من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر هذه الملكة
ولما كان في اليوم الثاني من حلولنا بمرسى كيلوكري استدعت هذه الملكة الناخودة صاحب المركب والكواني وهو الكاتب والتجار والرؤساء والتنديل وهو مقدم الرجال وسباه سالار وهو مقدم الرماة لضيافة صنعتها لهم على عادتها، ورغب الناخودة مني أن أحضر معهم، فأبيت لأنهم كفار لا يجوز أكل طعامهم، فلما حضروا عندها قالت لهم: هل بقي أحد منكم لم يحضر؟ فقال لنا الناخودة: لم يَبْقَ إلا رجل واحد بخشي وهو القاضي بلسانهم وبخشي (بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء وكسر الشين المعجمين) وهو لا يأكل طعامكم، فقالت ادعوه، فجاء جنادرتها وأصحاب الناخودة فقالوا: أجب الملكة فأتيتها وهي بمجلسها الأعظم، وبين يديها نسوة بأيديهن الأزمة، يعرضن ذلك عليها وحولها النساء القواعد وهن وزيراتها، وقد جلسن تحت السرير على كراسي الصندل وبين يديها الرجال، ومجلسها مفروش بالحرير، وعليه ستور حرير وخشبة من الصندل، وعليه صفائح الذهب، وبالمجلس مساطب خشب منقوش عليها أواني ذهب كثيرة من كبار وصغار كالخوابي والقلال والبواقيل أخبرني الناخودة أنها مملؤة بشراب مصنوع من السكر مخلوط بالأقاويه، يشربونه بعد الطعام، وأنه عطر الرائحة حلو المطعم يفرح ويطيب النكهة، ويهضم ويعين على الباءة.
فلما سلمت على الملكة قالت لي بالتركية: حسن مسن يخشى مسن «خوشميسن يخشميسن» معناه كيف حالك؟ كيف أنت؟ وأجلستني على قرب منها، وكانت تحسن الكتاب العربي، فقالت لبعض خدامها دواة وبتك كاتور (كتور) معناه الدواة والكاغد، فأتي بذلك فكتبت فيه بسم الله الرحمن الرحيم، فقالت ما هذا؟ فقلت لها تنضري (تنكري) نام وتنضري (بفتح التاء المعلوة وسكون النون وفتح الضاد وراء وياء) ونام (بنون وألف وميم) ومعنى ذلك اسم الله فقالت، خشن (خوش) ومعناه جيد، ثم سألتني: من أي البلاد قدمت؟ فقلت لها من بلاد الهند، فقالت: بلاد الفلفل؟ فقلت: نعم، فسألتني عن تلك البلاد وأخبارها فأجبتها، فقالت لي: لا بد أن أغزوها وآخذها لنفسي، فإني يعجبني كثرة مالها وعساكرها، فقلت لها: افعلي، وأمرت لي بأثواب وحمل فيلين من الأرز وبجاموستين وعشر من الضأن وأربعة أرطال جلاب وأربعة مرطبانات وهي ضخمة مملوءة بالزنجبيل والفلفل والليمون والعنبا كل ذلك مملوح مما يستعد للبحر، وأخبرني الناخودة أن هذه الملكة لها في عسكرها نسوة وخدم وجوارٍ يقاتلن كالرجال، وأنها تخرج في العساكر من رجال ونساء، فتغير على عدوها، وتشاهد القتال، وتبارز الأبطال، وأخبرني أنها وقع بينها وبين بعض أعدائها قتال شديد، وقتل كثير من عسكرها، وكادوا ينهزمون، فدفعت بنفسها وخرقت الجيوش حتى وصلت إلى الملك الذي كانت تقاتله فطعنته طعنة كان فيها حتفه فمات وانهزمت عساكره، وجاءت برأسه على رمح فأفتكه أهله منها بمال كثير، فلما عادت إلى أبيها ملكها تلك المدينة التي كانت بيد أخيها، وأخبرني أن أبناء الملوك يخطبونها فتقول: لا أتزوج إلا من يبارزني فيغلبني فيتحامون مبارزتها خوف المعرة إن غلبتهم.
ثم سافرنا عن بلاد طوالسي، فوصلنا بعد سبعة عشر يومًا والريح مساعدة لنا، ونحن نسير بها أشد السير وأحسنه إلى بلاد الصين، وإقليم الصين متسع كثيرًا الخيرات والفواكه والزرع والذهب والفضة، لا يضاهيه في ذلك إقليم من أقاليم الأرض، ويخترقه النهر المعروف بآب حيات معنى ذلك ماء الحياة، ويسمى أيضًا نهر السبر (السرو) كاسم النهر الذي بالهند، ومنبعه من جبال بقرب مدينة خان بالق تسمى كوة بوزنه معناه جبل القرود، ويمر في وسط الصين مسيرة ستة أشهر، إلى أن ينتهي إلى صين الصين، وتكتنفه القرى والمزارع والبساتين والأسواق كنيل مصر، إلا أن هذا أكثر عمارة وعليه النواعير الكثيرة، وببلاد الصين السكر الكثير مما يضاهي المصري، بل يفضله والأعناب والإجَّاص، وكنت أظن أن الإجَّاص العثماني الذي بدمشق لا نظير له، حتى رأيت الإجَّاص الذي بالصين، وبها البطيخ العجيب يشبه بطيخ خوارزم وأصفهان وكل ما ببلادنا من الفواكه فإن بها ما هو مثله وأحسن منه، والقمح بها كثير جدًّا، ولم أرَ قمحًا أطيب منه وكذلك العدس والحمص.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع