تجاوز إلى المحتوى

من «كنز الكتاب ومنتخب الأدب» للبونسي (ت ٦٥١هـ)

فصل ومن أحسن ما كتبوا إلى الإخوان وأطلعوه من غُرر البيان

يا سيدي، وأعظم عَدْوِي والعِسْقَ الخطير في مُعْتَقَدِي. الحميد عَهدُه، الوكيدَ على مرِّ الأيام عَقْدُه،

ومنْ أبْقاه الله قريبَ المُراد، خصيب المَرَاد. وَرَدَني، أَعَزَّكَ الله، كتابُكَ الأثير، والنَّفيسُ الخطير، فَسَّر

بما أَهْداهُ منْ صلاح حالِك، كما أَساء بما أَدَّاه من اشتغال بالك، بإعْياء المذْهَبِ، في سوء المطلب، وما

سدّ الله باباً، إلا فتح أبْواباً. فَهَوِّنْ على النفس العزيزة أعاد الله أُنْسها وانْسَ فَوْتَ مالم يُحْتَم، وتعذرَ

مالم يُقْسم، ولا تكترثْ لِسهمٍ أَخْطأ، وحظ أَبْطأ، فما كلُّ ساع يحظى، ولا كل غريم يقضى، ولا كل

سهم يصيب، واذكر قول حبيب:

وقد يكهم السيفُ المسمى منيةًوقد يرجع المرءُ المظفَّر خائبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أأيامنا ما كنت إلا مواهبا»

فانتض، أعزَّكَ الله، منْ أثوابِ الغُربَة، إنَّكَ غير مملولُ الصحبة، وتنزَّهْ عن نوال المذلة، رُبَّ مكثرٍ

بعد قلَّة، وانصرف راشداً، ولا تَهبْ حاسداً، فالحاسد لئيمٌ، والمحسود كريم، وأَقْبِلْ إليَّ، مُغْتَبِطاً بما

لديَّ، فحالي حالُكَ، ومالي مالك، لا يخونك عُسْر، ما دام لي يُسر:

ولا تُتْبع التثريبَ نَفْساً جَهِدْتَهاعلى فوتِ حظٍّ نيْله لم يُقَدَّرِ
فَقَدْ يخلف المطلوب ما ظنَّ مُعْذِرٌوتجني المُنى عفواً يمينُ المعذِّر
إذا كنتَ في قَدْر الدَّراريِّ رِفْعةًفقل لليتامى رُب نُجْحٍ مقَهْقر
ولا تَيْأَسَنْ من عودة الدَّهْر إنَّهيُمِرُّ ويُحْلِي ليسَ هذا بمنْكر
وما تتَّقِي منْ شامتٍ عند نبوةٍوَحدُّك أَمْضى منْ فُتور بأحْور
ولا عارَ في تقصير جَدٍّ بسَائِقٍإذا لم يكن في باعِه بالمُقَصِّرِ
ذَرِِالهَمَّ في الأعْراض إن أَعْرَضَ القنابجوهر فهم يزدري كلَّ جوهرِ
ففي كفِّكَ اليُمْنَى يسيرٌ من المنىإذا أعْسرتْ كفُّ الغنيِّ بمُعْسِرِ
وفي سحرك المنظومِ تعجيزُ بابلٍوفي وَشْيِكَ المرقومِ تكسيرُ عبقرِ

أدال الله يدي من بينك، بأوْبةٍ يُقَرِّبُها لمحُ عيني وعينك، وَحَرْسُ مُهْجَتِكَ الكريمة، إنها الحظُّ

والغَنيمة.

قوله (فقد يخلف المطلوب ما ظَنَّ معذر): المُعْذِرُ في طلب الحاجات، هو المبالغ المجتهد الذي أعْذَر:

أي أَتَى بعذر صحيح. والمُعَذِّرُ

بفتح العين وتشديد الدال مكسورة، هو المتواني في أمره، فهو مُقَصِّر فيه، ويوهم أنَّ له عُذْراً ولا

عُذْر له. ويكون أيْضاً بمعنى مُعْتذر، أدغمت التاء في الدال. والاعتذار يكون بحق مرة، وبباطل مرة.

ويقال أعْذر في الأمر، إذا قَصَّر فيه.

وقرأ ابن عباس والضحاك

وحُمَيْد (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ). بالتخفيف، وتابعهم يعقوب. ورواها قتيبة بن مهران عن

الكسائي ورواها أبو كريب عن أبي بكر بن عياش عن عاصم. ووجْهُ التخفيف فيه أي الذين بالغوا

في العُذْر. ومنه قولهم (قد أعذر من أنْذَر). وقرأ الجمهور وجاء المُعَذِّرون. بالتثقيل. على أنَّ الأصل

المعتذرون، فأدغَمت التاء في الذال كالمزمِّل والمدثر والمذكر وشبهها.

قال المفسرون مجاهد وقَتَادة وغيرهما: هم نفر من غفارٍ جاؤوا النبي ﵇ فاعتذروا إليه، فلم

يقبل منهم لِعِلْمِه ﷺ أنَّ اعْتذارهم باطل.

وقرأت في النوادر قول أبي بكر بن دريد ليس المقْصِر واحداً كالمقصِّر. حكم المعذر غير حكم

المعذّر.

وقوله (ذر الهم في الأعراض) الأعراض جمع عِرض، وهو معلوم.

وقوله (إن أعرضَ القَنا) أي: إن أعرض القنا عنك، هو من قولهم: أَعْرَضْتُ عن فلان، وأعْرَضَ

هو عني. ومعناه: تنَحَّيْتُ عنه وتنَحَّى هو عني، فأريته عُرْضَ وجهي وأراني عُرْضَ وجهه. ويقال

أيْضاً: أعْرض لكَ الشيء إذا بدا. ومعناه أراك عَرْضه. ومنه قول عمرو بن كلثوم:

وأعْرَضَتِ اليَمامةُ واشْمَخَرَّتْكأَسْيافٍ بأيْدي مُصْلِتينا

وفي هذا اللفظ اشتراك، وبابه متسع.

وقوله: (أعسرتْ كفُّ الغني بمعسر) يقال: أَعْسَرَ الرجُل يُعْسر إعْساراً، فهو مُعْسِرٌ إذا افتقر، ورجل

أَعْسرُ، يقال ذلك أيْضاً للذي يعمل بشماله. وعَسُر الشيء عُسْراً. وفي كتاب الله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ). قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: اليسر: الإفطار في السفر، والعُسْرُ: الصَّوم فيه وفي المرض.

وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى أبي عبيدة وهو محصور: (إنه مهما تنزل

بامرئ شديدة، يجعل الله بعدها فرجاً، وإنه لن يغلب عُسْرٌ يُسْرَيْن).

قال أبو سليمان قوله: لن يغلِب عسر يسرين إنما هو تأويل قوله تعالى (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا). وفي ظاهر التلاوة

عُسْران ويسران؛ إلاَّ أن المراد به عسر واحد؛ لأنه مذكور بلفظ التعريف، واليسر

مذكور بلفظ التنكير مرتين. فكأن كل واحد منهما غير الآخر.

وقال الفراء: العرب إذا ذكرت نكرة، ثم أعادتها بنكرة مثلها صارت اثنتين. كقولك: إذا اكسبت

درهماً فأنفق درهماً. فالثاني غير الأول. وإذا أعدتها بمعرفة فهي كقولك: إذا كسبت درهماً فأنفق

الدرهم، فالثاني هو الأول.

قال الفراء: (ومن هذا قول بعض الصحابة: لن يغلبَ عُسْرٌ يُسْرين. وقال بعض المتأخرين: (هما

سواء لا فرق بينهما، والذي استشهد به الفراء غير ذلك. وذلك أن القائل إذا قال: إن في الدَّارِ زَيْداً إنَّ

في الدار زيداً مرتين، لم يدل على أنه غير زيد واحد، كما لم يدل على أكثر من دار واحدة).

قال: وقول عمر (لن يغلبَ عسرٌ يُسْرين) معناه أن للعسرين يسرين. إمَّا فرجٌ عاجِلٌ في الدنيا، وإما

ثوابٌ في الآخرة.

وقال محمد بن المؤمل في قوله تعالى (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) قال: هو من مظاهر القول، يراد به التوكيد كقوله (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ).

وكقول الشاعر:

إذا التيازُ ذو العضلات قلناإليك إليك ضاق بها ذِراعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

وكقول الآخر:

هلا سألت جموع كِنْدَةَ حين ولَّوا أين أَيْنا

وقوله: (من مظاهر القول) مما يؤكد ويقوي القول؛ من الظهير، وهو العون.

وقوله: (تكسير عبقر). عبقر موضِع باليمن ينسج فيه الديباج.

قال الأصمعي: إذا استحسنت العرب الشيء واستجادته قالت فيه عَبْقَري. وأصله أنَّ عَبْقَر موضع

تجود فيه صناعة الوشي. قال الراجز:

متكئاتٌ فوق فرش العبقَرِفي جنة الله الجليل الأكبرِ

وقال ذو الرمة:

حَتَّى كأنّ رياض القَشٌْع ألبسهامن وشي عبقر تحليل وتنجيدُ

وفي حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "أريتُ في المنام أُنَازِعُ

على قليبٍ بِدلو بَكْرة، فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف. والله يغفر له، ثم جاء

عمر بن الخطاب فاستحالت غرباً، فلم أر عبقرياً يفري فَرْيَه حتى روى الناسُ وضربوا بعطن". ومنه

قول زهير:

بِخَيْلٍ، عليها جِنَّة عبقريةجديرون يوماً أن ينالوا فيستعلوا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو»

قال:

والمراد بهذا، والله أعلم، قصرُ مدة خلافة أبي بكر ﵁ لأنها كانت، فيما ذكر، سنتين

وثلاثة أشهر وعشرة أيام. وطول مدة خلافة عمر ﵁، لأنها كانت عشر سنين وستة أشهر

وأربعة أيام. ذكر هذا أهل العلم بالتاريخ.

رجع

جواب الرسالة المتقدمة:

يا مولاي وسيدي، وربَّ النِّعَمِ الجسيمَة، سيدي ذا الأيادي الغُرِّ، والنِّعَم الخُضْرِ، والمواهب الجزيلة،

والمذاهب الجميلة، والهمَّة العالية، والرتبة السامية، والآداب المنخولة، والشمائل المعسولة، ومنْ أطال

الله بقاءهُ، والآمال موقوفة عليه، وحنانُ النجاح في يديه، والسعْدُ دائمٌ، والحسودُ راغمٌ، تجري الأقدارُ

على مرْغوبه، في تسيير مطْلُوبه.

كتبْتُهُ، أبْقى الله مولايَ وسيدي، عنِ العهد الكريم، والودِّ السليم، لاغاية له فأَحُدُّها، ولانهاية فأقِفُ

عندها؛ لكنني أُحيلُ على معْهودٍ، غير محدود، ولمَّا بعدتِ الدارُ، وشَطَّ المَزارُ، لمْ يبْقَ منَ التواصل،

غير التراسُل، فهو عند الاضطرار، تواصُلُ الأحرار، بَقِينَا نتعلل بالحروفِ، ونُقيمُ الصِّفة مقامَ

الموصوفِ، فجَفَّتِ الموارد، وقلَّ الصادر والوارد، فلا وصل إلا بِخَيال يَسْري، أوْ نسيم يجري:

ولما أَتَتْني الريح من نحو أرْضكموقد ضُمِّخَتْ بالطيب كُلُّ المسالِكِ
تُذكرني عهداً كريماً وجيرةكراماً نماهمْ كلُّ أرْوَع تائك
وإذْ أنَّا شَرْقيَّ العُذَيبِ بفتيةتُمَلِّكُهم أَخْلاقُهم كلّ مالكِ
يبذُّون أبناء الزمان نجابةورقَّةَ آدابٍ ولينَ عَرَائِكٍ
حَنَنْتُ ونارُ البين بين جوانحيتثير سحاباً عن هموم هوائك
وأَيْقَنْتُ أن الطيبَ أطيب... قد اكتنفت بيتي علي بن مَالِك
فتىً لو أَلمَّتْ بالقبُور حلاوةُشمائله أحْيا بها كلَّ هالِكِ
ولو خاطبَ الكفار في نبذ كفرهملعادَ إلى نهجِ الهُدى كل آفِكِ
ولو أنَّ نور البدركان كنورِهلما استصعبتْ سير الدجى نفس سالِك
مهذبة أعْراقُهُ في نِجارِهِمقابلة من سامك حذو سامك
فمن قاسه بالناس جهلاً بقدرهيكنْ مثل من قاس اللجَيْنَ بآنُك
فلونُهما قد يستوي عند ناظروبينهما بَونٌ بعِيدٌ لسابك

وهذا كقول أبي جعفر التُّطيلي:

والناس كالناس إلا أنْ تُجَرِّبَهموللبصيرة حُكْمٌ ليس للبَصَرِ
للشاعر الأعمى التطيلي، اقرأ القصيدة
كأَلأَيْكِ مُشْتَبِهاتٌ في منابِتِهاوإنَّما يقعُ التفضيلُ بالثَّمر
للشاعر الأعمى التطيلي، اقرأ القصيدة

وفي المعنى:

يا مولاي ومؤيدي، ومصادي ومَعقِلي، ومَصْدَري في الحادثاتِ وموردي، الرفيع المزير، القليل

الشكل والنَّظير، ومنْ أطال الله بقاءَهُ خافِقاً لواء عزِّه، وشاهِقاً بناء حِرْزِه، قد طوَّقني مولاي ومؤَيِّدي

لا يُحيطُ بها قوْلٌ ولا ذِكْرٌ، ولا يَبْلُغُها وصفٌ ولا نشْرٌ، ولا يُؤدِّيها عنِّي عملٌ ولا شُكْرٌ:

وكيفَ أُؤَدِّي شُكْرَ من إِنْ شكرتُهعلى بِرٍّ يومٍ زادني مثْلهُ غدا
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
فإنْ رُمْتُ أقضي حقَّ بعض الذي مضىرأيتُ له فَضْلاً عليَّ مُجدََّدَا

فالله ولِيُّ جزائكَ، على ما كانَ منْ نعْمائكَ، ووَصَلَ كتابُكَ أَسَرُّ الِكتُبِ عندي مَنْظَراً وَمَخْبَراً، وأَجَلُّها

مورداً ومَصْدراً، أشْهى منْ لمْحة الحبيب، وغَفْلة الرَّقيب، فحلَّ منْ قَلْبي محَلَّ الماء من الظَّمآن،

والوصل بعد الهجران، والنماء بعد النُّقصان، والشفاء بعد السقمِ، والوجودِ بعد العدمِ. فحَمِدْتُ الله على

ماأعْلَمْتَني فيه من سلامة حوبائك، وشكَرْتُهُ على ذلكَ شُكرَ المُعْتدِّ ببقائك، المُبْتَهل إليه في حُسنِ

ولائكَ، ودوامِ نَعْمائكَ.

فلَمَّا فرغْتُ من قراءة الكتابِ، أخَذْتُ في الجوابِ، فأنْفذتُه نحوكَ مُتَطَلِّعاً ما عنْدَكَ، فلمَّا تأخَر جوابُكَ،

ظَنَنْتُ أنَّ كتابي لمْ يصلْ، فأرْدَفْتُهُ بكتابي هذا مؤَكِّداً عليكَ، بلْ راغِباً في إجابتي نحو بابِكَ،

ومطالعتي بكتابك، وحرَّكني ما أنا عليه من محبتك، والشَّوقِ إلى رؤيَتِكَ، أنْ قُلْتُ أَبْياتاً يسيرَة منَ

الشعر، تشهد لي ببعض الأمر، فلَكَ الفضلُ في الإصغاء إلَيْها، وعليها، وهي:

أحِنُّ شوقاً إلى أبي الحَسَنكأنَّ أهْلي لديه أو وطني
ما في حنيني إليه من عَجَبٍصبري عنه من أعظم المِحَنِ
ما باخْتِيارٍ صَبرْتُ عَنْهُ ولوأعْطيْتُهُ مِنِّي الوصلَ لمْ أبِنِ
أوحكم القلب في زيارَتهلطار شوقاً إليه منْ بدني
أَقسمت بالله يا أبا حسنٍماذُقْتُ مُذ غبت لذة الوسن
ولستُ أعتد مدةً سلفَتْلم تكُ فيها معي من الزَّمَنِ
ولا أُريدُ المقامَ في بلدٍلم تك من ساكنيه يا سَكني
يريدُ قومي بأنْ أُثاقِبَهمولا يكاد الفؤاد يسعدني
كمْ أكثروا عذله فقلتُ لهمحُبُّ بني مالِكٍ تَمَلَّكني
ياقومِ إني إذا أبنْتُ لهمْخشيتُ ربِّي بأن يُعذِّبني
كمْ لِعليِّ علَيَّ منْ منَنٍغُرٍّ وكم نعمة قد أَلْبَسني
وكمْ أيادٍ بيضٍ لهُ قِبَلييَؤدُّني حَمْلُها ويُثقلني
فلستُ أقضيه حقها أبداًلكنْ لساني الشكر ليس منّى
لا زال في عِزَّةٍ وفي شَرَفٍما سجَعَ الهاتفاتُ في فَنن

وفي المعنى:

يامولاي بعَلائه، وسيِّدي بسَنائه، وتتابُع مِنَنِه وآلائه. دوْحةُ ظلالٍ، وروْضةُ آمالٍ، الذي إنْ كاثرْتَ

به كَثُر، أوْ فاخَرْتَ بحَمْدِه بهر، ومنْ أدامَ الله بهجة أيامه، ومتَّعَ العبادَ بعدلِ أحْكامه.

كتبته، أَبْقى الله مولاي وسيدي، إِثْر ما وردَ كتابُه الرائقُ، بلْ شِهابُهُ الطارِقُ، مطرَّزاً بسحر بيانه،

موشَّحاً بوشيِ بنانه، يرفلُ في أثْوابِ البلاغة الضَّافية، ويكرعُ في

مواردها الصَّافِية لفظٌ سَكْرٌ في المراشِفِ، لَدْنُ المعَاطِفِ، إنْ سُمْتَه أطمع، أوْرُمْته امتنعَ، سوانِحُ أفْكار، بينَ نَظْمٍ ونثارٍ، كلاهما أَلْيَقُ بالنفس من ذمائها، وأشهى إليها من حياتها، تكادُ الأقلامُ تَدَّعيه، والقراطيسُ تعيه، إنْ قُرئَ فالأسحارُ

ساجدة، أوْ نُشِرَ فالأعْلاقُ كاسدة، نقده معجز، ونَيْلُهُ مُعْوِز، وحُقَّ لمن انتمى البحرُ إلى كرمه،

وتواضع النجم إلى هممه، وحلَّ السِّحْرُ بين لسانه وقلمه، أنْ تُقَلِّدَهُ الكتابَةُ دُرَرَها، وتَكْسوهُ البلاغة

تحْجيلَها وغُرَرَها. وكيفَ لا، وفكرُهُ قد غذَّتْْهُ الفِطَنُ بمائها، وأنارته العلومُ منْ سَنَاها وسَنَائها، فالذَّكاءُ

يعده، وبحارُ العلوم تمدُّهُ. لا جرمَ أنَّ منْ تعاطى شأوَ مباراته، وتعرضَ إلى ميدان مُجاراته، أَتْعَبَ

خاطرَه، وأسهر ناظره، وفصح اليقينُ ظنونه، وأَُرْتِجَ بابُ القول دونه. ولمَّا تطلَّعت العينُ في رُقومه،

وسفرتْ إلى الفُؤادِ بمنْثوره ومنظومه، طوى خِلْبَه عليه، مُغْتَبِطاً بما لديه، فكم غُلَّةٍ برَّد، وأُنْسٍ جَدَّد

بلْ كم أمَلٍ بلَّغَ، وجَذَلٍ سوَّغَ. كتابٌ هوَ من العينِ انْسانُها، ومنَ الحياة أمانها، ماذكر منَ الشوقِ إلا

الذي أُجدُه، ولا وصفَ من الودِّ غير ما أعْتقده، ولمَّا أرَدْتُ الأخْذَ في مراجعته، أَيَّدَه الله، خَذَلَتْني

فِكَري، وسكنت بلاغته حصري، فرأيْتُ التجامُلَ عن التَّثاقُل، أوْلى منَ العتاب في ردِّ الجوابِ.

وفي المعنى:

أطال الله بقاء الفقيه الوزير، والسيد الفاضل المزير، أبي فُلان مولي المحاسن ومالكها، وباني

المفاخر وسامكها، اللابِس من الحمد سبع دروعٍ، والماجد بأكرم

أصولٍ وأنْجبِ فُروع. إنسانُ عين

زمانه، وحاوي قصب السَّبْق في زمانه، ذو المجد المؤَثَّل، والقدر المرفَّل، ومعال خفضت كل عال.

كبَتَ الله حاسديه، وأنْمى غِبْطَتَهُ وكَثَّر غابطيه، وتَمَّمَ نعماءه، وحرسَ منْ فرده الحاسدين سماءه.

كتبته عن لسان يخدُمُ ما أَُضمِره، وجَنانٍ يستقلُّ كثيره وَيَسْتَنِيرُه، وذكرٍ أعْطر من النَّدِّ يعْبَقُ شذاه،

والروض ينفَحُ في نداه، وأطيبَ من الراح، تُشَجُّ بالبارد القرَاح. أُعيده تَرْديداً، فأجِدُه لذيذَ المذاقِ

جديداً. تشوَّفتِ النفس تفديك، إلى جميل ذكر تهديك، وشُكْرٍ تضوَّع بريَّاه، بجامٍ تَنِمُّ حُمياه، فسمحت

القريحة بنزْرٍ وجَّهْت به على عجَل، مُسْتقيلاً ما مرَّ من عِثارٍ فيه أو زَلل، فتصفَّحْ بمثل عَطْفِك، على

شريطَة الصفْحِ ما قصَّر عنْ جليلِ وصفِكَ. والسلام.

وفي المعنى:

يامولاي إقْراراً، وإلى الحقِّ بِداراً، اعترافاً وقوْلاً بما سلَفَ من آلائكَ التي هي الكواكِبُ شُهْرة،

والحصى كثْرة: ولو سكَتوا أثْنَتْ عليْكَ الحقائب.

ومن أطال الله بقاءه بعدلٍ يضعه، وجميلٍ يصنعه، وشُكْرٍ يُمْسِكُ لواءَهُ، ومجْدٍ يُشَيِّدُ سناءه.

كتبته، أيدك الله، وأنا في مُخاطبتي إياكَ بين فقر تَعرِض، وحَصَر يَعْتَرض، وخَاطِرٍ يقدمُ، وقلمٍ

يحْجِمُ، وحُقَّ لمن أجال فكرهُ في منصبك المنيف، ومَحَلكَ الرفيع الشريف، ومجدك الكثيف وجلالكَ،

وكريم خلالِكَ، ولو كانت له براعة سَحْبَان

ويَراعَةُ بديع الزمان، أن يدهشَ جَنَانه، ويخرس لِسَانُه،

وترعشَ بنانه، غير أنَّ الإدلال، يقتضي الاسترسال، فكل يحل عقده، ويُنْفقُ مما عنده، وإنْ كنت في

ذلك كمن سابَقَ الجواد بمطية، وفاخر غانماً بعطية. ولما وردَ كتابُهُ الخطير الذي هو ريحانَةُ النفس،

وسرُّ السرور والأنس، مددتُ يد البدارِ إليه، ووقفْتُ وقُوفَ الحريصِ عليه، فاطَّرَدَت لي البلاغة منْ

أَثْنائهِ، وتَضَوَّعَ المسْكُ منْ أرْجائه، وأدارتِ الفصاحة عليه جِرْيالَها، وسحبَت مُخْتالةً أذْيالها، وقد

انتظم فيه وشيُ صنعاء بزهر الرياض، وسحرُ بابل بغنجِ الأعين المراض. وقد أخذ النثر صَدْرَ

ميدانه، وتلاه القَرِيضُ ثانياً من عنانه، ولما هزت السطور قدودها، وأقامت الأبيات بنودها، واستولى

القصيد أمده، واستوفى عدده، أعدَّت القوافي سلاحها، وسدَّدَتْ رماحَها، فَحمِيت جنابها، ومنعتْ

ركابها، فتحامت الرَّوِيَّ اضْطرارا، وركبت العروضَ اخْتيارا، فَنَمتْ ببعضِ المُشاكَلة، وإنْ كان بُعْداً

عنِ المُمَاثَلة:

إلى ذي شيمةٍ شَغَفَتْ فُؤاديفلولاه لقُلْتُ بها النَّسيبا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وكيف لا أحن إلى سليل أكارمٍ، وأحرص على شقيق مكارمٍ، وأتشوَّقُ إلى رضيع مجد، تشوقَ حُرَّان

إلى بدر نجد، وله مشاهدُ أحلى لديَّ من الشِّهاد، وأشهى إليَّ من الغُمْضِ عقِبَ السُّهاد. كلٌّ يشهدُ بسبْقِ

أوَّليَّتِه، وعِتْقِ سجِيَّته،

وكريم محْتِدِه، وطيبِ مولده. ولئِنْ قصَّرَتْ يدُ الجزاء عنْ مُقارضةِ قَرَْضِه،

وتأديةِ ما حقَّ منْ وكيد فرضه، لأشْكُرَنَّ ما أَلْبَسْتَنيه من باهر حلاه، وجَلَّلنى من فاخر نُعْماه، وله

الفضل الكامل، والبِرُّ الشامل، في قبولِ جُهدي، منْ مبْذولِ وجْدي، ليحوزَ المِنَّتين، وينظم النِّعْمتين،

وذو الجلال والكَمالِ، يأخُذ له بأكمل الفضل، وأطول الطول، ويُتِمَّ نعمَتَهُ عليه، كما أتَمَّها على البُراة

المُنْجبين آبائه الأكرمين، إنَّه ولي المُنْعمين، لا شريكَ له.

وكتب أبو نصر إلى أبي محمد بن السيد البطليوسي:

أطال الله بقاء الفقيه الأجل، غمامي المستهل، وحسامي المستل، والأيام تتشرَّفُ ببقائه، والهِمم

تتشوفُ إلى لقائه. اليوم أغْفِرُ للأيام ذنُوبها، وأُعَطِّرُ صَبَاهَا وجنوبها، وأبْعثُ منْ حمدي لها عبقاً

ورياً، وأديرُ عليها الشكر حُمِّياً، وأخْلعُ عن المطايا عقالاً، ولا أكَلِّفُه وخْذاً ولا إرْقالاً، ولا أبْتَغي بها

مراقاً، وأجْعَلُ ظهورها عليَّ حِدَاقاً، فقد أرتْني لخيامكَ أعْلاماً، وشَفَتْني منْ آلامِ بِعادِكَ وكانت آلاماً

وَسَأَحُلُّ من فنائكَ ضيفاً، وأراكَ شخْصاً بعد أنْ تَمَنَّيْتُكَ طَيْفاً.

وأَنْفَذْتُهُ من الجزيرة وقد ابتسم ثغر الصباحِ، ووسمَ وقعُ أيدي المطايا خُدُودَ البِطاحِ، وللغَمامِ انْسجامٌ

يحكي نداكَ، وللخليج فيضٌ كأَنَّهُ يداكَ، وللجَوِّ عُبوسٌ أكْسَبَ الروضَ طلاقةَ مُحياكَ، وساعة لُقياك،

وسأُوافيكَ، فأَهصر أَفْنانَ

تَحَفِّيكَ، وألْتقط الدُّرَّ النفيس من فيكَ. وقد أَتْمَمْتُ الكتابَ الذي كنتُ بدأته،

وحَليتُ به العصر وقلَّدْتُه، وقد خَصَصْتُكَ بالذكر فيه، وأنتَ بفضلكَ تتأمَّلُهُ وتَجْتَليه، فَتَعْلَمَ به

إخْلاصي، وتتحقَّقَ به غاية اخْتِصاصي، ولكَ الفضْلُ في مراجعةٍ تُطْلِعُها بدْراً عليَّ، وأجدُها نوراً

يسعى بين يدي. َّ إنْ شاء الله ﷿.

فراجعه الأستاذ أبو محمد:

أطال الله بقاء ذي الوزارتين الجليل، الكاتب النبيل، قريع دهره، وبديع عصره، الذي عليه تُثْنى

الخناصر، وبِمثله يفاخر المُفاخر، مرقىً من المراتب أَعْلاها، مُلْقى من المآرب أقصاها:

ليس بالمنكر أنْ برَّزتَ سَبْقاًغير مدفوعٍ عن السَّبْق العِرَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما بدر بن عمار سحاب»

وافاني، أدام الله عزَّكَ، كتابٌ شغل حاسَّتيْ سمعي وناظري، وملأ حافتي فكري وخاطري، أراني

الدُّر إلا أنَّه لم يُنَظَّمْ، والسحر إلا أنَّه لم ُيُحَرَّم؛ بل لوْ صيغَ عِقْداً لأخْجَلَ الدُّرَّ والعقيان، أوْ حيكَ بُرداً

لعطَّل الديباج والخُسْروان، فلله قريحة أذْكتْ ناره، وأطلعتْ أنواره، إنَّ مُزنها لَغَيْرُ جهام، وإنَّ سيفها

لغير كهام، وإنَّ ثَمْدَهَا لَعِدٌّ وبِحَارُ، وإنَّ زَنْدها لمرجٌ وعَفَار.

وحبَّذا سيدي أدام الله عزَّه، وقد طلعَ علينا طُلوعَ البدْرِ في الغسقِ، وضَمَّخَ أفقنا بخُلُوقِ ذلكَ الخلق،

فاقتدَ حْنا زَنْد ذكائه فأَوْرى، ولَمَحْنا كوكَبَ سمائه

فأعْشى، وشاهدْنا به البلاغة شخْصاً محسوساً،

والرئيس المتعاطي للفصاحة مرؤوساً، أقْدَمَه الله خير مَقْدَم، وأَغْنَمَهُ أَفْضَل مَغْنم، بمنِّه، ورأَيّتُكَ، أطال

الله بقاءكَ، قد نَحَلَْْتني فَضْلاً، لم أكنْ له أهْلاً، وحَلَّيتني بمفاخر وحلىً، اقتبسْتُها مِمَّا لكَ منْ مآثر

وَعُلىً، وقدْ أبى الله إلا أنْ يكونَ لك الفَضْلُ، منْ بعدُ ومنْ قبْلُ. والخليلُ بالخليلِ يَزْهى وينجحُ: (وكلُّ

إناء بالذي فيه يرْشَح). ولازالتْ أنْدية المَجْدِ بك مَعْمورة، وأَلَوية الحمد عليك منشُورة، بحول الله

تعالى وكرمه.

وفي المعنى لأبي نصر:

أطال الله بقاء ذي الوِزَارتين الأجل عمادي الأعْلى، وكوكبي المُجْتَلى، مُنْتَظماً للرئاسة في سِلْك،

مُبْتسماً عن ذكائه وعنائه كل مِلْك. ما أحَقَّ - أدام الله عزك - دولة أنت كوكَبُ سمائها، والمسْتَقِلُّ

بأعْبائها، أنْ تنتظمَ لواليها أشْتاتُ البلادِ، وتَشْتَمِلَ عليه أهواء العباد، وتنْفَسِحَ له مضيقاتُ الآماد،

برأيكَ السديد الذي إذا اقتدحَ أوْرى، وإذا سرى إلى صبحه صار حميد السُّرى. هذا لو كانَ صاحِبُكَ

من الأمر عارياً، وتقلدهُ تطاوُلاً عليه وتعادياً، دُونَ إجْماعٍ من الأمة، واطلاعٍ لِمُلِمَّةٍ. فكيف إذا كان

ملكاً عِراقِيَّ الأخلاقِ، حِميريَ الأعْراق، يشرق لسناه الظلامُ، وتعْبَقُ منْ أرجِهِ الليالي والأيام، وتَفْرَقُ

منْ سطواته الليوثُ في الآجام.

لقد جَمَعَتْكما مُشَاكَلَةٌ، وألَّفَتْ بيْكُما ممُاثَلةٌ، أقامتْ للمَعارِفِ عندَكما سوقاً، وأوْضَحَتْ بكما لأقاليمِها

طريقاً.

فللآدابِ عندكما جولة، ودوْلَتُكُما تزدري بسيفِ الدولة. لا جرمَ أَنَّهُ بك - أَيَّدَكَ الله - أَظْهر، وحَظُّه

من الذكاء بك أَوْفر.

وأَنْفَذْتُهُ من فُلانَة، من منزلِ الوزير الجليل أبي فلان، قارضَ الله عارفَتَيْ تَهمُّمِه وتَحَيُّفه، فإنَّه أَسالها

جداوِلاً، وأحلَّ منْهُما منازلاً مُخْضَرَّة ومناهِلاً، فلَوْ شاهَدْتَني وأنا أمْرَحُ بيْنَ نُعْماهُ مراحاً، وأقْتَرحُ ما

شَاءتْ عليَّ علْياهُ اقتراحاً، لرَأَيْتَ عيشاً هنيَّا، وأُنْساً من الوحشة عريَّا. وأَبْصرتَ منْهُ - أَعزَّهُ الله -

عِلْقاً للفضائِلِ سنيَّا، وقد رجوتُكَ لجزائه، وأَمَّلْتُكَ لوفائهِ. وأنْتَ - إنْ شاء الله - لِنِدَائهِ مجيبٌ، ولفعله

مثيبٌ، وأقرأُ عليكَ سلاماً كإشراق راحنا، والْتِصاق ارْتِياحنا، ورحمةُ الله تعالى وبَرَكاتُهُ.

وكتب أبو عبد الله بن أبي الخصال:

بِلَوشْةٍ نُخْبةٌ من العربِهَمُّهُمُ في السَّماحِ والأدَبِ
ضَنُّوا بأَحْسابِهم، وجُودُهُمُمُنْتَهَبٌ مالهم منَ النَّشَبِ
كمْ فيهم للأخِ الغريبِ إذاحلَّ بهمْ من بني أخٍ وأبِ
ومُؤْثرٍِ للعبيد زار عَلَىكُلِ حميمٍ مُشابِكِ النَّسَبِ
جادوا على عذْرِهم ولوْ بَخِلُوالقامَ لِعُذْرٍ حاضِرُ النُّوَبِ

الوُزَراءُ الظُّهراءُ الجِلَّةُ، مكارِمُهُم مُسْتَهِلَّة، وسيادَتُهم مُسْتَقِلَّة، وعليهم للنَّدى أدِلَّة، وحَلَّتْهم لبني

الحاجاتِ حُلَّة، فلا تَخَوَّنَت عزتهمْ ذلة، ولا خامرَتْ خدهم، وهم الصوارمُ الماضية، كِلَّة. ضيْفُهم مُكْرَمٌ

بِعَقْوَتِهم وناديهم، وجارُهم في

الأزماتِ منْ أَوْسطِ أهاليهم، بَلْ تتخَطَّاهم إليه الصَّفْوةُ والخلاصةُ (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ).

يتَنَافسُونَ في الإحْسانِ، ويتقارَعونَ على الضِّيْفانِ منْ كُلِّ موضُوعِ الخِوَانِ، مبْدئٍ بنُفوسِ الإخْوان:

حبِيبٌ إلى الزُّوار غِشْيانَ بَيْتِهِجميلُ المُحَيَّا شفَّ وهْوَ أديبُ
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة

وكتب أيضا:

أبا عبد الإله اسْلَمْ مَلِيّاوَدُمْ في أَسْبَغِ النُّعْمى عليَّا
وثِقْ بالله وارْجُ الفَضْلَ منهُفَقِدْماً كُنْتَ مِفضالاً وَفِيّا
تلقَّتْكَ المكارِمُ والأياديفألْفَيتَ الزمان بها رخِيَّا

سيِّدي الأعْلى، وكبيري المُفَدَّى، تسنَّتْ أوْطارُكَ، وتَأتَّتْ أَقْدارُكَ، وعزَّ في كلِّ حالٍ مَحَلُّكَ ومِقْدارُكَ.

كَتَبْتُهُ، وقد صدرَ النَّجيبُ السَّريُّ، والذكيُّ الألمعيُّ، أبو فلان - أَعزَّهُ الله - وقد أَلْفى لكَ في كلِّ دارٍ

إخْواناً، وأَصْفياءَ على البرِّ أعْوانا، وذلكَ بفضل ما أَسْدَيْتَ، وكرَمِ ما قدَّمْتَ وأَوْلَيْتَ. وأنْتَ - بحمد

الله - إلى كلِّ النُّفوسِ حبيبٌ. وكلُّ حرٍّ فلهُ فيكَ ومِنْكَ نصيبٌ. وسيُخْبِرُكَ بما انْقَضى، والله يُتَمِّمُ

الأمل المٌرْتضى، ويُعينُكَ بسيْفِ العدْلِ المنْتَضى. ورَسَمْتُهُ، واليومُ قُرٌّ، والريحُ صِرٌّ، والشيْخُ في هذه

الشَبرَاتِ غِرٌّ، والنَّفْسُ إلى أَنْبائكَ مُطَّلِعَة، والأُذْنُ مُسْتَمِعه. أَمَدَّكَ الله بحُسْنِ الصنيعِ، وأبْقاكَ مشْكوراً.

وكتب:

سيدي الأعْظم، ومُعْتمَدي الأكرم، وسنَدي الأعْظَمِ، ومنْ أَبْقاهُ الله محمودَ الذِّمم، محسودَ الهمم. لمْ أَزَلْ

- أَعَزَّكَ الله - أَسْتَنْزِلُ قُرْبَكَ براحة الوهم، عن ساحة النَّجْم، وأَنْصِبُ لكَ شركَ المُنى، في خلَسِ

الكرى، وأُعَلِّلُ فيه نفس الأمل، بضربٍ سابِقِ المثل:

ماأقَْدَرَ اللَّهُ أنْ يُدْني على شحَطٍمنْ دارُهُ الدٍّونُ ممنْ دارُهُ صُولُ

وما ظَنُّكَ، وقد نزلَ على مسافة يومٍ، وطالما نفرَ عنْ حالةِ نومٍ، ودنا حتى همَّ بالسَّلامِ، وقدْ كانَ منْ

خُدَعِ الأحْلامِ. وناهيكَ منْ طيْرِ، وقَدْ حُمْتُ حولَ المورِدِ الخَصَرِ، وذَمُمْتُ الرشأَ بالقِصَرِ، ووقفَ بي

ناهضَ القدرِ، وقْفةَ العيرِ بينَ الوِرْْدِ والصَّدَرِ. فهَلاّوصَلَ ذلكَ الأمل ببِاعٍ، وسَمَحَ الزَّمَنُ بإجْماعٍ،

وطُويتْ بيننا رُقْعَةُ أميالٍ، كما زُويَتْ مراحِلُ أيَّامٍ ولَيال. وما كانَ على الأيام لو غَفَلَتْ قليلاً، حتّى

أشْفِيَ بلقائكَ غليلاً، وأتَنَسَّمَ منْ روْح مُشاهَدَتِكَ نفساً بليلاً. ولئنْ أَقْعدتْني بعوائقِها عنْ لقاء حُرٍّ،

وقضاءِ برٍّ، وسفرٍ قريبٍ، وظفرٍ

غريبٍ، فما تَحَيَّفَتْ وِدادي، ولا ارْتَشفت مِدادي، ولا غاضتْ كلامي،

ولا أَخْفَتْ أقْلامي. وحسْبي بلِسانِ النُّبْلِ رسولاً، وكفى به أَمَلاً وسُولاً. وفي الكتابِ بلغةُ الوطَرِ،

ويُسْتَدَلُّ على العينِ بالأثر. على أنِّي إنَّما وحيتُ وحيَ المُشير باليسيرِ، وأمَّلْتُ فَهْمَكَ على المسطور

في الضمير، وإنْ فرغْتَ للمراجعة ولو بِحَرْفٍٍ، أوْ لمْحَةِ طرف، وصلْتَ صديقاً، وبَلَلْتَ ريقاً،

وأَسْدَدْتَ يداً، وشفيتَ صدى، لا زالتْ أياديكَ بيضاً، وجاهُكَ عريضاً، ولياليكَ أَسْحاراً، ومساعيكَ

أنْواراً.

وأقرأُ على سيدي الأعْظم سلاماً أَرِجَ الأرْجاء، مُنْبَلِجَ الصباحِ والمساء. والسلامُ المعادُ المُتَمِّمُ على

سيدي الأعْلى، ورحْمة الله تعالى وبركاته.

ثمَّ خَتم الرُّقْعة بهذه الأبيات:

هوَ الدَّهرُ لا يُبْقي بِمُر ويَحْلَوْ لِيوسيَّانَ عنْدي ما يُجِدُُّ وما يُبْلِي
إذا أَشْكَلَتْ يوماً عليهِ مُلِمَةٌٌفمِنْ ظهرِ قلْبي يَسْتمِدُّ ويَسْتمْلي
سألْقي بحَدِّ الصَّبْرِ صُمَّ خُطوبهولوْ صيغَ فيها الشيبُ منْ حدَقِ النَّبْلِ
وأَعْرِضُ عنْ شكْواه إلا شَكِيَّةًلها منْ هوى مرآكَ ضرْبٌ منَ الخبْلِِ
روى لي أحاديثَ المُنى فيكَ غَضةولكنَّها لم تَخْلُ منْ غَلَطِ النَّقْلِ
وجادَتْ بقُرْبِ الدّارِ غيْرَ مُتَمِّمِويارُبَّ جودٍ قُدَّ منْ شيَمِ البُخْلِ
تراءَى لي العذْبُ النَّميرُ فلَيْتِنيبرَدْتُ لهاتي منه في نَغْبَةِ النَّهْلِ
أَتَحْجُبُ شمسَ الفضلِ بُرْدَةُ ليْلَهِولوْ وَصَلَتْ أرْدانَها ظُلْمَةُ الجَهْلِ
ويَخْشُنُ مسْراها لموْطئ أَخْمَصيولو نَبَتَتْ في جُنْحها إِبَرُ النَّحْل
أَجَلْ قَيْدُ هذا الدَّهر أضيقُ حَلْقَةًوأقْصَرُ للخَطْوِ الوساعِ منَ الكَيْلِ
سأبْعثُ طيفي كلَّ حينٍ لعلَّهيُصادِفُ منْ نَجْوى خيالِك ما يُسْلِي
ودونَكَ منْ روْضِ السلامِ تحيَّةٌتُنَسِّيكَ غَضَّ الوردِ في راحة الطَّلِّ

ولبعضهم في المعنى:

سيدي، وأعْظَمَ عَدَدي، وأَعَزَّ منْ شدَدْتُ على حبْلِ إخائه يدي، وأَعْدَدْتُ ذُخْرَ صفائه لأبدي، ومنْ

أبْقاه الله راضياً عن الزَّمنِ، في المُقامِ والظَّعنِ. لم أزلْ - أعزَّكَ الله - مذْ صمَّ اغترابُكَ، وَنَعَقَ

غُرابُكَ، أَتَعَجَّبُ منْ تَحوُّلِكَ، وأتَشوَّقُ لما يردُ منْ قِبَلِكَ، فلمْ أَظْفَرْ منْ خبَرِكَ بيقينٍ، ولا وقَفْتُ منْ

كيفيَّةِ مقرِّكَ على ثَلَجٍ مُبين، إلى أنْ وردَ (جُهَيْنَةُ أَخْبارِكَ)، وَعْيَبَةُ أَسْرارِكَ، الأديبُ أبو فلان، فكشفَ

منْ صورةِ أمْرِكَ ما الْتَبَسَ، ووصَفَ منْ جلِيَّةِ حالِكَ ما سرَّ وآنَسَ، وذكَرَ أنَّ ذلكَ القُطْرَ - أَنَّسَهُ الله -

رَحُبَتْ بِكَ معاهِدُه، وعَذُبَتْ لكَ موارِدُه، واشتملت عليكَ أفْياؤُه، وتضاحكتْ إليكَ أرْجاؤه. ولا غرْوَ منْ

نفاقِكَ حيثُما احْتللْتَ، وقَبُولِكَ أيْنما انْتقَلْتَ، فمنْ تحلى بمِثْلِ حلاكَ لمْ يضعْ كيفَ تصرَّفَ، ولا عدِمَ

للُّطْف أيْنَما انْحرفَ، والله يصْنَعُ لكَ صنْعاً جميلاً، ويُنْيلُكَ أَيْنما سلكْتَ آمَلاً وسُؤْلاً.

ووَصَل خِطابُك الخطيرُ، فجلى عنْ وَجْهِ بِرِّكَ وَسيماً، وشَخَّصََ منْ عهدكَ عميماً، وأَهدى إليَّ منْ

رياضِ فَضْلِكَ نسيماً، ومنْ عَرَارِِ حمدكَ شميماً، فيا حُسْنَ موقِعِه منَ الضمير، ويا نُبْلَ منزعِه الجميل

المشكور.

وكتب أيضاً، وقد قدم عليه بعض إخوانه:

حالي - أعزَّكَ الله - قدْ شافهتَ نجِيَّها، وعلمْتَ لا محالة خفيَّها. لمْ تُغْدِفْ دونَك قناعاً، ولا انْقَبَضَتْ

عنْكَ اسْتِجْماعاً. والإعرابُ عنها جهْلٌ، والحجابُ دونَها سهلٌ، ورُبما كان لسانُ الصامتِ أنْطَقَ،

وشاهِدُ الجمالِ أًصْدَق.

ولمَّا وردْت، يمن الله موردَكَ ومَصْدرَكَ، وجبَ القِرَى، ولوْ بِبَرَضٍ من الثَّرى، وتعيَّنَتِ المبَرَّةُ، ولوْ

بمثقالِ الذَّرَّةِ، على أنّي لوْ نظَرْتُ إلى قدرِكَ لوقَفْتُ خجِلاً، وانْصرفتُ وجِلا. لكن جَهدَ المقلِّ جَلَلٌ،

ونزْرَ المُدِلِّ مُحتمل. فَمَهِّدْ بفضلِكَ للعُذْرِ كنفاً، وأوْسِعْهُ لَطفاً وتبَّا لدَهرٍ لا يُخْجِلُهُ ضياعُكَ، وتؤلمه

أوجاعُكَ. والله يُقيله عثرة الأدب، ويرفعُ من خدِّه التَّرِبِ. بِمَنِّه.

ومن جيد المنظوم في هذا المعنى، قول الشاعر أظنه أبا بكر العَلاَّف:

للخِلِّ قدْرٌ بِخَلَّتَيْنمني نقداً بغير دَيْنِ
لأنني في الوصالِ أصفوعنْ كلِّ ريْثٍ له وزيْنِ
وأنّني لا أزالُ أحْنوحُنُوَّ هَين عليه بين
وبعد هذا وذاكَ سرٌّكالصَّفو منْ خالِصِ اللُّجيْنِ
ومَحْضُ ودٍّ بغيْر مذْقٍوصِدْقُ عهدٍ بغيْر ميْن
فإذا دنا بالوِصالِ منَّيأَسْكَنْتُهُ في سوادِ عيْني
وإنْ جفاني وصَدَّعَنيحفظْتُ ما بينه وبيني
ولمْ أشُبْ وهو لي مشوبٌمازلتُ من أمره بشين

ومن جيده أيضا قول الآخر:

نصلُ الصديقَ إذا أراد وِصالناونَصُدُّعنه صدوده أحْيانا
إنْ صَدّعَني كنتُ أكرم مُعْرضٍووجدتُ عنه مذْهباً ومكانا
لا مُفْشياً بعد القطيعة سرَّهبل كاتماً من ذاك مااسترعانا
إنَّ الكريم إذا تَقَطَّعَ ودُّهُكتمَ القبيحَ وأظْهرَ الإحْسانا

وأنشد ابن خالويه:

هجَرْتُكَ لا قِلىً منِّي ولكنْرأيْتُ بقاءَ ودِّكَ في الصدودِ
كهجر الحائماتِ الوِرْدَ لمَّارأَتْ أنَّ المنِيَّةَ في الوُرودِ
للشاعر بطرس كرامة، من قصيدة «رويدك بالهوى يا خير شادن»
تفيظ نُفوسها ظمأً وتَخْشىحَذاراً وَهْيَ تنظر من بعيد
تصُدُّ بوجهِ ذي البغْضاء عنهُوترمُقُهُ بألحاظِ الوَدُودِ

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (٢٠٠٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني: في الرسائل المنتخبة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.