تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

النوع الرابع والعشرون من الباب الأول من الفن الثاني في المعاظلة

وهو نوع من التأليف يجب اجتنابه؛ لأنه عيب في الكلام فاحش. وأصل المعاظلة في اللغة؛ من تعاظلت الجرادتان: إذا ركبت إحداهما الأخرى، فسمى (تأليف) الكلام الذي تداخلت معانيه، وركب بعضها فوق بعض، المعاظلة، مأخوذاً من ذلك وهو اسم لائق بمسماه. ووصف عمر بن الخطاب ﵁ زهير بن أبي سلمى فقال (كان لا يعاظل بين الكلام).

واعلم أن هذا الباب يجب تدبره لاختلاف أهل هذه الصناعة فيه فقال قدامة:

التعاظل: تداخل بعض الكلام فيما ليس من جنسه، ولا أعرف ذلك إلا فاحش الاستعارة كقول أوس بن حجر:

وذات هِدمٍ عارٍ نَواشِرُهاتُصمت بالماءِ توْلَباً جدِعاً
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعا»

فسمى الظبي (تولباً) والتولبُ: ولد الحمار. هذا ما ذكره قدامة، وهو خطأ؛ لأنه لو كان ما ذهب إليه صحيحاً، لكان أصل المعاظلة، في وضع اللغة دخول الشيء فيما ليس من جنسه. وليس أصلها في وضع اللغة كذلك، بل هو التداخل والتراكيبُ.

وهذا المثال الذي مثل به قدامة لا تداخل في معانيه ولا تراكب، وإنما هو استعارة فاحشة فقط، فوجب حينئذ أن لا تسمى معاظلة) لأن حقيقة المعاظلة ليست موجودة فيه.

وأما جماعة الأصحاب من علماء البيان، فانهم خالفوا قدامة فيما ذهب إليه، والحق في أيديهم، لاتباعهم في ذلك حقيقة هذا الاسم، الذي وضع له في أصل اللغة.

وقد مثله الغانمي بقول الفرزدق:

وما مِثْلُهُ في الناس إلا مملَّكاًأبوّ أمَّهِ حيٌ أبوه يقاربه

وهذا مثال حسن لوقوعه على ما مثل به، ألا ترى إلى تداخل معاني هذا البيت بتقديم ما كان يجب تأخيره، وتأخير ما كان يجب تقديمه؟ لأن الأصل في معنى هذا البيت. (وما مثله في الناس حي يقاربه، إلا مملكاً، أبو أمه أبوه).

واعلم أم هذا الذي أشرنا إليه من المعاضلة بابه التقديم والتأخير، وقد سبق ذكره في كتابنا هذا. إلا أن المعاظلة، قد جعل لها أهل هذه الصناعة؛ باباً مفرداً في كتبهم، فلم نر مخالفتهم في هذا القدر، لكنا بينا حقيقتها في بابها وأشرنا إليها بأوضح إشارة وألحظها ليعرف موضعها من التأليف.

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.