تجاوز إلى المحتوى

من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)

مباراة عجيبة بين رومي وفارسي

وأصل قولهما في الفارسية أنّ كسرى وأحسبه أبا شيرويه، كان قد بعث إليه ملك الروم برومي جسيم طويل، وقال: إن كان في ملكك من يؤاكل هذا الرومي أو يشاربه أو يناومه، أقررت بعظيم سلطانك، وإلا أقررت بعظيم سلطاني، فلم يجد كسرى من يفعل ذلك بعد أن يئس، إلا ملاحا نصرانيا قصيرا دميما يسمّى (قنّى)، فقال: أنا أواكله وأشاربه وأناومه، وإن لم أفعل فليقتلني الملك، فجمع بينه وبين الرومي، فقدّم إلى الرومي كبش مسلوخ، فجعل يكبّب له ويأكل حتى أتى عليه، وقدّم إلى قنّى كبشان مسلوخان، فأتى عليهما، بعد أن طبخ له أحدهما في قدر، وثرد له فيها خمسون رغيفا، فأذعن له الرومي بالأكل، ثم أتي الرومي بدنّ، فجعل يشرب بخماسيّة معه حتى أتى عليه، ثم أتي قنّى بالشراب فأتى على دنّين، فأذعن له الرومي بالشرب، ثم قاما ليناما، فقال قنّى: ادخلوا لنا إلى البيت لحافا وكساء، فقال الرومي: وما تصنع بذلك ونحن بالصيف؟ قال: إذا هجم الشتاء علينا كان عندنا دثار معدّ، فأذعن له الرومي بالنوم، فأقطعه كسرى الموضع الذي يعرف اليوم ب (دير قنّى)، وأجازه وكساه، وقيل فيه الشعر المقدم قبله، فنقله ابن المقفع إلى العربية.

وقد يذكر الشىء بالشىء إذا أشبهه، كان القاضي أبو عبد الله حسين بن علي بن النعمان، وهو المقتول، ينشد لأبيه علي بن النعمان، بيتين يستحقان أن يذكرا، وهما:

وشاكلت ملح في الحبّ مونقةما في الرياض وفي الأشجار من ملح
خد وثغر ونهد واختضاب يدكالورد والطّلع والرّمان والبلح

وقد تقدم إثبات هذين البيتين في الكراسة الثانية عشر من هذا الجزء.

قال الوزير ﵀: وليس العربي الصريح إذا طالت مخالطته العجم، أو كانت ولادته فيهم، ونشوؤه على لغتهم، فنزع به عرقه، وجنحت به غريزته إلى قول الشعر، أو إلى رصف النثر، وكان بالجملة مبينا عن غرضه، وبليغا بين أهل منطقه، بأفخر ولا أحقّ بالشكر، ولا أفضل من أعجمي استثني من غثارة العجم، ومن معتلج النبطية الصّرف، فلانت قريحته لقبول الاعتياد، وأجابت خواطره إلى استفادة صنعة البيان، ومال بلسانه وقلبه إلى الأفضل دون الأتلد وانصرف عن الأول، وإن كان عليه سهلا إلى الثاني، وإن كان عليه صعبا ومنه بعيدا، مثل جماعة من الموالي برعوا في الشعر، هم معروفون لا نطيل بذكرهم، وقد كان تهيّأ لنا مجموع في أشعار أولاد الأحرار من فارس باللسان العربي، يشتمل على كثير ممّا أومأنا إليه.

ومن أعجب ما رأيت أو سمعت به، خادم صقلبي أبيض محبوب كان لآل عمّار الذين منهم كاتب المعتصم، يقال له أبو علي يندون، كان يقول الشعر ويحبّر النثر.

قال الوزير: ونحن نذهب شوطا في ذكره، وينشد قطعا من شعره، فهو

وإن لم يكن مبرّزا، فانّ التعجب منه يبلغه درجة العجب به، والاستطراف لشذوذه يجبر نقيصة خلله، وهو عندي عجيب، بل العجيب دونه.

ثم لم يذكر شيئا من نظمه ولا نثره، وإنما علقت أنا ذكره تذكرة للفحص، وطليعة للكشف.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الأول من المجموع اللفيف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.