من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
الضرب الثالث من النوع العشرين وترتيبه في التفسير وما يصح من ذلك وما يفسد
اعلم أن صحة ترتيب التفسير هي أن يذكر المؤلف في كلامه معاني مختلفة، فإذا عاد إليها بالذكر ليفسرها، قدم المقدم وأخر المؤخر، وإذا لم براع المؤلف ذلك كأن مأخوذاً عليه، لأنه يخل بشطر من الصناعة، فمن ذلك قول بعضهم:
غيث وليث فغيث حين تسألهعرفاُ وليث لدي الهيجاء ضرغامُ
تحيا الأنام به في الَجدْب إن قُطحواجُوداً وَيشقى به يوم الوغى الهامُ
ومن هذا الباب قوله تعالى (وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) وكذلك قوله تعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله). فلما قدم الليل في الذكر على النهار قدر سبب الليل، وهو السكون على سبب النهار، وهو التعيش، وذلك في غاية الحسن. ومن هذا النحو قول بعضهم:
يوم الُمتيَّم فيكِ حوَلٌ كاملٌيتعاقبُ الفَصلانِ فيه إذا أنى
ما بين حَرّ جوىً مدامعٍإن حَنّ صاف وإن بكى وجداً شتا
وهذا من أصح التفسير فاعرفه، ومن ذلك قول الآخر وهو غاية في بابه:
شَكَوتُ فقالت كلُّ هذا تبرُّمٌبحُبًي أراح الله قلبَكَ من حبُيّ
فلما كتمتُ الحب قالت اَشدَّ ماصَبَرتَ وما هذا بفعلِ شجى القلب
وأدنو فتقصيني فأبعُدُ طالباًرضاها فتَعْتدُّ التباعد من ذنبي
فشكوايَ تؤذيها وصبري يسوؤهاوتجزَعُ من بُعْدي وتَنْفِرُ من قُربي
فيا قومُ هلَ من حِيْلةٍ تعرفونهاأعينوا بها واستوِ جبوا الأجرَ من ربي
فما يرك هذا الشاعر شيئاً من المعاني التي ذكرها أولا فيما يلاقيه من الحب والبلوى إلا فسرها على هذا الترتيب، فاعرف ذلك.
ومما أخذ على الفرزدق من هذا النحو قوله:
لقد خنتَ قمواً لو لَجاْت إليهمُطريدَ دم أو حاملا ثقلَ مغرمَ
لألفيتَ منهم معُطياً أو مُطاعناوراك شزراً بالوشيج المقَّوم
لأنه أصاب في التفسير وأخطأ في الترتيب، وذلك أنه أتى بتفسير ما هو أول في البيت الأول، ثانياً في البيت الثاني، وهو قوله: (طريد دم) فقال: (أو مطاعنا)، وكذلك أتى بتفسير ما هو ثان في البيت الأول أولاً في البيت الثاني، وهو قوله: (حاملاً ثقل مغرم) فقال: (لألفيت منهم معطيا) والأولى أن كان أتي بتفسير ذلك مرتباً؛ ففسر ما هو أول في البيت الأول بما هو ثان في البيت الثاني، وما هو ثان في البيت الأول بما هو ثان في البيت الثاني؛ وذلك لو سلم له الوزن. إلا أن هذا لا كبير عيب فيه. وإنما الأحسن ما أشرنا إليه.
واعلم أن الناظم إذ أتى بمثل ما أتى به الفرزدق لا ينكر عليه ذلك، كما ينكر على الناثر، وذلك أن الناظم يضطره الوزن والقافية إلى اعتماد غير الواجب في تأليفه، وترك الأولى في صناعته، كما اضطر الوزن والقافية الفرزدق، فإنه لو أراد أن يأتي بمقتضى الصنعة لقال:
لقد خنتَ قوماً لو لجأت إليهمطريدَ دم أو حاملاً ثقل مغرم
(لألفيتَ منهم طاعناً بالوشيج المقوم أو معطيا)
وهذا ما يفسد به الوزن والقافية. وأما الناثر فانه لا يضطر إلى مثل ذلك لتصرفه كيف شاء، ولهذا كان الناثر مؤاخذاً بأداء هذه الصناعة أكثر مما يؤاخذ الشاعر، فاعرف ذلك.
ومما أخذ على الفرزدق قوله أيضاً:
كيف أسلو وأنتِ حِقفُ وغُصْنٌوغزالٌ لحظاً ورِدْفاً وقداً
والأصل في هذا أن قال: (ردفاً وقداً ولحظاً) وأمثال هذا كثيرة، فاعرفها.
وأما فساد التفسير في هذا الباب فهو أن يأتي المؤلف بكلام يفسره تفسيراً لا يناسبه، وذلك عيب لا يسامح فيه بحال من الأحوال كقول بعضهم:
فيا أيها الحيران في ظلمة الدجىومنَ خاف أن يلقاهَ بَغْيٌ من العِدا
تعالَ إليه تلقَ من نور وَجهْةضياءً ومن كفيّه بحراً من النّدى
وكان يجب لهذا الشاعر أن يجعل بازاء (بغي من العدا) ما يناسبه من النصرة أو الادالة فأما الإعانة أو ما جرى هذا المجرى، ليكون ذلك تفسيراً كما جعل بازاء الظلمة الضياء وفسرها به، فأما أن وضع بازاء ما يتخوف منه (بحراً من الندى) (فإنه) لا يكون تفسيراً له وأمثال هذا كثيرة، فلتجتنب.
النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع