تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

النوع السادس والعشرون من الباب الأول من الفن الثاني في الاستدراج

وهو التوصل إلى وصول الغرض من المخاطب، والملاطفة له بلوغ المعنى المقصود، من حيث لا يشعر به، وفي ذلك من الغرائب، والدقائق ما يوثق السامع، ويطربه؛ لأن مبنى صناعة التأليف عليه، ومنشأها منه، فما جاء من هذا الباب، قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً، إذ قال لأبيه: يا أبت لم تعبد مالا يسمع، ولا يبصر، ولا يغني عنك شيئاً، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك، فاتبعني أهدك صراطاً سوياً، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن، فتكون للشيطان ولياً). هذا كلام، يهز أعطاف السامعين، ويبهج نفوس المتأملين، فعليك، أيها المترشح لهذه الصناعة، بإمعان النظر في مطاويه، وترداد الفكر في أثنائه، واتخاذه قدوة ونهجاً تقتفيه، ألا ترى حين أراد إبراهيم، أن ينصح أباه، ويعظه مما كان متورطاً فيه، من الخطأ العظيم، الذي عصى به أمر العقل، كيف رتب الكلام معه، في أحسن اتساق وانتظام، مع استعمال المجاملة، واللطف، واللين، والأدب الجميل، والخلق الحسن؟! مستنصحاً في ذلك بنصيحة ربه؛ وذاك أنه طلب منه أولاً العلة في خطيئته طلب منبه على تماديه، موقظ (له) لإفراطه (في غفلته) وتناهيه، لأن المعبود لو كان حباً، متميزاً، سميعاً بصيراً، مقتدراً على الثواب، والعقاب، إلا أنه بعض الخلق، لاستسخف عقل من أهله للعبادة، ووصفه

بالربوبية، ولو كان أشرف الخلق، كالملائكة، والنبيين فكيف لمن جعل المعبود جماداً، لا يسمع، ولا يبصر؟! ثم ثنى ذلك بدعوته إلى الحق، مترفقاً به، متطلعاً، فلم يسم أباه بالجهل المطلق، ولا نعته بالعلم الفائق، ولكنه قال: (أن معي

لطائف من العلم، وشيئاً منه. وذلك علم الدلالة على الطريق السوي. فلا تستنكف، وهب أنى وإياك في مسير، وعندي معرفة بالهداية دونك، فاتبعني أنجك من أن تضل وتتيه. ثم ثلث ذلك بتثبيطه ونهيه عما كان عليه، بأن الشيطان الذي استعصى على ربك الرحمن، الذي جميع ما عندك من النعم من عنده، وهو عدوك وعدو أبيك آدم، هو الذي ورطك في هذه الورطة، وألقاك في هذه الضلالة. إلا أن إبراهيم ﵇ لإمعانه في الإخلاص، لم يذكر من جنايتي الشيطان، إلا التي تختص منها بالله ﷿: عصيانه واستكاره. ولم يلتفت إلى ذكر معاداته لآدم ﵇ وذريته. قم ربع ذلك بتخويفه سوء العاقبة وما ينتج عليه من الوبال. ولم يخل هذا الكلام من حسن أدب، بحيث لم يصرح بأن العقاب لا حق لأبيه ولكن قال (إني أخاف أن يمسك عذاب) فذكر الخوف والمس إعظاماً لهما، ونكر العذاب، وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة

أشياعه، أكبر من العذاب، وصدر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله: (يا أبت) توسلاً إليه واستعطافاً، فقال له في الجواب (قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم: لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا).

ألا ترى كيف أقبل عليه الشيخ بفظاظة الكفر وغلظ العناد، فناداه باسمه ولم يقابل قوله (يا أبت) بابني؟ وقدم الخبر على المبتدأ في قوله: (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم) لأنه كان أهم عنده وفيه ضروب من التعجب والإنكار، لرغبة إبراهيم عن آلهته وأن آلهته لا ينبغي أن يرغب أحد عنها.

ومن هذا الباب، قوله تعالى: (قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه: أتقتلون

رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم، وأن بك كاذباً فعليه كذبه، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم. أن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) ألا ترى ما أحسن مأخذ هذا الكلام وألطف مغزاه؟ فانه أخذهم بالاحتجاج على طريقة التقسيم فقال: لا يخلو هذا الرجل من أن يكون كاذباً، فكذبه يعود عليه ولا يتخطاه، أو يكون صادقاً فيصيبكم بعض ما يعدكم إن تعرضتم له. وفي هذا الكلام من حسن الأدب والإنصاف ما أذكره لك، أيها المتأمل، فأقول: إنما قال (يصبكم بعض الذي يعدكم) وقد علم أنه نبي صادق وأن كل ما يعدكم به، لا بد من أن يصيبهم (كله) لا بعضه، لأنه احتاج في مقاولة خصوم موسى أن يسلك معهم طريق الإنصاف والملاطفة في القول، ويأتيهم من جهة المناصحة، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل في تصديقهم له، وقبولهم منه، فقال (وإن بك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم). وهو كلام المنصف في مقابلة غير المشتط فيه؛ وذلك أنه حين فرضه صادقاً فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد به، لكنه أردفه بقوله: (يصبكم بعض الذي يعدكم) ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه

حقه وافياً، فضلاً عن أن يتعصب له. وتقديم الكاذب على الصادق من (هذا) القبيل، وكذلك قوله تعالى: (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) أي لو كان مسرفاً كذاباً لما هداه للنبوة ولا عضده بالبينات.

فتدبر أيها المتأمل لهذه الدقائق اللطيفة تضع يدك على النقط في صناعة التأليف.

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.