من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)
البلبهذ يعلم غلاما الشعر ثم يقتله
وكان أبرويز مرّ في طريق، فرأى غلاما يقال له سركاس، ومعه بقرة عليها سماد، وهو يغني، فأعجب بحسن خلقه، فضمّه إلى بلبهذ وأمر بتعليمه الغناء، فعلّمه ففاقه، فحسده فقتله، فأتى به كسرى أبرويز فقال له: أبى حسد صدرك، ونغل جوفك إلا قتله، وقد علمت أني كنت أستريح منه إليك، ومنك إليه، وأمر بالقائه تحت الفيلة، فقال: أيها الملك، إذا قتلت أنا شطر طربك، وقتلتني أنت، قتلت الشطر الآخر، ألست تذهب طربك كلّه، وتكون جنايتك على نفسك أكبر من جنايتي!! فقال كسرى: ما دلّه على هذا الكلام إلا ما جعل له من المدّة، وأمر بتخليته.
ويقال إن بلهبذ بقي بعد كسرى دهرا، وإياه عنى البحتري بقوله:
[توهمت أنّ كسرى أبرويزمعاطيّ والبلهبذ أنسي]
في القصيدة العجيبة التي هي من بدائعه، إلا أنه بلغني عن أبي الفضل
ابن العميد، وكان من العلم بالمقام الأمين، أنه قال: مازلت أعد البحتري في المطبوعين حتى سمعت له هذه القصيدة، فاستدللت يها على تكلفه. وما أدري من أين قال ذلك، ألا أن يكون أخذ عليه البيت الأول فانه خسيس الكلام.
ومن مضحك أشعار العجم قول بعض الشعراء لمسلحة قيّمها أعجمي:
يا أبا عبد الإلهحبسنا لا يستقيم
فقال له الأعجمي:
من ندانم جمكويهر خري دد رم ونيم
قال: أنا ما أدري إيش يقول كل حمار درهمين ونصف. قال الوزير:
أنشدنيه أبي عن أبيه، قال: وإذا فسّرت أشعار الفرس إلى العربية، وصيغت بعد ذلك شعرا، جاءت كأنّ معانيها معاني الحديث، لا معاني أشعار العرب:
مثل ما قال عبد الله بن المقفع في معنى شعر نقله من الفارسية إلى العربية، وهو:
إنّ الفتى قنّى كحرقوصةيشرب ما يشربه الفيل
من بعد ما يأكل أمثالهوما له عرض ولا طول
فانّ معنى هذين البيتين كأنه حديث، لا كأنه شعر.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع