من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
النوع الثالث والعشرون من الباب الأول من الفن الثاني في الاقتصاد والإفراط والفريط
فأما الاقتصاد فهو أن يكون المعنى المضمن في العبارة على حسب ما يقتضيه المعبر عنه في منزلته.
وأما التفريط، والإفراط، فهو أن يكون المعنى المضمن في العبارة بخلاف ما يقتضيه منزله المعبر عنه، فأما انحطاطاً دونها وهو التفريط، وإما تجاوزاً عنها، وهو الإفراط، لأن أصل التفريط في وضع اللغة من (فرط في الإفراط إذا قصر فيه وضيعه)، وأصل الإفراط في وضع اللغة من (إفراط في الأمر إذا تجاوز فيه الحد) فالتفريط عيب في الكلام فاحش، وذلك كقول الأعشى: -
وما مُزِبِدُ من خليج الفراتِجَوْنُ غوارُبهُ تَلْتَطِمْ
بأجْوَدَ منه بماعونهإذا ما سماؤهم لم تَغِم
فإنه قد مدح ملكاً بأنه يجودُ بماعونه، والماعون هو كل ما يستعار من قدومٍ أو قصعةٍ أو قدرٍ أو ما أشبه ذلك. وليس للملوك في بذله مدح البتة، بل هو الذي أقرب منه إلى المدح، فهذا من أقبح التفريط.
ومن هذا الباب قول أبي تمام:
ما زال يَهْذي بالمكارم والعُلاحتى ظننّا أنَّهُ مَحمومُ
فإنه أراد أن يبالغ في ذكر الممدوح باللهج بالمكارم والعلا، فقال (ما زال يهذي ولا أعلم ما كانت حال أبي تمام، عند قوله هذا البيت، ولا أعلم أي أم اضطره إليه، مع سعة مجال العربية، وانفساح مداها؟! ثم ما كفاه ذلك، حتى قال: (ظننت أنه محموم) وعلى نحو من ذلك، قول بعضهم:
وتلحقه عند المكارم هِزةٌكما انتفض المجهودُ من أمّ مِلْدَم
ومن أقبح ما رأيناه في هذا الفن، قول أبي تمام:
أنت دَلْوُ وذو السَّماح أبو موسى قليب، وأنت دلو القَليْبِ
ومُراد أبي تمام من ذلك، أنه سبب لعطاء المشار اليه، كما أن الدلو سبب في امتياح الماء من القليب. فهذا وأمثاله، مما لا يجوز استعماله، وإن كان المعنى المقصود به حسناً. ولهذا كان لمده ألفاظ، لا يجوز استعمالها في الذم، وللذم ألفاظ لا يجوز استعمالها في المدح، ألا ترى أن من المعاني ما يعبر عنه بألفاظ متعددة، ويكون المعنى المتدرج تحتها واحداً؛ فمن الألفاظ، ما يحسن استعماله في المدح، ومنها مالا يحسن استعماله في الذم، ولو كان هذا الأمر يرجع إلى المعنى فقط لكانت جميع الألفاظ الدالة عليه شرعاً سواءً في الاستعمال، وإنما هذا نعود فيه إلى العرف، دون الأصل. ولنضرب الأصل. ولنضرب لذلك مثالاً، فنقول: هل يجوز أن يخاطب الملك،
فيقال له (وحق دماغك). قياساً على أن يقال له (وحق رأسك)؟. فإن هذا مما لا يجيزه أحد البتة. ألا ترى أن المؤلف، إذا أراد المدح، ذكر الرأس والهامة والكاهل وما جرى هذا المجرى، وإذا أراد الهجو، ذكر الدماغ والقفا والقذال، وما جرى هذا المجرى، وإن كانت معاني الجميع متقاربة. ولأجل ذلك حسنت الكناية في الموضع الذي يقبح فيه التصريح. وأمثال هذا الضرب من الكلام كثيرة، فاعرفه.
وأما الإفراط، فهو بمنزله ما روي عن النبي ﷺ وذلك أن رجلاً جاءه، فكلمه فقال (ما شاء الله وشئت). فقال له رسول الله ﷺ (أجعلتني لله نداً)؟ قل (ما شاء الله وحده)، ومن هذا الباب قول عنترة:
وأنا المنيةُ، في الموِاطن كلَّهاوالطّعْنُ مني سابقُ الآجالِ
فإن الطعن، لا يسبق الأجل، إذ الأجل لا يتقدم ولا يتأخر. وقد قيل (سابق) أقرب أمراً من كونه تالياً، غير أن كلهما إفراط في القول. ومما جاء على نحو من هذا قول بشار.
إذا ما غَضبِنا غِضْبةً مُضَريّةًهتَكْنا حجاب الشمس أو قَطَرتْ دمَا
وقال أبو عثمان الجاحظ في كتاب الحيوان (لم نعلم أحد أسرف في القول كالنابغة
حيث يقول:
إذا ما غزا بالجيش حلَق فوقهعصائب طَيرٍ تُهْتدي بعصائب
جوانح قد أيقنً أنَّ قبيلةإذا ما التقى الجمعان أول غالبِ
لأنه ليس عند الطيور في اتباع الجموع والعساكر إلا ما يسقط من ركابهم ودوابهم إذ كانوا قد رأوا ذلك من تلك الجموع، وألفوه منها، فأما أن يقصدوا بالأمل واليقين لأحد الجمعين بالادالة والغلبة فهذا لم يقله أحد). وقيل أن بعض أفراد هذه الصناعة لما سمع قول قيس ابن الخطيم.
ملكت بها كفى فانْهَرت فتقهَايرى قائمٌ من دونها ما وراءها
قال: هذا لم يطعنه وإنما فتح فيه بابا أبو دربا.
واعلم أن علماء البيان في استعمال الإفراط على ثلاثة أضرب:
فمنهم من يكرهه ولا يراه صواباً كأبي عثمان الجاحظ فيما روي عنه.
ومنهم من يختاره ويؤثره كقدامة بن جعفر الكاتب فإنه كان يقول:
(الغو عندي كان أجود المذهبين فإن أحسنَ الشعر أكذبه).
ومنهم من يذهب إلى التوسط بين الغلو والتفريط، وهو الاقتصاد، وذلك أن يجعل الغلو وهو الإفراط مثلاً ثم يستثنى فيه ب (لو) أو ب (كاد) أو ما جرى هذا المجرى، فيدرك مراده ويسلم من عيب عائب، أو طعن طاعن، وذلك كقول بعضهم:
يكاد يمسكه عرفانَ راحتهركنُ الحطيم إذا ما جاَء يَسْتَلِمُ
وكقول أبي عبادة البحتري:
ولو أنَّ مشتاقاً تكلَّف فوق مافي وسعهِ لسعى إليك المنبر
وهذا المذهب المتوسط أليق المذاهب الثلاثة، وأدخلها في الصنعة، فاعرفه.
النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع