من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر الأضحوكة في إنشاد الشعراء للسلطان: حكاية (٣)
واتفق في أيام إقامتي بمالي أن السلطان غضب على زوجته الكبري بنت عمه المدعوة بقاسا، ومعنى قاسا عندهم الملكة، وهي شريكته في المُلْك على عادة السودان، ويُذْكَر اسمُها مع اسمه على المنبر، وسَجَنَها عند بعض الفرارية ووَلَّى في مكانها زوجته الأخرى بنجو، ولم تكن من بنات الملوك، فأَكْثَرَ الناسُ الكلامَ في ذلك، وأنكروا فِعْلَه، ودَخَلَ بنات عمه على بنجو يهنِّئْنَها بالمملكة، فجعلن الرماد على أذرعهن ولم يتتربن رءوسهن، ثم إن السلطان سرح قاسا من ثقافها، فدخل عليها بنات عمه يهنئنها بالسراح، وتربن على العادة فشكت بنجو إلى السلطان بذلك، فغضب على بنات عمه فخفن منه، واستجرن بالجامع فعفا عنهن واستدعاهن، وعادتهن إذا دخلن على السلطان أن يتجردن عن ثيابهن، ويدخلن عرايا ففعلن ذلك، ورضى عنهن وصرن يأتين باب السلطان غدوًّا وعشيًّا مدة سبعة أيام، وكذلك يفعل كل من عفا عنه السلطان، وسارت قاسا تركب كل يوم في جواريها وعبيدها وعلى رءوسهم التراب وتقف عند المشور متنقبة لا يُرى وجهها، وأكثر الأمراء الكلام في شأنها فجمعهم السلطان في المشور وقال لهم دوغا على لسانه: إنكم قد أكثرتم الكلام في أمر قاسا وأنها أذنبت ذنبًا كبيرًا، ثم أتى بجارية من جواريها، مقيدة مغلولة فقيل لها: تكلمي بما عندك، فأخبرت أن قاسا بعثتها إلى جاطل ابن عم السلطان الهارب عنه إلى كنبرني، واستدعته ليخلع السلطان عن ملكه، وقالت له: أنا وجميع العساكر طوع أمرك، فلما سمع الأمراء ذلك قالوا: إن هذا ذنب كبير وهي تستحق القتل عليه، فخافت قاسا من ذلك واستجارت بدار الخطيب وعادتهم أن يستجيروا هنالك بالمسجد، وإن لم يتمكن فبدار الخطيب، وكان السودان يكرهون منسى سليمان لبخله، وكان قبله منسى مغا، وقبل منسى مغا منسى موسى، وكان كريمًا فاضلًا يحب البيضان، ويحسن إليهم وهو الذي أعطى لأبي إسحاق الساحلي في يوم واحد أربعة آلاف مثقال، وأخبرني بعض الثقات أنه أعطى لمدرم بن فقوص ثلاثة آلاف مثقال في يوم واحد، وكان جده سارق جاطة أسلم على يدي جد مدرك هذا.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع