من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
النوع الحادي والعشرون من الباب الأول من الفن الثاني في الخطاب بالجملة الفعلية والخطاب بالجملة الاسمية المؤكدة بأن المشددة وتفضيل أحدهما على الآخر
وذلك كقولنا (قام زيد)، و (إن زيداً قائم) فقولنا: قام زيد. معناه؛ الإخبار عن زيد بالقيام. وقولنا: إن زيداً قائم، معناه؛ الإخبار عن زيد بالقيام أيضاً. إلا أن في الثاني زيادة ليست في الأول، وهو توكيده بأن المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها من الكلام، فمن هذا النحو قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزؤن). فإنهم إنما خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالجملة الاسمية المحققة بإن المشددة،
فقالوا: في خطاب المؤمنين (آمنا) ولإخوانهم (إنا معكم) لأنهم في مخاطبة إخوانهم بما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اعتقاد الكفر والبعد من أن يزلوا على صدق ورغبة ووفور نشاط، وكان ذلك متقبلاً منهم ورابحاً عند إخوانهم. وما قالوه للمؤمنين فإنما قالوه تكلفاً وإظهاراً للإيمان، خوفاً ومداجاة، وكانوا يعلمون أنهم لو قالوه بأوكد لفظ وأشده لما راج لهم عند المؤمنين إلا رواجاً ظاهراً لا باطناً، ولأنهم ليس لهم من عقائدهم باعث قوي على النطق في خطاب المؤمنين بمثل ما خاطبوا به إخوانهم،
(إنا معكم) وهذه نكت دقيقة ولطائف خفية لا توجد في نوع من الكلام العربي إلا في القرآن الكريم، وما أكثر ذلك وأمثاله في أثنائه وأوفره! مودعاً في غضونه، فاعرفه وقس عليه.
النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع