد عبدة أوثان حسان الصور أشبه الناس بالترك في صورهم والغالب على ألوانهم الحمرة، ولهم شجاعة ونجدة، ونساؤهم يركبن الخيل، ويحسن الرماية، ويقاتلن كالرجال سواء، وأرسينا من مراسيهم بمدينة كيلوكري (وضبطها بكاف مفتوح وياء أخر الحروف مسكنة ولام مضموم وكاف مفتوح وراء مكسور)، وهي من أحسن مدنهم وأكبرها، وكان يسكن بها ابن ملكهم، فلما أرسينا بالمرسى جاءت عساكرهم، ونزل الناخودة إليهم ومعه هدية لابن الملك، فسألهم عنه فأخبروه أن أباه ولاه بلدًا غيرهم، وولى بنته بتلك المدينة (واسمها أردجا بضم الهمزة وسكون الراء وضم الدال المهمل وجيم).

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.