تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر الخيل التي تكون بالنيل: حكاية (٤)

كان السلطان منسى موسى لما حج نزل بروض لسراج الدين هذا ببِرْكة الحبش خارج مصر، وبها ينزل السلطان، واحتاج إلى مال فتسلفه من سراج الدين، وتَسَلَّفَ منه أمراؤه أيضًا، وبعث معهم سراج الدين وكيله يقتضي المال فأقام بمالي، فتوجه سراج الدين بنفسه لاقتضاء ماله، ومعه ابن له، فلما وصل تنبكتو أضافه أبو إسحاق الساحلي، فكان من القَدَر موته تلك الليلة، فتكلم الناس في ذلك واتهموا أنه سُمَّ، فقال لهم ولده: إني أكلت معه ذلك الطعام بعينه، فلو كان فيه سُمٌّ لَقَتَلَنَا جميعًا، لكنه انقضى أجله. ووصل الولد إلى مالي واقتضى ماله، وانصرف إلى ديار مصر، ومن تنبكتو ركبت النيل في مركب صغير مَنْحُوت من خشبة واحدة، وكنا ننزل كل ليلة بالقرى فنشتري ما نحتاج إليه من الطعام والسمن بالملح وبالعطريات وبحلي الزجاج، ثم وصلت إلى بلد أُنْسِيتُ اسمه، له أمير فاضِلٌ حاجٌّ يسمى فربا سليمان مشهور بالشجاعة والشدة، لا يتعاطى أحد النزع في قوسه، ولم أَرَ في السودان أطول منه ولا أضخم جسمًا، واحتجت بهذه البلدة إلى شيء من الذرة فجئت إليه وذلك يوم مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلَّمْتُ عليه وسألني عن مقدمي، وكان معه فقيه يكتب له، فأخذت لوحًا كان بين يديه، وكتبت فيه: يا فقيه قل لهذا الأمير: إنا نحتاج إلى شيء من الذرة للزاد والسلام، وناوَلْتُ الفقيه اللوح يقرأ ما فيه سرًّا، ويكلم الأمير في ذلك بلسانه، فقرأه جهرًا وفَهِمَهُ الأمير، فأخذ بيدي وأَدْخَلَنِي إلى مشوره وبه سلاح كثير من الدرق والقسي والرماح، ووجدت عنده كتاب المدهش لابن الجوزي، فجعلت أقرأ فيه، ثم أتى بمشروب لهم يسمى الدقنو (بفتح الدال المهمل وسكون القاف وضم النون وواو)، وهو ماء فيه جريش الذرة مخلوط بيسير عسل أو لبن وهم يشربونه عوض الماء؛ لأنهم إن شربوا الماء خالصًا أَضَرَّ بهم، وإن لم يجدوا الذرة خلطوه بالعسل أو اللبن، ثم أُتِيَ ببطيخ أخضر فأكلنا منه.

ودخل غلام خماسي فدعاه وقال لي: هذا ضيافتك، واحفظه لئلا يَفِرَّ، فأَخَذْتُه وأردْتُ الانصراف، فقال: أَقِمْ حتى يأتي الطعام، وجاءت إلينا جارية له دمشقية عربية، فكَلَّمَتْنِي بالعربي، فبينما نحن في ذلك إذ سمعنا صراخًا بداره، فوَجَّهَ الجاريةَ لِتَعْرِفَ خَبَرَ ذلك، فعادت إليه فأعلَمَتْهُ أن بنتًا له قد تُوُفِّيَتْ، فقال: إني لا أحب البكاء، فتَعَالَ نمشي إلى البحر، يعني النيل، وله على ساحله ديار، فأُتِيَ بالفرس فقال لي: اركب، فقلت: لا أركبه وأنت ماشٍ، فمشينا جميعًا ووصلنا إلى دياره على النيل، وأُتِيَ بالطعام فأكلنا، ووادَعْتُه وانصرفْتُ، ولم أَرَ في السودان أَكْرَمَ منه ولا أَفْضَلَ، والغلام الذي أعطانيه باقٍ عندي إلى الآن، ثم سِرْتُ إلى مدينة كوكو، وهي مدينة كبيرة على النيل من أحسن مدن السودان وأكبرها وأخصبها، فيها الأرز الكثير واللبن والدجاج والسمك، وبها الفقوص العناني الذي لا نظير له، وتعامل أهلها في البيع والشراء بالودع، وكذلك أهل مالي، وأقمت بها نحو شهر، وأضافني بها محمد بن عمر من أهل مكناسة، وكان ظريفًا مزَّاحًا فاضلًا، وتُوُفِّيَ بها بعد خروجي عنها، وأضافني بها الحاج محمد الوجدي التازي وهو ممن دخل اليمن، والفقيه محمد الفيلالي إمام مسجد البيضان، ثم سافرْتُ منها برسم تكدا في البرمع قافلة كبيرة للغدامسيين دليلهم ومقدمهم الحاج وجين (بضم الواو وتشديد الجيم المعقودة)، ومعناه الذئب بلسان السودان، وكان لي جمل لركوبي وناقة لحمل الزاد، فلما رحلنا أول مرحلة وَقَفَت الناقة فأخذ الحاج وجين ما كان عليها وقسَّمه على أصحابه، فتوزعوا حمله، وكان في الرفقة مغربي من أهل تادلي فأبى أن يَرْفَعَ من ذلك شيئًا كما فَعَلَ غيره، وعطش غلامي يومًا فطلبت منه الماء فلم يَسْمَح به.

ثم وصلنا إلى بلاد بردامة وهي قبيلة من البرير (وضبطها بفتح الباء الموحدة، وسكون الراء، وفتح الدال المهمل وألف وميم مفتوح وتاء تأنيث)، ولا تسير القوافل إلا في خفارتهم، والمرأة عندهم في ذلك أعظم شأنًا من الرجل، وهم رحالة لا يقيمون، وبيوتهم غريبة الشكل يقيمون أعوادًا من الخشب ويصنعون عليها الحصر وفوق ذلك أعواد مشتبكة وفوقها الجلود أو ثياب القطن، ونساؤهم أتم النساء جمالًا وأبدعهن صورًا مع البياض الناصع والسمن، ولم أَرَ في البلاد من يبلغ مبلغهن في السمن، وطعامهن حليب البقر وجريش الذرة يشربنه مخلوطًا بالماء غير مطبوخ عند المساء والصباح، ومن أراد التزوج منهن سكن بهن في أقرب البلاد إليهن ولا يتجاوز بهن كوكو ولا إيو الأتن، وأصابني المرض في هذه البلاد لاشتداد الحر وغلبة الصفراء واجتهدنا في السير إلى أن وصلنا إلى مدينة تكدا (وضبطها بفتح التاء المعلوة والكاف المعقودة والدال المهمل مع تشديده)، ونزلت بها في جوار شيخ المغاربة سعيد بن علي الجزولي، وأضافني قاضيها أبو إبراهيم إسحاق الجاناتي وهو من الأفاضل، وأضافني جعفر بن محمد المسوفي، وديار تكدا مبنية بالحجارة الحمر، وماؤها يجري على معادن النحاس فيتغير لونه وطعمه بذلك، ولا زَرْعَ بها إلا يسير من القمح يأكله التجار والغرباء ويباع بحساب عشري مدًّا من أمدادهم بمثقال ذهب، ومدهم ثلث المد ببلادنا، وتباع الذرة عندهم بحساب تسعين مُدًّا بمثقال ذهب، وهي كثيرة العقارب، وعقاربها تَقْتُلُ مَنْ كان صبيًّا لم يَبْلُغ، وأمَّا الرجال فقَلَّمَا تقتلهم، ولقد لَدَغَتْ يومًا وأنا بها ولدًا للشيخ سعيد بن علي عند الصبح، فمات لِحِينِه وحَضَرْتُ جنازته، ولا شغل لأهل تكدا غير التجارة، يسافرون كل عام إلى مصر ويَجْلِبُون مِنْ كُلِّ ما بها من حسان الثياب وسواها، ولأهلها رفاهية وسعة حال، ويتفاخرون بكثرة العبيد والخدم، وكذلك أهل مالي وإيو الأتن، ولا يبيعون المعلمات منهن إلا نادرًا وبالثمن الكثير.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.