تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

النوع الخامس والعشرون من الباب الأول من الفن الثاني في التضمين

وهو ما يزداد به الكلام حلاوة، ويكتسب به رونقاً وطلاوةً، ولا سيما إذا كان التضمين بآيات من القرآن الكريم فإنها تكون في الكلام كالشاهدة له، والمنادية على سداده.

واعلم أن التضمين على ضربين: أحدهما، تضمين الإسناد وذلك يقع في بيتين من الشعر وفقرتين من الكلام المنشور، على أن يكون الأول مسنداً إلى الثاني، فلا يقوم الأول بنفسه، ولا يتم معناه إلا بالثاني. فما جاء من ذلك قول بعضهم:

ومِنَ البلوى التي ليس لها في الناس كُنْةُ
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
أنّ منْ يعرف شيئاًيدّعي أكثر مِنهُ

ألا ترى أن البيت الأول لم يقم بنفسه ولا تم معناه إلا بالبيت الثاني؟ ويجوز أن يكون البيت الثاني لغير قائل البيت الأول كقول بعضهم:

ولما أتاني من حِماك تحيّةٌتَضوَّعُ من أثنائها المسك والنَّدُ
وقفتُ فأعيَيْتُ الرسولَ تساؤلاًوأنشدته بيتاً له المثل الفردُ
وحدثتني يا سعدُ عنهم فزدتنيجنوناً فزدني من حديثك يا سعدُ
للشاعر علي بن محمد الحبشي، اقرأ القصيدة

وأمثال هذا الضرب من الكلام كثيرة، فاعرفها.

الضرب الآخر من التضمين: وهو أن يضمن الشاعر شعره، أو الناثر نثره، بكلام لغيره قصداً للاستعانة على إتمام المراد، وتأكيداً لمعناه، ولو لم يذكر ذلك التضمين لكان المعنى صحيحاً لا يحتاج إلى تمام. وربما ضمنّ الشاعر شعره بنصف بيت أو أقل منه كما قال

جحظة:

قم فاسقنيها يا غُلامُ وغننيذهب الذين يُعاش في أكنافهم

ألا ترى أنه لو لم يقل في هذا البيت:

............ذهب الذين يعاش في أكنافهم

لكان المعنى صحيحاً لا يفتقر إلى شيء آخر يتممه؟ فإن قوله:

قم فاسقنيها يا غُلامُ وغنني ...............

فيه كفاية، إذ لا حاجة إلى تعيين الغناء أي شيء هو؛ لأن في ذلك زيادة على المعنى المفهوم لا على الغرض المقصود. وقد استعمل هذا الضرب كثيراً الخطيب عبد الرحيم بن نباتة كقوله في بعض خطبه: (فيا أيها الغفلة المطرقون، أما أنتم بهذا الحديث مصدقون؟ ما لكم منه لا تشفقون؟ فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون).

وكقوله في ذكر يوم القيامة: (فيومئذٍ تَفِدُ الخلائق على اللهُ بهماً، فيحاسبهم على ما أحاط به علماً، وينفذ في كل عاملٍ بعلمه حُكماً؛ وعنت الوجوه للحي القيوم، وقد خاب

من حمل ظلماً). ألا ترى إلى براعة هذا التضمين، الذي كأنه رصع في هذا الموضع رصعاً؟ وكذلك قوله في ذكر يوم القيامة. (هنالك يقع الحساب على ما أحصاه الله كتاباً، وتكون الأعمال المشوبة بالنفاق سرابا. يوم يقوم الروح والملائكة صفاً. لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً).

وعلى نحو من ذلك جاء قوله: (أسكنهم، والله، الذي أنطقهم، وأبادهم الذي خلقهم، وسيجدهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فرقهم، يوم يعيد الله العالمين خلقاً جديداً، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقوداً، يوم تكونون شهداء على الناس (ويكون الرسول عليكم شهيداً). يوم تجد كل نفس ما علمت من خير محضراً، وما علمت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً). وكقوله في صفة أهل الجنة: (قد أنسوا بجوار الجبار، وكوشفوا بحقائق الأسرار، وتبوءوا منازل الشهداء والأبرار، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار).

وعلى هذا النهج ورد قوله في ذكر القيامة (هناك يرفع الحجاب، ويوضع الكتاب، ويجمع من وجب له الثواب، ومن حق عليه العقاب، فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره فيه من قبله العذاب).

وأمثال هذه التضمينات في الخطب للشيخ عبد الرحيم كثيرة، فاعرفها، فهي من

أعجب ما يجيء في هذا الباب.

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.