من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)
العودة إلى أصل الكرد
قال الوزير: حدّث الحسن بن عبد الصمد بن الحسين عن أبيه، عن
أحمد بن إبراهيم الأشناني، عن أحمد بن عبيد، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن ابن أبي نجح، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال نمرود عند صنيع إبراهيم ﵇ بأصنامهم ما صنع:
ما ندري بأي شىء نعاقبه، قال: فقال له رجل من الأعراب: حرّقه بالنار. قال مجاهد: فقلت لابن عمر: أو لهم أعراب؟ فقال: الأكراد أعراب فارس، فهذا يبطل دعوى الأعراب في العرب، وأما أنا فرأيت جماعة منهم يتقيّسون، ويدعون رجوع مناسبهم إلى قيس عيلان، على ما ذكر أولا.
وحكى ابن دريد في جمهرته، عند حرف الدال والراء والكاف، عن أبي اليقظان قال: زعم أنه كرد بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأنشدوا بيتا:
لعمرك ما الأكراد أبناء فارسولكنّه كرد بن عمرو بن عامر
قال ابن الكلبي: هو كرد بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء، فان كان عربيا فاشتقاقه من المكاردة، وهو مثل المطاردة في الحرب.
ونعود إلى تعليق الوزير ﵀، قال: وهذه الأمم التي ذكرنا انسلاخها من العربية، فانّ المتأمّل إذا حقّق في أمرها أبان من نزوع أعراقهم، ومن اجتذاب المحتد لعاداتهم، ومن ظهورهم عليهم في القليل والكثير من شمائلهم ما يعجب منه.
حدثني أبو طالب بن حمّاد الكاتب، أنه شاهد رجلا أعجميا من ولد
السيد الحميري، وأنه وجده قحّا لا يفصح بنغية من كلام العرب، قال: إلا أني وجدت العرق قد نزع به فصار في الشعر العجمي، من أحذق الناس به، والسيد الحميري فيما ذكر الأصمعي، من ولد يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري، وإن كان كذلك، فانه لعجيب أن يكون هذا الطبع فيهم من ريعان الزمان إلى هرمه، ومن صدر مدار الفلك إلى عقبه، لأن يزيد كان أحد الشعراء المطبوعين، والهاجين الموجعين، وهم من آل ذي رعين، ولذلك يقول السيد:
إني امرؤ حميريّ حين ينسبنيجدّي رعين وأخوالي ذوو يزن
ثم الولاء الذي أرجو النجاة بهيوم القيامة للهادي أبي حسن
قال أبو طالب: فقلت له يوما: ما بلغ من حذقك في هذه الصناعة؟
فقال: سمعت العرب يعجبون من قول امرىء القيس:
كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسالدى وكرها العنّاب والحشف البالي
ومن إيراده تشبيهين في بيت واحد، فشبّهت نفسي بالشمعة من ست جهات في بيت واحد، فقلت كلاما ترجمته: أني أشبه الشمعة في وحدتها ونحولها ولونها ودمعها واحتراقها وسهرها، وأردت أنا وأبو طالب أن نصنع بيتا يحتوي على ذلك، فلم يتيسّر لنا إلا بيت يكون مملوء ابالتشبيه، إلا أنه مضمّن ببيت قبله، يدلّ على معناه، وهو:
أرى شمعة الجلّاس يشبه وصفهامحبّا من الألّاف بالهجر مقصودا
نحولا ودمعا لا يقرّ ووحدةولونا محيلا واحتراقا وتسهيدا
فلما رأينا أنه لا يتمّ إلا ببيتين عجبنا من اختصار العجم، وعلمنا أنّ ذلك إنّما هو لقصدهم المعنى من طريق الإشارة، كما نقصده نحن من طريق الإبانة.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع