من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
النوع السابع والعشرون من الباب الأول من الفن الثاني في الأرصاد
وهو نوع من أنواع علم البيان، لطيف المأخذ، دقيق الصنعة؛ وذلك أن يبني
الشاعر البيت على قافية قد أرصدها له أي أعدها في نفسه، فإذا أنشد صدر البيت عرف ما يأتي به في قافيته؛ وذلك من محاسن التأليف، لأن خير الكلام ما دلَ بعضه على بعض. وفي هذه الصناعة يقول ابن نباتة:
خذها إذا أنشِدَتْ للقومِ من طَرَبصدورها عرفت منها قوافيها
يَنْسى لها الراكبُ العَجْلان حاجتهويُصبح الحاسدُ الغضبان يُطربها
فمن هذا الباب قول النابغة:
فداء لامرئ سارت إليهبعذرة ربها عَميّ وخالي
ولو كفي اليمين بغتك خوفاًلأفردت اليمين من الشمالِ
ألا ترى أنه يعلم، إذا عرفت القافية في البيت الأول، أن في البيت الثاني يكون ذكر الشمال.
وقال البحتري:
أحلّتْ دمي من غير جُرم وحرّمتبلا سبب يوم اللقاء كلامي
فليس الذي حَلَّلتِهِ بمحلَّلٍوليس الذي حرَّمتِهِ بحرامِ
فليس يذهب على السامع وقد عرف البيت الاول، والمصراع الأول من البيت الثاني منه (أن عجزه هو ما) قاله البحتري، فاعرف ذلك، وقس عليه.
ومن هذا الأسلوب قوله تعالى: (وما كان الناسُ إلا أمةً واحدةً فاختلفوا، فلولا كلمة سَبَقَتْ من ربك لَقُضي بينهم فيما فيه يختلفون). فإذا وقف السامع على قوله (فيما فيه) عرف أن بعده (يختلفون) لما تقدم من الدلالة عليه.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: (ومنهم من خَسَفنا به الأرض، ومنهم من أغرَقْنا، وما كان الله ليَظْلمَهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). وعلى نحو منه ورد قوله - عز من قائل - (كمثل العَنكبوت اتّخَذتْ بيتاً، وإنَّ لأوهَنَ البُيوت لَبَيْتُ العنكبوت) فإذا وقف السامع على قوله: (وإن أوهن البيوت) يعلم أن بعده (لَبَيْتُ العَنْكبوت).
وأمثال هذا كثيرة فاعرفها؛ إلا أن أبا هلال العسكري قد سمى هذا النوع (التوشيح)، وليس كذلك لأن تسميته: (الأرصاد) أولى، وذلك حيث ناسب الاسم مسماه ولاق به. وأما (التوشيح) فهو نوع آخر من التأليف وسيأتي ذكره في بابه.
واعلم أنه قد اختلف أرباب هذه الصناعة في تسمية أنواع علم البيان، حتى إن أحدهم يضع لنوع واحد اسمين، اعتقاداً منه أن ذلك النوع نوعان مختلفان، وليس الأمر كما وقع له بل هما نوع واحد. فممن فعل ذلك (الغانمي) فإنه ذكر في كتابه باباً من أبواب علم البيان وسماه (التبليغ) وهو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاماً من غير أن يكون للقافية فيما ذكر صنع، ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها حتى يتم وزنه، فيبلغ بذلك الغاية القصوى (في الجودة)، كقول امرئ القيس: -
كأن عيون الوحش حول خبائناوأرحلنا الجزعُ الذي لم يُثقَّبِ
فأنه قد أتى بالبيت كاملاً قبل القافية ثم جاء بها، بلغ بها الأمد الأقصى في التأكيد. ثم إنه ذكر بعد هذا الباب باباً آخر وسماه (الإشباع) فقال: هو أن يأتي الشاعر بالبيت معلقاً بالقافية على آخر أجزائه، ولا يكاد يفعل ذلك إلا حذاق الشعراء: وذلك أن الشاعر إذا كان بارعاً جلب بقدرته وذكائه وفطنته إلى البيت، وقد تمت معانيه واستغنى عن الزيادة فيه، قافية متممة لأعاريضه ووزنه، فجعلها نعتاً للمذكور، كقول ذي الرمّة: -
قف العيس من أطلال مية فاسألرسوماً كأخلاق الرداء المسلسل
هذا الكلام الغانمي بعينه، والبابان المذكوران سواء، لا فرق بينهما بحال من الأحوال، والدليل على ذلك أن بيت امرئ القيس يتم معناه قبل الإتيان بقافيته. وكذلك بيت ذي الرمة. ألا ترى أن امرأ القيس لما قال:
كأن عيون الوحش حول خبائناوأرحلنا الجزع
أتى بالتشبيه قبل القافية؟ ولما احتاج إليها جاء بزيادة حسنة وهو قوله: (لم
يثقب)؟! وهكذا ذو الرمة فإنه لما قال: -
قف العيس في أطلال مية فاسألرسوماً كأخلاق الرداء
أتى بالتشبيه أيضاً قبل الإتيان بالقافية. ولما احتاج إليها أتى بزيادة حسنة؛ وهو قوله: (المسلسل).
واعلم أن أبا هلال العسكري قد سمى هذين القسمين بعينهما (الإيغال).
وقال: هو أن يستوفي (الشاعر) معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه ثم يأتي بالمقطع فيزيد فيه معنى آخر.
وأصل (الإيغال) من (أوغل في الأمر، إذا أبعد في الذهاب فيه).
ثم مثل أبو هلال ذلك بقول ذي الرمة:
(قف العيس......)
وهذا أقرب أمراً من الغانمي، لأنه ذكره في باب واحد، وسماه باسم واحد: ولم يذكره في باب آخر، كما فعل الغانمي - رحمة الله - وليس الأخذ على الغانمي في ذلك مناقشة على الأسماء وإنما المناقشة له على ينتصب لا يراد علم البيان، وتفصيل أبوابه. ويكون أحد الأبواب التي ذكرها داخلاً في الآخر، فيذهب عليه ذلك، ويخفى عنه، وهو أشهر من فلق الصبح.
النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع