تجاوز إلى المحتوى

من «كنز الكتاب ومنتخب الأدب» للبونسي (ت ٦٥١هـ)

الباب الرابع: في الحُبِّ

قال أبو إسحاق:

وقد أثبتُّ في هذا الباب السَّابغ الأطناب؛ المتصل الأسباب، من الأحاديث، وأقوال العلماء،

والحكماء، جملا تعيد سامعها ثملا، دون تعاطي أكواس العقار؛ وإصاخة إلى تحنين المزاميز

والأوتار.

والحبُّ نقيض البُغْض، وخِلاَفه. وأصل الحب: الإِرَادَة. بدليل قولهم: أحببت أن أفعل كذا؛ بمعنى:

أردت أن أفعل. يقال منه: أحبه يحبه إحباباً. وحبَّه حباً. وتحبب تحببا. وحببه تحبيبا.

وقال صاحب العين: المحبَّةُ: الحُبُّ. وقد استعاروا لفظ الحب، لميل الطباع. كقولهم: فلان يحب ولده

أن يميل طبعه إليه، والحُبُّ أيضا، الجَرَّةُ الضخمة. سميت بذلك لأنها تضم ما يُحَبّ. فأما الحَبّ بفتح

الحاء، فجمع حَبَّة؛ من بُرٍّ، أو شعير، أو زبيب، ونحو ذلك. وحَبَّةُ القلب؛ ثمرته. والحِبّ بكسر الحاء؛

القُرطُ؛ من حبّة واحدة.

وقد تنازع الناس في ابتداء وقوع الحب، وكيفيته. وهل كون وقوع عن نظر، وسماع، واختيار، أم

عن اضطرار.

وسئل حماد الراوية عن الحب فقال: الحب شجرة أصلها الفكر، وعروقها الذكر، وأغصانها السهر،

وأوراقها السقم، وثمرها المنية.

وسئل بعض الحكماء عن الحب فقال: هو أغمض مسلكاً في القلب، من الروح في الجسد. وليس أمر

الهوى إلى الرأي فيملكه، ولا إلى العقل فيدبره. بل قدرته أغلب، وجانبه أعزّ من أن تنفذ فيه حيلة

حازم أو لطف محتال

وقال معاذ بن جبل: الحُبُّ أَصْعَبُ ما رُكِب، وأَسْكَر ما شُرب، وأفظع ما لُقِي، وأَحلَى ما اشْتُهِي،

وأوجع ما بَطَن، وأشهر ما عَلَن. وأنه لكما قال الشاعر:

وَلِلْحُبِّ آيَاتٌ إِذَا هِيَ صَرَّحَتْتَبَدَّتْ عَلاَمَاتٌ لَهَا غُرَرٌ صُفْرُ
فَبَاطِنُهُ سُقْمٌ وَظَاهِرُهُ جَوَىوَأَوَّلُهُ ذِكرٌ وَآخِرُهُ فِكْرٌ

والهوى آمرٌ مطاع، وقائد متبع. يفتن الأذهان، ويشجع الجبان. وعلامته نحول الجسم، واصفرار

اللون، وخشوع البصر، وتواتر التنفس، وسرعة الدمع.

وقال علي ﵁: (آفَةُ العَقْل الهَوَى). وقال عبد الله بن

عباس: (الهَوَى إِلهٌ مَعْبُود). وتلا قول امره تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ).

وقال بعض الحكماء: - الهَوَى جَلِيسُ مُمْتع، واَلِيفٌ مونس، ومالك قاهر. يملك الأبدان وأرواحها،

وامقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والنفوس واراها. توارى على الأبصار مدخله؛ وخفي عن

القُلُوبِ مسلكُه.

وسئل أبو نوفل المدني: هَلْ سَلِمَ أحدٌ من الحب والهوى؟ فقال: نعم، الجِلْفُ الجافي الذي ليس له

فَضْلُ ولاَفَهْمٌ. فأمَّا من في طبعه أدنى ظَرْف، أو أقل لُطْف، أو معه دماثة أهل (الحجاز) وحلاوتهم،

ورقة أهل (العراق) وأدبهم؛ فهيهات هيهات. وما رأيت فاضلا يسلم من الهه؛ لكن في الناس من يملك

نفسه، ويغلب هواه، ولا يظهر ما كمن في قلبه.

قوله: (الجِلْف الجافي) يريد الأعرابي الجافي في خلقته وأخلاقه.

وقال أبو حاتم عن أبي عبيدة: الجِلْفُ هو الجافي، الخالي الجوف مثل الدن الفارغ. ويقال للشاة

المسلوخة بلا رأس، ولا بطن: جِلْف. وإِنما يقال للرجل: جِلْف؛ إذا وصف بالجَفَاء، وقلة العقل. يراد

أن جوفه هواء خال من العقل. وأنشد يعقوب، لقيس بن الخطيم:

كَأَنَّ لَباتِهَا تَبَدَّدَهَاهَزْلَى جَرَادٍ، أَجْوَازُهُ جُلُفُ
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

يَعْني بِلاَ رُؤُوس، ولاَ قَوَائم. فشبَّه ما على لَبَّات هذه المرأة من صنعة الذهب بالجراد. والجِلْفُ من

كل شيء: ما كان غير نَظِيف، ولا مُحْكَم.

أنشد ابن الأعرابي، عن أبي صالح الفزاري:

الْوَحْشُ خَيرٌ مِنْ مَبِيتٍ بِتُّهُبِجَنُوبِ زَخَّةَ عِنْدَآلِ مُعَارِكِ
جَاؤُوا بِجِلْفٍ مِنْ شَعيرٍ يَابِسٍبَيْنِي وَبَيْنَ غُلاَمِهِمْ ذِي الحَارِكِ

والوَحْشُ؛ أن يبيتَ الرجل طاوياً. ومنه قول حميد يصف الذئب:

وإِنْ بَاتَ وَحْشاً طَاوياً لم يَضِقْ بِهَاذِراعاً ولم يُصْبِحْ لها وَهْوَ خاشِعُ

ويقال: بَاتَ القوم أو حاشاً، وقد أَوْحَشُوا مُذْليلتين، أو ثلاث: أي ذهب زاَدُهم، والرَّجلُ مُوحِشٌ بَيِّنُ

الإِيحاش، ويقولون: تَوَحَّش للدواء: أي أَخْلِ جوفَكَ من الطعام.

وفي حديث علي بن أبي طالب ﵁، فيما روى نعيم بن حماد

عن سفيان، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أبي عثمان بن شبة، قال: سمعت علياً يقول في صلاة المغرب اللَّهم العن

فلاناً الجلف الجافي. وقيل لأعرابي: صفْ لنا الحب، فانتحب ثم قال بِالقَلْبِ وَثْبَتُه، وبالفُؤاادِ وَجْبَتُه، وبالأحشاء نارُه،

وسائر الأعضاء خُدَّامُه، العَقْلُ من الحبِّ ذَاهل، والجِسْمُ نَاحِل، وَالدُّمُوعُ هَوَامِل. مُرُورُ الأَيَّامِ

المُخْلِقَات تُجَدِّدُه؛ والإساءة من المحبوب لاتفسده. ثم أومأ بيده إلى قلبه وأنشأ يقول:

أَلاَ فَتَخَلَّصْ إِنَمَا أَنْتَ شَامِتُلمَا لم يكن يَا قلبِ يَنْفَعُكَ الزَّجْرُ
كَأن دُمُوعي غصنُ طَرْفَاءَ حَركتأَعَاليه أَرْيَاحٌ وَأهطله قَطْرُ

قال أبو إسحاق:

وهو يَتَوَلَّد، ويَتَسَبَّبُ من النَّظَرِ، وتَكَرُّرِ اللَّمْحِ بالبصر. والدَّلِيلُ على هذا، قول الرسول ﵇:

"النَّظَرُ سَهْمٌ مسمومٌ من سِهَامِ إِبليس. فمن تَرَكَهُ خَوفاً من الله، أثابه الله إيماناً يجد حَلاَوَتَه في قلبه".

وقال ﵇: "لاتُتْبِع النظرة النظرة. فإِنَّما لَكَ الأولى وليست لك الآخرة". ولهذا المعنى، دخلت

(من) في قوله تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ).

لأن النظرة الأولى لاتَمْلك، فوجب التبغيض لذلك. ولم يقل ذلك في الفروج؛ لأنها تملك. وغَضُّ

البَصَرِ عن جميع المحرمات؛ عن كل ما يُخْشَى الفتنة من أجله واجب.

ولما وفد على رسول الله ﷺ وفد عبد القيس؛ كان فيهم غلامٌ أَمْرَد، ظاهر الوضاءة؛

فأجلسه النبي ﵇ وراءه. وقال: "كَانَتْ خَطِيئَةُ دَاوود النَّظر".

وفي الحديث عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه

وسلم: "لاتُجَالِسُوا أَوْلاَدَ الملوك، فَإِنَّ لَهُم فِتْنة كفتنة العذارى".

وجاء عنه ﵇ أنه قال: "غضُّوا أَبْصَارَكم عن الغلمان المُرْد فإن لهم فِتَناً كَفِتَن النساء".

وقال سعيد بن حميد الكاتب:

نظرتُ وقَادَتني إلى الحَتْفِ نَظْرَةٌإِلَيكِ بِمَكْنونِ الضَّمِير تُشِيرُ
فَلا تَصْرِفَنَّ الطَّرْفَ فِي كُلِّ مَنْظَرٍفَإِنَّ مَعَارِيضَ البَلاَءِ كَثِيرُ
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة

وقال مهيار في المعنى:

نَظرةٌ عَادَتْ فعادت حَسْرَةًقتل الرَّامِى بِهَا مَنْ جَرَحَا
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «من عذيري يومَ شرقيّ الحمى»

وقال الآخر في المعنى:

نَظرَةٌ كَانَتْ لِحَيْنِي سَبَباًجَلَبَ الْحَيْنُ لَهَا مَا جَلَبَا

وقال ابن الرومي فيه:

أورثت قلبي سقاماًنظرة فيها سقامُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أنا صب مستهام»

وقال الأديب الكامل، أبو العباس أحمد بن عبد ربه:

نَظَرْتُك نَظْرة بِالخِيف كانَتْجَلاءَ العَيْن بَلْ كَانَتْ قَذَاها
فآهاً كَيْف تَجْمَعُنا اللياليوآهاً من تَفَرُّقِنا وآها

وقال المُؤَمِّلُ بن أميل:

شَفَّ المُؤَمِّلَ يوم الحيرة النظرليت المؤملَ لم يُخْلَقْ لَهُ بَصَرُ
للشاعر المؤمل بن أميل المحاربي، اقرأ القصيدة

وقال غيره:

الحُبُّ دَاءُ رجالٍ يُقتلُون بهظلماً وأولُ أسبابِ الهوى النَّظَرُ
قد كنتُ أحْذَره حتى ابْتُليتُ بهلو كان ينفعني الإشْفَاقُ والحَذَرُ

وقال ادريس بن اليماني:

عَن الهوى إِنْ تَسَلْ: أصلُ الهوى النظروَرُبَّمَا قَادَ حَتْفَ المُهْجَة البَصَر

وقال فيه أبو محمد بن عبد البر:

لاَ تُكْثِرَنَّ تَأَملاوَاحْبِسْ عَلَيكَ عِنَانَ طَرْفِكْ
للشاعر ابن عبد البر القرطبي، اقرأ القصيدة
فَلَرُبَّما أَرْسَلْتَهفَرَمَاكَ في مَيْدَانِ حَتْفِكْ

وقال أبو محمد الجزيري:

واغْضُضِ الطَّرْفَ تَسْتَرِحْ من غرامٍتكتَسِي فيه ثوبَ ذُلٍّ وَشيْنِ
فبلاءُ الفتَى اتِّباعُ هَوَى النفس وبَدْءُ الهوى طُمُوحٌ بعَيْنِ

وجاء عن ابن عباس أنه قال: كُنَّا عند رسول الله صلى الله عليه، فمرَّبنا غلامٌ من الأَنْصَار، جميل

الوجه، فَحَدَّ إليه نظرهُ، فقال له (جبريل) ﵇ "لِمَ فَعَلْتَ ذلك يا رسول الله"؟ فقال: "رأيت وجهاً

جميلا فسبحت الله أحسن

الخالقين".

وقال سفيان بن عيينة: كنت عند بكر بن عبد الواحد بن زيد، فمرّ به غلام من (ثقيف) حسن

الصورة، فحدّق إليه بصره، ثم قال: (أَتُرَانَا لاَ نشتهي الذّكران من الرِّجال، وَشُرْب الخمر في

البساتين؛ ولكن خوف الله ﵎ يَمْنَعُنا).

وفي كتاب الشيخ أبي حامد ﵀، أن أهل مصر مكثوا أربعة أشْهُرٍ، لم يكن لهم غذاء إلاّ النظر

إلى وجه يوسف الصديق ﵇. كانوا إذا جاعوا، نظروا إلى وجهه، فيشغلهم جماله عن ذلك.

ألا ترى أن الله تعالى قال في كتابه العزيز: (مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)، لأنهن أبلغن في ملاحظة جماله، حتى ما أَحْسَسْنَ

بذلك.

وسئل أعرابي عن الهوى، فقال: هو داء تداوى به النفوس الصحاح، وتسيل منه الأرواح، وهو سُقْمٌ

مُكْتَتِم، وَجَمْرٌ مُضْطَرِم، وأنشد:

الحبُّ دَاءٌ عَيَاء لاَدواءَ لهيَضِلُّ فيه الأطباءُ النحارِيرُ
قد كُنتُ أحسِبُ أن الوَاصِفِين غَلَوْافي وصفه فإذا بالقوم تقصيرُ

وكان عامر الشعبي ﵀ يقول: إِنَّمَا سمى الهوى هوى، لأنه يهوي بصاحبه.

وحقيقة الحُبِّ أنه أَرْيَحِيَّة؛ تحدث في النفس داعية إلى مالايجوز في العقل. وذلك أن اتباع الهوى

مذموم. قال الله ﵎ (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى).

وقال الطبيب إبقراط: الهَوَى بين المُتَصَافِيَيْن؛ هُوَ اْمْتِزَاجُ النَّفْسِ بالنفس، كما المَاءُ إذا امتزج بالماء،

عَسُرَ تَخْلِيصُهُ عَلَى مَنْ رَامه. والنُّفُوسُ أَرَقُّ من الماء، وألطفُ مَسْلَكاً.

فلذلك لاتُزيله مرور الأيام، ولا يُخْلِقه تصرف الدهر، ولاَيَدْفَعُه دافع دَقَّ عن الأوهام مَسْلكُه، وَخَفِيَ

عن الأبصار مَوْضِعُه، وحارت العقولُ في كيفية تَمَكُّنه، غير أنَّ ابتداء حركته، وعظيم سلطانه هما

من القلب. ثم ينقسم على سائر الأعضاء؛ فيبدي الرعدة في الأطراف، والصفرة في الألوان، والثقل

في اللسان، والزلل، والعثار في المنطق، حتى ينسب صاحبه إلى النقص مما يلحقه من الإضطراب،

والتغيير في جميع أحواله. وألمه أشد الآلام. وعلاج صاحبه، يعزب عن الأطباء وذوي الأفهام.

ولذلك قال أبو تمام:

أَمَّا الهَوَى فَهُوَ العذابُ فَإِنْ جَرتْفِيهِ النَّوَى فَأَلِيمُ كُل أَليمِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا ربع لو ربعوا على ابن هموم»

قال: وأحبت امرأة رجلا؛ فما فرطت في حبه، فجاءت أختها، فقالت لها: كيف أنت من حُبِّ فلان؟

فقالت: حَرَّكَ، وَاللَّهِ، حُبُّه السَّاكِن، وَسَكَّن المُتَحَرِّك. ثم أنشأت تقول:

قد كنت أَسْمَعُ بالمُحبِّ وَشَجّْوِهِفَأظَل منه معَجَّباً أَتَفَكَّرُ
حَتّى ابْتُلِيتُ من الهوى فَعُظْيمَةٌكادَ الفُؤاد من أَجْلها يَتَفَطَّرُ

فقالت: واللَّهِ، لا أذهب حتى أسأله؛ كيف هُو مِنْ حبك. فجاءته، فسألته: كيف أنت من حب فلانة؟

فقال لها: (الهوى هوانٌ)، ولكن خولف باسمه، وإنما يعرف ذلك من استبْكته المعارف والطلول مثلي.

وأنشد:

للحُبِّ نارٌ على قلبي مُضَرَّمَةٌلم يَبْلُغِ النارُ منها غَيْرَ مِعْشَارِ
الماءُ يَنْبُعُ منها في محاجرناياللَرجاَلِ لماءٍ فَاضَ من نار

وهذا كقول أبي بكر بن دريد من أبيات أربعة قرأتها في (النوادر) لأبي علي:

عجباً لنار ضُرِّمَتْ في صدرهفاستَنْبَطَتْ مِنْ جَفْنِهِ يَنْبُوعَا
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «قلب تقطع فاستحال نجيعا»
لَهَبٌ يَكون إذَا تلبَّسَ في الحَشَاقيظاً فيظهرُ في الجفونِ ربيعاَ
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «قلب تقطع فاستحال نجيعا»

وقال مزروع البصري: بينما أنا أسير في أزقة (البصرة)؛ إذ سمعت صوت رجل؛ فوقفت عليه،

وهو ينشد، فقلت له: ما تقول؟ فأنشد:

قلبي إلى مَاضَرَّنِي داعييُكثر أشواقي وأَوْجَاعِي
لعَلَ ما أبقَى على ماأرىيوشك أن ينعاني النَّاعِي
كيفَ احْتِرَاسِي منْ عَدُوي إِذاَكانَ عُدِّوي بَيْنَ أَضْلاَعِي
للشاعر بكر بن خارِجَة، اقرأ القصيدة

قال: فقلت له: مَا العِشْقُ؟ فقال هو ارْتِيَاحٌ في الخِلْقَة، وفَرَحٌ يَجُولُ في الرُّوح، وسُرُورٌ تُسَبِّبُه

الخواطر، في مُسْتَقَرِّ غَامض، ومَحَلٍّ لَطِيفِ المَسَالِك، يتصل بأجزاء القُوَى، وَيَنْسَابُ في الحركات.

وهو أُنْسُ العَقْل، وَبَشَاشَةُ الخواطر. وأنشد:

كُلُّ النفوس لها في قَتْلها قَوَدٌإلاَّ نُفُوسٌ أَبادتها الدُّمَى القُتْلُ
وكُلُّ جرحٍ له شيءٌ يُلائمهإلا جروحاً جَنَتْهَا الأعينُ النُّجْلُ

وقال الضحاك: بينما أنا أطوف بالبيت؛ إذ سمعتُ جارية تقول: اللهمَّ مالكَ يوم القضاء، وخالقَ

الأرضِ والسماء، فارحَمْ أَهْلَ الهوى، واستنقذهم من البلاء، واعطف عليهم قلوبَ أَوِدَّائِهمْ بالصَّفاء،

إنك سميعُ الدعاء، فقلت: يا هذه، أما تَتَّقِينَ اللَّه، وأَنْتِ في الطواف، فأَقْبَلَتْ عَلَيَّ بوجه، كأنه فَلْقَةُ

قمر. وقالت: إِليكَ عَنِّي! لاَيُرْهِقُكَ الحُبُّ؟ فقلت: وما الحُبُّ؟ قالت: جَلَّ، واللَّهِ، أنْ يَخْفى، وخَفِيَ أن

يُرَى، له كُمونٌ ككمون النار في الحجَر إِنْ قَدَحْتَه أَوْرَى؛ وَإنْ تَرَكْتَهُ تَوَارَى.

وأنشدني بعض الأدباء لسعيد بن حميد:

ولم أَرَ مثلَ الحبِّ أسْقمَ ذا هوىولا مثل حُكْمِ الحُبِّ كيف يَجُورُ
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
لَقَدْ صُنتُ نفسي في الضمير لَوَانَّهُيُصَانُ لدى الطَّرف النَّمُوم ضميرُ

وأنشدني غيره في المعنى:

ليس خَطبُ الهوى بِخَطِبٍ يَسِيرِلا يُنَبِّيكَ عَنْهُ مِثْلُ خبيرِ
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
ليسَ أَمرُ الهَوَى يُدَبَّرُ بالرَّأي وَلاَ بالقِياسِ والتَّفْكِيرِ
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
إِنَّمَا الأَمْرُ في الهوى خَطَراتٌمُحْدَثَاتُ الأُمُور بَعْدَ الأُمُورِ
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة

وأنشد أبو نصر في (القلائد) قول الأديب أبي جعفر الأعمى التطيلي:

هُوَ الهَوَى وَقديماً كنتُ أَحْذَرُهُالسُّقْمُ مَوْرِدُهُ والموتُ مَصْدَرُهُ
للشاعر الأعمى التطيلي، اقرأ القصيدة
يالوعةً وجلا من نظرة آملالآن أعرف رشداً كنت أنكره
جِدٌّ من الشوق كان الهَزْلَ أَوَّلُهُأقَلُّ شيءٍ إذا فكرت أكْثَرُهُ
للشاعر الأعمى التطيلي، اقرأ القصيدة
وَلي حبيبٌ دَنَا لولا تَمنُّعهوقد أقولُ نَأَى لولا تَذكُّرُه

وقال الآخر في المعنى:

يَا عَاذِلي قَدْ كُنْتُ قَبْلَكَ عَاذِلاًحَتَّى ابْتُليتُ فَصِرْتُ صَبّاً ذاهلا
الحُبُّ أول ما يَكُونُ لجاجةفإذا تَمَكَّنَ صَارَ شُغْلاً شَاغِلا

هذا من لفظ العبّاس بن الأحنف حيث يقول:

الحُبُّ أَوَّلُ مَا يَكُونُ لجَاجَةًتَاْتِي بِهِ وَتَسُوقُهُ الأَقْدَارُ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «غضب الحبيب فهاج لي استعبار»
حَتَّى إِذَا اقْتَحَمَ الفَتَى لُجَجَ الهَوَىجَاءَتْ أُمُورٌ لاَ تُطَاقُ كِبَارُ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «غضب الحبيب فهاج لي استعبار»

وَسُئِل أحد البلغاء عن الحب، فقال:

مَنْ كَانَ لَمْ يَدْرِ مَاحبٌّ أَحَسَّ بِهِأَوْ كَانَ في غَفْلَةٍ أَوْ كَانَ لَمْ يَجِد
فَالحُبُّ أَوَّلُهُ رَوعٌ وآخِرُهُمِثْلَ الحَرَارَةِ بينَ الخِلْبِ والكَبِد

وأنشد أبو نصر في قلائده، قول أبي القاسم بن العطار:

الحبُّ تَسْبَحُ في أَمْوَاجِه المُهَجلَوْ مَدَّ كَفّاً إلى الغَرْقَى بِهِ الفَرَجُ
بَحْرُ الهَوَى غرَّقت فيه سَواحِلهفَهَلْ سَمِعْتُمْ بِبَحْر كُلُّه لجج
بين الهوى والردى في لحظه سببهذي القلوب وهذي الأعين الدُّعْجُ
دين الهوى شرعة غفلٌ بلا كتبكما مسائله ليست لها حجج
لا العَذْلُ يدخل في سمع المشُوقِ ولاشخص السلو على باب الهوى يلج
كأن عيني وقد سَالَتْ مدامعهابحر يفيض على آفاقه خُلجُ

وقالت علية أخت ابراهيم بن المهدي:

وُضع الحُبُّ على الجَوْرِ فَلَوْأنْصف المعْشوقُ فيه لَسَمجْ
لَيْسَ يُسْتَحْسَنُ في أَمْرِ الهَوَىعَاشِقٌ يُحْسِنُ تأليفَ الحُجَجْ
وقليلُ الحبِّ صِرْفاً خالصاًلك خيرٌ من كثيرٍ قد مُزِجْ
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة

وقال الآخر، وقرأته في (النوادر) لأبي علي البغدادي:

مَنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنْ سَيَكْتُمُ حُبَّهُحتى يُشَكِّك فيهِ فَهْوَ كَذُوبُ
الحبُّ أَغُلَبُ للفؤَاد بِقَهْرِهمن أن يُرى للسَّتْر فيه نَصيبُ
وإذا بَدَا سرّ الفؤاد فإنهلم يبدُ إلاَّ والفَتَى مَغْلُوبُ
إِني لأَبْغَضُ عاشقا مُتَسَتِّراًلم تَتَّهِمْهُ أَعْيُنٌ وقُلوبُ

وقال العتبي سمعت أعرابيا يقول: مِسْكِين العاَشِق، الرِّيحُ يُقْلِقُه، وَلَمَعَانُ البَرْق يُؤَرِّقه، وَرُسُومُ الدِّيَار

تُحْرِقه، والعَذلُ يُؤلمه، والتَّذْكير يسلمه، والبُعْدُ يجرحه، والقُرْبُ يُهَيِّجُه، واللَّيْلُ يُضَاعف بَلاَءه، والنَّوْمُ

لايوجد حذاءه،

ولقد تداويت بالبُعْدِ وَالقُرْب فَمَا نَجَحَ فيه دَوَاء، ولا عَزَّاني عَنْهُ عَزَاء. ولقد أحسن الذي يقول:

وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ المُحِبَّ إِذَا دَنَايَمَلُّ وَأَنَّ النَّأْيَ يَشْفِي مِنَ الوَجْدِ
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «ألا هل من البين المفرق من بد»
بِكُلِّ تَدَاوَيْنَا فَلَمْ يَشْفِ مَابِنَاعَلَى أَنَّ قُرْب الدَّارِ خَيْرٌ مِنَ البُعْدِ

القُرْبُ نَقِيضُ البُعْدِ، ونَظِيرُه الدُّنُوُّ والمجاورة. وأصل القُرْبِ، والبعد، والدنوّ؛ أن توصف بها

الأجسام؛ كما أن الحركة والسكون، إنما هما في الأصل للأجسام، وقد يقال: هذا المعنى قريب من

ذاك، على معنى المشاكلة، كمقاربة معنى الدلالة، لمعنى الحجة، ومعنى الإشتباه لمعنى الإلتباس،

ومعنى العمل لمعني اليقين، ومعنى الدوام لمعنى الخلود، ومعنى اللزوم لمعنى البقاء، وقالوا: كلُّ قُرْبٍ

كَوْن، وليس كل كون قُرباً. ومسافة القُرْب معقولة، كما أن مسافة البُعْد معقولة أيضا. وهما أصلان

يُسْتَدَلُّ بهما على الكون، لأن الشيئين، أو الجزءين في أول حال وجودهما، لا يخلوان من أن يكونا

متلاصقين، أو متباينين. فما تلاصق كنى عنه بالبعد والتقارب والتباين، على مراتب معقولة.

والقُرْبُ أيضا؛ قُرْبُ الفرس؛ وهو كَشْحُه: وهو من لدن الشاكلة إلى مَرَاقِّ البَطْن، وكذلك من لدن

الرُّفْعِ إلى الإبط: قُرُبٌ من كل جانب.

ويقولون: فَرَسٌ لاَحِقُ الأَقْرَابِ فيجمعون. وإنما له قُرْبَانٌ؛ ولكن لِسَعَته جمعوه. كما يقولون: شاةٌ

عظيمة الخَوَاصر. وإِنَّما لها خاصرتان. وقد بيّنا هذا في داخل الكتاب.

ويقولون: فَرَسٌ مُقْرِبٌ؛ وهو الذي قد قَربَ مَرْبِطُه، ومَعْلَفُه لكرامته. والجميع المُقْرَبَات، والمَقَارِيب.

ويقول: قَرَّبَ الفرس تَقْريبا. وتقريبه دون الجَرْي ويقال: قد حَيّاً فلان وَقَرَّبَ؛ إذا قال: حَيَّاكَ اللَّهُ،

وقَرَّبَ دَارَك.

والقُربَان: ما تَقَرَّبْتَ به إلى الله تعالى، تبتغي قُرْبة، وتقرِّباً ووسيلة. قال الله تعالى (إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ). ذكر أهل

العلم، أن القُرْبَان الذي تقبله الله ﷿؛ قربان هابيل؛ وكان كبشاً حبسه الله عنده، حتى أخرجه

لإبراهيم ﵇ فداء لابنه، والقُرْبَان الذي لم يتقبله الله، قربان قابيل، وكان زرعاً. وكان علامة

تقبل القربان، أن تأتي نار من السماء فتأكله.

وقُرْبَانُ المَلِكِ قَرَابِينُه، ووزراؤه. يقال: هذا قُرْبَانٌ من قرابين الملك. مجموع بالنون. وهم الذين

يستشفع بهم إلى الملوك. وأنشد أبو بكر بن دريد في قرابين الملك:

وَمَالِي لاَ أُحِبُّهُمُ وَمِنْهُمْقَرَابِينُ الإِلَهِ بَنُو قُصَيِّ

وقال صاحب العين: القَرَبُ: طلب الماء ليلاً. تقول: قَرَبَ الماء يَقْرُبُهُ، وقد قَرَّبَهُ قَرَباً؛ إذا طلبه ليلا،

قال الشاعر:

عَسَلاَنَ الذّيبِ أَمْسَى قاَرِباًبَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لمن الدار كأنضاء الخلل»

ولا يقال لطالب الماء نهاراً قَارِبٌ، وقال الكميت:

هَاجَ الصَّوادي والحِرَّانُ فانْدَلَقَتْوَانْقَضَّ سَائِقُهَا الحادي لَهَا القَرِبُ

والقَارِبُ: سفينة صغيرة تكون مع أصحاب السفن البحرية، تستخف لحوائجهم. والجمع: القَوَارِب.

والقِرَابُ للسَّيف والسِّكين، والفعل منه: قَرَّبْتُ قِرَاباً بالتشديد. ولغة أخرى: قَرَبْت قِرَابا. ويقال: قَرَبَ

فلانٌ أهله قُرْبَاناً، كناية عن الغِشْيَان. وَمَا قَرَبْتُ هذا الأمر، ولا قربت فلاناً قُربَاناً ولا قُرْباً.

وَيُقَال: أَقْرَبَت الشاة فهي مُقْرِبٌ؛ إذا دنا ولادها. وكذلك الأتان. ولا يقال للناقة إلاَّ أَدْنَتْ فهي مُدْنِ.

رجع

وقرأت في كتاب (النوادر) لأبي علي أخبرنا أبو بكر. قال: أخبرنا أبو حاتم عن الأصمعي. قال:

كان بشر بن أبي مروان شديداً على العصاة، فكان إذا ظفر بالعاصي أقامه على كُرسي، وسمّر كفه

في الحائط بمسمار، ونزع الكرسي من تحته، فيضطرب حتى يموت معلقا. وكان فتى من بني عِجْل

مع المهلب، وهو يحارب الأزارقة، وكان عاشقا لابنة عم له.

فكتبت إليه تستزيره، فكتب إليها:

لَوْلاَ مَخَافَةُ بِشْرٍ أَوْ عُقُوبَتُهُأَوْ أَنْ يَشُدَّ عَلَى كَفِّيَ مِسْمَارُ
إِذاً لعطلتُ ثَغري ثم زُرْتُكُمُإِنَّ المحبَّ إِذَا ما اشتاقَ زَوَّارُ

فكتبت إليه:

لَيْسَ المحبَّ الذي يخشَى العقابَ وَلَوْكَانَتْ عُقُوبَتَهُ فِي إِلْفِهِ النَّارُ
بَلِ المُحِبُّ الَّذِي لاَ شَيءَ ينفعُهُأَوْ يَسْتَقِرُّ وَمَنْ يَهْوَى بِهِ الدَّارُ

قال: فلما قرأ كتابها، عطَّلَ ثغره، وانصرف إليها، وهو يقول:

أستغفرُ اللهَ إِذ خفتُ الأمير وَلَمْأَخْشَ الذي أنا فيه غيرُ مُنْتَصِرِ
فشأنُ بِشْرٍ بِلَحْمِي فَلْيُعَذِّبُهُأو يَعفُ عَفْوَ أمير خيرِ مقتدرِ
فَمَا أُبَالِي إِذا أَمسيتِ راضيةًيا هندُ مانِيلَ من شَعرِي وَمِنْ بَشَرِي

ثم قدم (البصرة)؛ فما أقام إلا يومين، حتى وشي به واش إلى بشر. فقال: علي به، فأتيَ به فقال:

يافاسق، عطلت ثغرك! هلموا الكرسيَّ. فقال: أعز الله الأمير إن لي عذراً، فقال: وما عذرك؟ فأنشد

الأبيات، فرق له وكتب إلى المُهَلَّب، فأثبته في أصحابه.

وحكى أبو العباس أحمد بن عبد ربه في كتاب (العقد). قال: قال رجل من الأدباء: لقد جلت في

مشارق الأرض، ومغاربها، حتى وصلت إلى حقائقها، فوجدت الإنسان إنما فضل الحيوان بالنطق

المعبر عن النفس، المخبر بما يَهْجُسُ في الحس، ويتصور في الضمير. ورأيت اللسان خادم الجنان،

بتصرفه يتصرف،

ومع توقفه يتوقف. ووجدت العقل إِمَام الخَواطر؛ وَزِمَام النَّوَاظرِ، وجَلاَء

البَصَائر. ومالك الأفهام، وسُلْطَان الأوهام. وَشهِدْت الهَوَى يَخْدَعُ العقل ويَسْحَرُه؛ وَيَمْلِك اللب وَيَقْهَرُه،

ويغلب اللبيب ويَبْهَرُه، حتى يَرْتبط بملكه؛ وَيَنْخَرِط في سِلكه. وَعَهِدْتُه لاَ يَعْلَق إِلاَّ بذوي الأَفْهَام

اللَّطِيفة، وَالأَوْهَامِ الشَّرِيفَة. فمن اتَّسَعَ بالأَدَبِ بَاعُه؛ واشتدَّ في الظرْف ذِرَاعُه، وزكا أصله وفرعه،

وكرم ذهنه وطبعه، وشق بحره وسمعه. وألف من الحلاوة جوا غذيا؛ وصادف من النظافة ثرى ثريا.

ولذلك قال عُبَيْد الريحاني: لاَ يَخْلُو أحدُ من صَبْوةٍ إلاَّ أن يكونَ وَحْشِيَّ الخِلْقَةِ، مَنْقُوضَ البِنْية، خلاف

تركيب الاعتدال. وقال الرسول ﵇: "عجب ربنا سبحانه من شابٍّ ليست له صبوة".

وقال الأعمش: (كانوا يَسْتَحِبُّون أن تكون للشاب صبوة).

وروى عن ابراهيم بن يزيد النَّخعي، إنه كان يعجبه أن تكون للصبي إذا نشأ صبوة. وإِنَّمَا كان

يعجبهم ذلك منه، وإن كان تَرْكُ الصَّبا أسلم له، لأنه إذا تاب وارعوى، كان أشدَّ لاجتهاده في الطاعة،

وأبعد له من أن يعجب بعمله، وذكر للأعمش هذا الكلام، عن ابراهيم، فقال: يخاف، ويحذر، ويجتهد.

وقال أبو حازم: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ السيئَة؛ إن عمل حسنة قط، أنفع له

منها. وإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الحَسَنَة؛ إن عمل سيئة قط، أضر عليه منها.

قال ابن الأعرابي: معناه؛ أن يعمل الذَّنْب؛ فلا يزال منه مشفقاً وَجِلاً أن يعاوده فينفعه ذلك. ويعمل

الحسنة فيحتسبها على ربه، ويعجب بها، ويَنْسَى فضل الله عليه فيها فتهلكه.

وقال الحسن: إِنَّ الرَّجُلَ لَيذنب الذَّنب، فما يزال كئيبا حتى يَلْقَى ربه؛ وإذا مال الرجل إلى الهوى

قبل: صَبَا يَصْبُو صَباً وَصَبْوَةً. قال الشاعر:

وَمَا يَسْتَوي الصَّابي ومَنْ ترَكَ الصَّبَاوَان الصَّبَا لَلْعَيْشُ لَوْلاَ العَوَاقِبُ
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة

وكانوا يقولون (الغَريبُ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَبيب).

وحكى يحي بن الفضيل، عن الأصمعي أنه قال: كنت في بعض البوادي، فقال لي أعرابي: يا

أصمعي! أنت بهذه البلدة غريب. فقلت له: نعم. فقال: هيهات هيهات! (إنما الغريب من جفاه

الحبيب). وقال الشاعر:

وفي الجِيرةِ الغَادِينَ مِنْ بطن وَجْرَةَغَزالٌ كحيلُ المُقْلَتَينِ رَبِيبُ
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة»
فلا تحسَبِي أن الغريبَ الذي نأىولكنَّ مَنْ تَنْأَيْنَ عنه غَريبُ
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «وفى الجيرة الغادين من بطن وجرة»

وشكا مؤدب أولاد سعد بن سليمان إلى سعد بعض أولاده. فقال له سعد: ومَا يُرِيبُكَ منه؟ قال:

إِنَّه يَتَعَشَّقُ، وَيَشْغَلُ بَالَه. فقال له سعد: دَعْهُ يَتَعَشَّق، فإِنه يَظْرُفُ، وَيَنْظُفُ، وَيَلْطُفُ.

قال أبو إسحاق:

والفرقُ بين الحبِّ والعِشْق: أن الحُبَّ في غالب الأمر عَارٍ من الشهوة؛ بَلْ في كل الأمر. لأن الله

تعالى قال في كتابه العزيز (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ).

وقال تعالى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ).

وفي حديث أبي هريرة فيما روى حفص بن عاصم عنه: إن من السبعة الذين يُظِلُّهم الله ﷿

- في ظِلِّه، يوم لاظِلَّ إِلاَّ ظِلُّه رجلا لقى آخر فقال له: وَاللهِ إِنِي لأُحِبُّكَ في اللَّهِ ﷿، وقال

الآخر مثل ذلك.

وفي كتاب (الشهاب):

"حَبَّذَا المُتَحَابُّونَ مِنْ أُمَّتِي" وفي الحديث الصحيح: "لايَزَالُ العَبْدُ يتقرب إِلَيَّ

بالنوافل حتى أحبه". ومحبة الباري سبحانه للعبد؛ رحمته إياه، وتوفيقه للعمل بطاعته. ومَحَبَّةُ العبد لله

تعالى إِنَابَتُه إليه، وَعَمَلُه بطاعته، وانْتِهَاؤُه عن مَعْصِيَّته. فَكَنَّى عن هذا كله بالمحبة. وليس في هذا

كله شهوة. إنما هو إِرَادة ورغبة في حَمْد الله، والثَّنَاء عليه. وحُبُّ المؤمن للمؤمن هو إِرَادَتُه مَدْحَه،

والثَّنَاء عليه قضاءً لحقه. فإذا قيل: المُومِنُ يحب المومن؛ فمعناه أنه يريد مدحه، وَيَلْهَج بالثناء عليه.

ولا يقال: المومن يريد المومن؛ لأن المحبَّة لما كانت تستعمل على مَيْل الطباع، أخرجت ذلك المخرج

في الكلام، للمبالغة فيما يراد من التعظيم في الصفة. وليس العِشْقُ كما ذكرنا، لأنه مَمْزُوجٌ بالشهوة،

وهو لَذَاذَاةٌ تَصْدُرُ عن فُرُط.

اللَّحْظ، وكثرة الإستحسان بمناسبة روحانية ومجاذبة فلكية، وهو مخصوص بالشَّباب؛ فإن صادف

مسنا، فذلك فتنة مُضّلَّة، نعوذ بالله منها.

وقال بعض الحكماء: العِشقُ ضرورة شغل نفس فارغة. وقال أرسطوطاليس: العِشقُ ضرورةٌ داخلة

على النفوس.

وقال بعض الحكماء: العِشْقُ طَمَعٌ يتولد في القلب، ويَنمى، وتسري إليه موادُ الحركة، فكلما قَوِيَ،

ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج، والتمادي في الفِكر والهيمان، وضيق الصدر. فإذا فَسَد الفكر،

أدى ذلك إلى الجنون؛ فربما قَتَل العاشقُ نفسه، وربما مات غَمّاً وحُزناً، وربما نظر إلى معشوقه،

فمات فرحاً، وربما شَهقَ الشهقة، فَخَفِيَ روحه أربعة وعشرين ساعة، فَيُظَنُّ أنه قد مات فيدفن حيَّا.

وربما تنفس الصعداء، فخفيَ روحه في تَامُورِ قلبه، وينضم القلب عليه فلا ينفرج حتى يموت. وقد

ترى العاشق إذا سمع بذكر محبوبه تستحيل لونه، ويموت دمه، ويخفق قلبه. وهذا كله صحيح موجود

عند أهل العشق.

وقال الشاعر، وقيل هو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:

سقيمٌ لايموتُ ولا يَفِيقُقد أَقْرَحَ جَفْنَه الدَّمْعُ الطَّلِيقُ
شَدِيدُ الحزنِ يحزنُ مَنْ رَءَاهُأَسِير الصّبو نَاظِرُه أريقُ
ضَجِيعُ صَبَابَة وَحليفُ هَوْنٍتَحمَّل قلبُه ما لا يُطيق
يَظَل كأنه ممَّا اجتواهيَسْعرُ في جوانبه الحَرِيق

قال: ولمَّا ارتحلت ليلى عن قيس، جعل يقبل موضع رجليها من الأرض،

وحول خبائها. فلما رأى ذلك قومه، أقبلوا على أبيه بالعذل واللَّوم. فقال ذريح، لما رأى حاله تلك: قد جنيت عليك يابني! فقال

له قيس: قد كنتُ أخبرك أَنِّي مَجْنون بها، فلم تَرْضَ إلا بقتلي.

فاللَّهُ حسيبك، وحسيب أمي. وأقبل قومه يَعْذِلُونَه في تقبيل التراب، فأنشأ يقول:

فما حُبِّي لِطِيب تُرَاب أرضٍولكنْ حُبُّ مَنْ وَطِئَ التُّرَابَا
فهذا فعلُ شَيْخَيْنَا جميعاًأَرَادَا لِي البليَّةَ والعَذَابَا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «وما أحببت أرضكم ولكن»

وكان من أمره بعد ذلك ماعلم، وشهر. نعوذ بالله من آفة العشق، وفتنته.

وقال حامد البلْخي: سمعت أعرابيا ينشد:

أَهَاجَ سرورُ القَلب مِنِّي حرارةًفَأَوْرَثَه سُقماً على آخر الدَّهرِ

فقلت له: هَل للسُّقْم من الحُبِّ دواءٌ؟ فقال: إِلْتِقَاءُ الشَّفَتَيْنَ، بِضَمِّ البَدنَيْنِ. وقيل لهند بنت الحسن: مَا

أَلَذَّ شَئً في الدُّنْيَا؟ فقالت: قُبْلَةُ فَتَاة فتىً ضَمَّهُمَا هوىً. وَعَيْشِكَ مَا ذُقْتُهَا.

وقال جالينوس: مُحَادَثَةُ الرَّجل من يهوى، تَسُلُّ التَّعَب والنَّصَب من مَفَاصِله سَلاّ.

وقال بعض الحكماء: صَفْوُ العِيش؛ الخُلْوةُ بِمَنْ تُحب. وسُئلَ بعضُ الظُّرفاء فقيل له: مَا أَحَبُّ شيٍ

إليكَ في الدُّنْيَا؟ فقال: خُلوةٌ بِمَنْ أحب، لايرانا إِلاَّ الموت.

وقال أبو صخر الهذلي في هذا المعنى، من قصيدة قرأتها في (النوادر) لأبي علي:

تمنيتُ من حُبِّي عُلَيّةَ أَنَّنَاعلى رَمَثٍ في البحر ليس لنا وَفْرُ
على دائمٍ لايَعْبُرُ الفُلْكُ مَوْجَهُومن دونِنَا الأهوالُ واللُّجَجُ الخُضْرُ
فَنَقْضِي هَمَّ النَّفْسِ في غير رِقْبَةٍٍوَيُغْرِقُ مَنْ نَخْشَى نَمِيمَتَهُ البَحْرُ

فالرَّمَثُ أعواد يضم بعضها إلى بَعض، فيركب عليها في البحر.

وَيُرْوَى: (على رمث في الشرم). والشَّرْمُ: البَحْرُ من قولهم: شَرَمْتُ الشيء إذا شَقَقْتَه. والبحر؛ من

قولهم بحرت الشيء؛ إذا شققته أيضا شقّاً واسعا. وقيل: الشّرْمُ لُجَّة البحر، ومنه البحيرة، وهي الناقة

المشقوقة الأذن، والناقة بَحِيرَةٌ وَهَجُورَةٌ. ويقال للبحر أيضا: البَضِيعُ من قولهم: بَضَعْتُ الشيء إذا

شَقَقْتُهُ.

قوله: (ويغرق من نَخْشَى نميمته) أي: أفشاه للحديث. قال أبو زيد:

يقال منه: رجلٌ نَمٌّ، من قومٍ

نَمِّينَ، وأنِمَّاء. وامرأة نَمَّةٌ، من نسوة نَمَّات.

قال الشاعر:

ولاَ أَكْتُمُ الأَسْرَارَ لكنْ أَنُمُّهَاولا أَتْرُكُ الأَخْبَارَ تَغْلي عَلَى قَلبي

وقال الآخر:

إِن النَّمُومَ أُغَطِّي دونَهُ خَبَرِيوَلَيْسَ لي حِيلةٌ فِي مُفْتَرِي الكَذِبِ

ومثل هذا البيت قول الآخر:

لِي حِيلَةُ فِيمَنْ يَنُمُّ وليس في الكذَّابِ حِيلَهْ
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
مَنْ كانَ يَخْلقُ مَا يَقُولُ فَحيلتي فيه قَلِيلَهْ
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة

ويروى: (مَنْ كان يَكذِبُ ما أَرادَ).

وحكى الزبير بن أبي بكر قال: حَجَّ مروان بن عبد الملك مع الوليد بن عبد الملك بن مروان، فلما

كانوا بوادي القُرَى، جرت بينه وبين أخيه الوليد بن عبد الملك مُحاورة، والوليد يومئذ خليفة، فغضب

الوليد فأمضَّه فتفوَّه مروان بالردّ عليه. فأمسك عمر بن عبد العزيز على فِيه فمنعه من ذلك. فقال

لعمر: قتلتني! رددت غيظي في جَوْفِي. فما راحوا من وادي القُرى حتى دفنوه.

فله يقول الشاعر:

لَقَد غادَرَ الرَّكْبُ اليَمَانُون إذْ غَدَوْابِوَادِي القُرى جَلْدَ الجَنَانِ مُشَيَّعَا
فَسَاروا فَلاَ مروانَ للحيِّ إذْ شَتَوْاوَللرَّكْبِ إِذ أَمْسَوْا مُضلين جُزَّعَا

وذكر غير الزبير، أن الشعر لجرير بن عطية.

قال: وكان مروان أخا يزيد بن عبد الملك لأمّه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وزاد:

أَبَا خَالدٍ فَارَقْتَ مروانَ عَنْ رِضىًوكانَ يزينُ الأرضَ أَنْ تُرَيَا مَعَا

قال: ومثل النَّمَّام: القتَّات، والقَسَّاس أيضا مثله. وقد فرق بعض أهل اللغة بينهم، فقال: النَّمَّام: هو

الذي يكون مع القوم يتحدثون فَينِمُّ حديثهم.

والقَتَّاتُ: هو الذي يتسمع على القوم، وهم لايعلمون، ثم يَنِمُّ حديثهم.

والقَسَّاسُ: الذي يَقُسُّ الأخبار؛ أي يسأل الناس عنها، ثم ينشرها، ومثل ذلك قولهم: رجل نَمِلٌ.

والنَُِّمْلَةُ مثل القلق بالخبر.

والنَّمِلُ: هو الذي لايكتم الخبر، ولا يستطيع الصبر عليه، وهو أيضا النَّمَّال. وقد نَمَلَ يَنْمُلُ.

وقال الكميت:

وَلاَ أُزْعِجُ الكَلِم المُحَفَظَاتِإِلَى الأَقْرَبِينَ ولا أَنْمِلٌ

أيْ: لا أَمشي بِالنَّميمة.

ويقال: رجلٌ نَمِلُ الأصابع؛ الذي لايكاد يكُفُّ أصابعه عن العبث، وكذلك إذا كان خفيف الأصابع في

العمل، وكذلك الفرس؛ وهو الذي لايكادُ يستقرّ.

قال هذا قاسم في الدلائل، وأنشد:

لَسْنَا بِإِخْوَانِ أَقْوامٍ يُغَيِّرُهُمْقَوْل العُدَاةِ ولاَذُو النَّملةِ النَّمِلُ

قال: وفي حديث عمر ﵁ أنه قال للحطيئة: إِيَّاكَ والشعر! قال: لاأَقْدِر ياأمير المؤمنين

على تركه؛ مأْكَلَةُ عِيالي، ونُمْلَةٌ على لساني، قال: فَشَبِّبْ بِأَهْلك، وَإِيَّاكَ وَكُلُّ مِدْحَةٍ مُجْحِفَةٍ! قال: يا

أمير المؤمنين! وما المدحَةُ المُجْحِفَة؟

قال: تقول: بنو فُلانٍ خيرّ من بني فلان. إمْدَحْهُمْ ولا تُفَضلهُمْ، قال: أَنْتَ يا أمير المومنين أشعرُ

مني.

قال: والنَّمُّ، والقَتُّ، والقسُّ، والتَحَسُّسُ بالحاء، والتَّجَسُْسُ بالجيم نظائر في اللغة، ومتقاربات في

المعنى.

قال الشاعر:

تجنيت سُعْدى رَهبَة أن يشيد ليإذا زرت سعدى الكاشح المتحسسُ

يروى بالجيم؛ من قولهم (تجسس) وبالحاء من قولهم (تحسس)، وقرأ الحسن.

رجع

وسأل ابراهيم بن المهدي بعض المجانين. ما المحاسن؟ فأنشده:

يقولون في البستان للعين نزهةوفي الخمر والماء الذي غير آسنِ
إذا شئت أن تلقى المَحَاسِنَ كُلَّهَاففي وَجْهِ مَنْ تَهْوَى جميعُ المحاسن
للشاعر محمود المشهداني، من قصيدة «سدرةُ الحُسْنِ»

ورأيت في بعض تواليف الحافظ أبي نعيمْ بسند، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه

وسلم: "النظرة إلى الخضرة والوجه الحسن يزيدان في البصر".

فصل

قال: ومن غريب الأحاديث والحكايات في معنى الحب، ماروى عن أبي عبد الله عكرمة مولى ابن

عباس لله، قال: بينما نحن عند عبد الله بن عباس، إذ أقبل فتية يحتملون فتى من بني عذرة، قد بلي

بدنه، وكانت له حلاوة، وجمال. فجاءوا به حتى وقفوا بين يديه، وقالوا: استشف لهذا الفتى يا ابن عم

رسول الله ﷺ، قال: وما الذي به؟ قال: فترنم الفتى بصوت خفي، لا يستبين، وقال:

بِنَا من جَوَى الأحزان والحبِّ لوعةتكاد لها نفس المحبِّ تذوبُ
ولكنما أَلْفَى حشاشة مقولىعلى مابه عودٌ هناك صليب
وما عَجَبٌ موت المحبين في الهوىولكن بقاء العاشقين عجيب

ثم شهق شهقة فمات، فقال ابن عباس: هل رأيتم غلاماً مثل هذا؟ والله، إنه لقتيل الهوى، لادية له،

ولا قود فيه، فأنشد بعض أهل المجلس:

قَضَى اللَّهُ في القَتْلَى قِصَاصَ دِمَائِهِمْوَلكنْ دماءُ العاشقين جُبَارُ
تُطَلُّ دِماء العاشقين وثأرُهالدى الحَدَقِ المرضَى وذلك ثَارُ

وأنشد آخر منهم:

ما يَذْكُرُ الدهر لي سُعْدَى وَقَدْ فقدتْإلاَّ تَرَقْرَقَ دَمْعُ العين فاطَّرَدَا
يالَلرِّجالِ لِمَعْشُوقٍ بِلاَ تِرَةٍلاَتَأخذون له عَقْلاً وَلاَ قَوَدَا

قال عكرمة: فقال ابن عباس: نرغب إلى الله في العافية، ومازال يتعوذ بالله من الحبِّ بقية يومه.

قول الشاعر:

قَضَى اللَّهُ في القَتْلَى قِصَاصَ

أي: فرض الله في القتلى قِصاص دمائهم وأوجب، والقِصَاصُ: الأخذ من الجاني مثل ما جنى،

والقِصَاصُ، والمقَاصَةُ، والمعاوضة، والمبادلة: نظائر في اللغة.

يقال منه: قصَّ يَقُصُّ قَصّاً وَقِصَصاً، وأقَصَّهُ به إقْصَاصاً، واقْتَصَّ منه اقتصاصاً.

وَاسْتَقَصَّ اسْتِقْصَاصاً؛ إذا طلب القِصَاص، وقَاصَّهُ مَقَاصَّةً وقِصَاصاً.

وقال أبو بكر بن دريد: قَصَّ الشيء بِالمِقَصِّ يَقُصُّهُ قَصّاً. وقَصَّ الحديث يَقُصُّهُ قَصَصاً.

وقوله تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ)، يعني القرآن اقتفاء الأثر قَصَصٌ أيضا. قال الله تعالى (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا).

والقِصَاصُ التَّقَاصُّ، من الجراحات والحقون شيء لشيء.

واقْتَصَّ منه: أَخَذَ منه. قال الله تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ).

وقال صاحب العين: القَصّ: الصَّدْر هو المُشَاشُ المغروسةُ فيه أَطْرَافُ شَرَاسيف الأضلاع في وسط

الصدر.

والقُصَّةُ من القُصَاصِ معروفة. والقَصَّةُ الجَصُّ.

وفي هذا اللفظ اشتراكٌ، وبابه مَشِيعٌ.

وقوله: (دماء العاشقين جُبَار): يعني أن دماءهم هَدَر لاَدِية فيها.

وفي حديث أبي هريرة فيما روى، عن عبد الرزاق عن معمر، عن همام بن مُنَبِّه عنه، النار جُبَار،

ورواه مسلمة بن علقمة، عن داوود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. قال: قال

رسول الله صلى عليه وسلم: (النَّارُ جُبَار والبِئْرُ جُبَار والمعدنُ جُبَار وفي الرَّكَازِ الخُمُسُ).

وقوله: النَّار جٌبَار، قال الخطابي: يتأول على وجوه: أحدها أن يكون معنى ذلك إباحة النار،

واقتباسها من غير إذن موقدها، وأنه إذا أخذ منها جَذْوة، لم يلزمه لها قيمة.

وقال بعضهم: تأويله: النارُ تطير بها الريح، فتحرق متاعاً لقوم، يريد أنه لايلزم موقدها غرامة.

ومنهم من فرق بين النار يوقدها رجل، ليصطلي بها، أو يشوي عليها لحماً، وبين أن يوقدها عبثا لا

لأرب، فرأى ما تَجْنِي تلك هدراً، وماتجني هذه الغرامة. وأنكر بعضهم هذه اللفظة، وزعم أنها

تصحيف، وإنما هو: البئر جُبَارٌ.

وذلك أن أهل (اليمن) يُميلون النار. فكتبها بعضهم بالياء فرأى القارئ البئر، فصحفها بالنار، كذا قال

أبو بكر بن المنذر.

وقال يحيى بن معين: أصله البئر جُبار، ولكنه صحفه معمر، وقال أبو عمر بن عبد البر: في قول

يحيى بن معين نظر. وذكر أبو الحسن الدارقطني الحديث في كتاب (العلل) فقال: قال إسحاق بن

ابراهيم بن هانئ، عن أحمد بن حنبل: إنما هو البئر جبار، وأهل (صنعاء) يكتبون النار بالياء على

الامالة، فصحفوا على عبد الرزاق البئر بالنار، والصحيح البئر.

قال أبو الحسن الدارقطني: إسحاق هذا له عن أحمد مسائل، وكان ألزم إليه من ابنه.

وفي الحديث عنه ﵇ "جُرْحُ العَجْمَاءِ جُبَار". وهذا دون خلاف، والعَجْمَاءُ: هي البهيمة،

سميت عجماء لامتناعها من الكلام، قال امرؤ القيس:

صَمَّ صَدَاهَا وَعَفَا رَسْمُهَاواسْتَعْجَمَتْ عَنْ مَنْطِقِ السَّائِلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «يا دار ماوِية بالحائلِ»

وانما وَشَّحْنَا أبواب هذا الكتاب بهذه الأخبار؛ رغبةً في استكمال فوائده، واستغراب مقاصده،

واستحسان مصادره، وموارده.

رجع

وحكى الفضل بن الحُبَاب، عن الرياشي قال: خرج جماعة من

أهل (البصرة) يريدون الحَجّ. فلما

كانوا ببعض الطريق، إذا غلام واقف على المحجَّة وهو ينادي: أيها الناس! هل فيكم أحد من أهل

(البصرة)؟ قال: فملنا إليه، وقلنا له: مَاتُريد؟ قال: إن مولاي يريد أن يوصي إليكم. فسرنا معه؛ فإذا

شخص ملقى على بعدٍ من الطريق، تحت شجرة لا يحير جوابا، فسلمنا عليه وجلسنا حوله، فلما أحس

بنا رفع طرفه، وهو لايكاد يرفعه ضعفاً. ثم أنشأ يقول:

يَا بَعيدَ الدار من وطنهمُفرداً يَبْكي عَلَى شَجَنِهْ
كُلَّمَا جَدَّ البُكَاءُ بِهِزَادَتِ الأسقامُ في بَدَنِهْ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا غريب الدار عن وطنه»

ثم أُغْمِي عليه طويلا، ونحن جَلُوسٌ عنده، فأقبل طائر فوقع على بعض أغصان الشجرة، وجعل

يغرد، ففتح عينيه ثانية، وجعل يستمع تغريد الطائر، وأنشأ يقول:

وَلَقَدْ زاد الفُؤَادَ شَجَىًطَائرٌ يَشْدُو عَلَى فَنَنِهْ
شَفَّهُ مَا شَفَّني فَبَكَىكُلُّنَا يبكي عَلَى سَكَنِهْ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا غريب الدار عن وطنه»

ثم تنفس، وفاظت نفسه، فلم نبرح من عنده حتى كفناه، وتولينا الصلاة عليه. فلما فرغنا من دفنه،

سألنا الغلام عنه، فقال هذا العباس بن الأحنف.

قال أبو اسحاق: ومن مليح شعر العباس قوله:

تَحَمَّلْ عَظِيمَ الذَّنْبِ مِمَّنْ تُحِبُّهُوَإِنْ كُنْتَ مَظْلُوماً فَقُلْ أَنَا ظالِمُ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «بدا من أبي الفضل الهوى المتقادم»
فَإِنَّكَ إِلاَّ تَغْفِر الذَّنْبَ في الهَوَىيُفَارِقْكَ مَنْ تَهْوَى وَأَنْفُكَ رَاغِمُ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «بدا من أبي الفضل الهوى المتقادم»
فَطُوبَى لِمَنْ أَغْفَى مِن اللَّيْلِ سَاعَةًوَذَاقَ اغْتِمَاضاً إِنَّ ذَاكَ لَنَاعِمُ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «بدا من أبي الفضل الهوى المتقادم»

وقوله أيضا:

أَغَبَّ الزّيارَة لَمَّا بَدَالَهُ الهَجْرُ أَوْ بَعْضُ أَسْبَابِهِ
وَمَا صَدَّ عَنْهَا وَلَكِنَّهُطَرِيدُ مَلاَلَةِ أَحْبَابِهِ

وقوله أيضا:

إِنْ قَالَ لم يَفْعَلْ وإن سيلَ لَميَبْدُلْ وَإِنْ عُوتِبَ لَمْ يَعْتَبِ
حبٌّ بِهِجْرَاني ولو قال ليلاَ تَشْرب البارِدَ لَمَ أَشْرَبِ

وقوله أيضا في مشي النساء:

شمس مقررة في خَلْقِ جاريةٍكَأَنَّما كَشْحُها طَيُّ الطَّواميرِ
كأنها حين تمشي في وَصَائِفِهاتخطو على البيض أو خُضْر القواريرِ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «إني طربت إلى شمس إذا طلعت»

والطَّواميرُ، جمع أطمار، وأَطْمَار جمع طَمْر: وهو الثوب الخَلَقُ، ومثله في

الجودة والحسن في مشي النساء، قول ابن مقبل في النوادر لأبي علي:

يَهْزُزْن للمَشْي أَوْصَالاً مُنَعَّمَةًهَزَّ الجَنُوبِ مَعاً عِيدانَ يَبْرِينَا
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة
أَوْ كاهتِزَازِ رُدَيْنِيٍّ تَداولهأَيْدي التِّجار فزاد وامَتْنَه لينا
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة

ويروى: (هز الكُمَاة).

يمشين هَيْلَ النَّقا مالتْ جَوَانِبُهُينهال حينا وينهاه الثَّرى حِينَا
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة

قوله: عَيْدَان، وزنه فَيْعَال، وهو من: عَدَنَ، إذا أقام، والنون فيه أصلية، وهو جمع عَيْدَانة. والعيدانة:

النخلة إذا طالت، ونفذت عروقها إلى الماء.

والنَّقَى من الرَّمل: قِطْعَةٌ مُحْدَوْدَبَةٌ يُكْتَب بالياء، ويكتب بالألف، لأنك تَقُولُ في تَثْنِيتِه: نَقَوَان ونَقَيَان،

والواوُ أكثر. قاله أبو علي البغدادي، وأنشد:

كَحِقْفِ النَّقَا يَمْشي الوليدانِ فوقَهُبِمَا احتَسَبَا مِنْ لينِ مَسٍّ وتَسْهَالِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

ويُرْوَى: (وَإِسْهَالِ)

قال أبو علي: وبَنَاتُ النَّقَا، وشَحْمُ النَّقَا، وشَحْمَة الأرض: دودٌ بيض يَدْخُل في الرمل تُشَبَّهُ بها

الأصابع.

قال الراعي:

وفي القُلْبِ والحِنَّاءِ كَفُّ بَنَانِهاكَشَحْمِ النَّقَا لَمْ يُعْطِها الزَّنْدَقَادحُ

وقال ذو الرمة:

وَأَبْدَتْ لَنَا كفّاً كأَنَّ بَنَانَهابناتُ النَّقَا تَخْفَى مراراً وتظهرُ

وقال: والنَّقَا أيضا: كل عَظْمٍ فيه مُخُّ، وجمعه أَنْقَاء.

وأنشد أبو محمد بن رَسْتَم لابن لجإ:

طويلة والطُّولُ مِنْ أَنْقَائِها

أي: من عِظَامِها المُمِخَّة.

وقال محمد بن القاسم: النَّقَى: العَظْمُ المُمِخُّ، مقصور يكتب بالياء.

ومثله في الحسن في المعنى قول ذي الرمة:

وَلَمْ تَمْشِ مَشْيَ الأُدْمِ في رَوْنَق الضحىبِخَرعابك البيضُ الحِسَانُ الخرائِدُ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا أيها الربع الذي غير البلى»

ومثله قول الآخر:

يمشين في الرَّيْطِ والمُرُوطِ كَمَاتَمْشِي الهُوَيْنَا سَوَارحُ البقَرِ

وقرأت في النوادر لأبي علي، قول عمر بن أبي ربيعة في المعنى:

أبْصَرْتُها غدوةً وَنِسْوَتُهايَمْشِين بين المَقَام والحجَرِ
بيضاً حساناً خرائداً قُطُفاًيَمْشِينَ هَوْناً كَمِشْيَة البَقَرِ
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «يا من لقلب متيم كلف»
قَد فُزْنَ بالحُسْنِ والجمال معاًوفزن رِسْلاً بِالدَّلِّ والخَفَرِ
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «يا من لقلب متيم كلف»

قوله (قطفا): هو جمع قَطُوف، وهي التي تقارب خطوها من المشي، قال امرؤ القيس:

فجاءت قطوفَ المشي هَيَّابَةَ السُّرَى

وقوله: (هونا وَرِسْلاً) أي: رِفْعاً. ومثله في الاستحسان، قول الحطيئة في المعنى:

حَصَانٌ لها في البيت زِيٌّ وَبَهْجَةٌوَمَشْيٌ كَمَا تَمْشِي القَطَاةُ قَطُوفُ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أمن رسم دار مربع ومصيف»

ومثله أيضا قول الكميت في المعنى:

يَمْشِين مَشْيَ قَطا البِطاح تأوداًخُمْصَ البُطُونِ رَوَاجِحَ الأكْفَالِ
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «هلا سألت معالم الأطلال»

والقَطا في هذا البيت، والذي قبله، ضرب من الطير معروف يستحسن مشيه، واحدته قَطَاة، ويقال

في جمعه أيضا: قطوات.

قال الأخطل:

مُصَاحبةُ خوصاً كَأَنَّ رِحالهاعَلَى قطوات من قَطَا عالج حُقْبِ

ومن أمثالهم: (لو تُرِكَ القطا لَنَامَ)، ولايكتب إلا بالألف.

والقطا أيضا، جمع قطاة، وهو مابين الوركين، ويكتب بالألف أيضا، قال النابغة الجعدي:

على أَنَّ حَارِكَهُ مُشْرِفٌوَظَهْرَ القَطَاةِ وَلَمْ يَحْدَبِ
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»

وقال امرؤ القيس:

يُديرُ قَطَاةً كالمَحَالَةِ أَشْرَبَتْإِلَى سَنَدٍ مِثْل العَبِيط المُذَأَّبِ

ويقال في مثل يضرب للرجل الأحمق (ما تعرِفُ قَطَاتَهُ مِنْ لَطَاتِه)، ولَطَاتُه جبهته، فمعناه: مايُعْرَفُ

من حُمْقِه، أعلاه من أسفله.

ومثل ماذكرنا من حسن مشي النساء، قول الآخر:

أَلاَ إِنَّ قَلْبِي لَدَى المُعْصِرَاتيُمَشِِّينَ مَشْيَ إرَاخِ البقرِ

والمُعْصِرَات في هذا البيت جمع مُعْصِر، وهي الجارية إذا قاربت الإدراك، قال الشاعر:

جَارِية بسفوانَ حَارُهَاقد أعصرتْ أو قد دَنَا إِعْصَارُهَا

وقال الآخر:

فَكَانَ مِجَنى دون من كنْتُ أتَّقىثلاث جوارٍ كاعبان ومُعْصِرُ

ويقال: إن صلاة العشي، إنما سميت عصراً لأن مدى وقتها يقارب غروب الشمس، وهو من هذا

المعنى.

وفي الحديث عن عبد الله بن فَضَالة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: "حافظ على

العصرين".

والعَصْرَان: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها. لأن العصرين عند العرب: الغَدَاة

والعَشي، وهما أيضا الليل والنهار. وقال حميد بن ثور الهلالي:

ولَنْ يَلْبث العَصْران يومٌ وليلةٌإذا طَلَبَا أن يُدْرِكا ما تَيَمَّمَا

فجعلهما يوم وليلة، ومنه قول الآخر:

أُمَاطِلُهُ العَصْرَيْن حتَّى يَمَلَّنىويَرْضَى بنصف الدَّين والأَنْفُ رَاغِمُ

والعَصْرُ أيضا الدهر، ومن قول حميد بن ثور أخذ ابن المعتز قوله:

أَلَمْ تَرَ أن الدهر يومٌ وليلةٌيَكُرَّانِ من سبت عليك إلى سَبْتِ
فقل لجديد العيش لابد من بِليوقل لاجتماع الشمل لابد من شَتِّّ

وقول البحتري في مشي النساء بديع مستحسن أيضا، وهو:

لَمَّا مَشَيْنَ بِذِي الأَرَاكِ تَشَابَهتْأَعْطَافُ قُضْبَانٍ بِهِ وقُدودِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «شغلان من عذل ومن تفنيد»
في حُلَّتَيْ حِبْرٍ ورَوْضٍ فالْتَقَىوَشْيَانِ: وَشْيُ رُبِّي وَوَشْيُ بُرُودِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «شُغْلانِ مِنْ عَذْلٍ وَمِنْ تَفْنيدِ»
وَسَفْرْنَ فامْتَلأَتْ عُيونٌ زَانَهاوَرْدَانِ: ورد جنىً وَوَرْدُ خُدُودِ
وَضَحِكْنَ فاغترف الأقاحي من ندىًغَضٍّ وَسَلْسَالِ الرُّضابِ بَرودِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «شغلان من عذل ومن تفنيد»

وأنشد أبو محمد بن قتيبة للأعشى، مايستحسن في هذا المعنى:

كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جَارَتِهَامَشْيُ السَّحَابَةِ لاَرَيْثٌ ولاَ عَجَلُ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

رجع

وقرأت في (النوادر) لأبي علي البغدادي، قال الفضل بن محمد العلاَّف، لما قدم بغاء ببني نُمَيْر

أسرى كنت أذهب إليهم، فأسمع منهم، فلا أعدم أن ألقى الفصيح منهم. فأتيتهم يوما في عقب مطر؛

وإذا فتى منهم حسن الوجه، قد نهكه المرض وهو ينشد:

أَلاَ يا سنا بَرْقٍ على قُلَلِ الحِمَىلَهِنَّكَ من برْقٍ عليَّ كريمُ
لمعت اقتداء الطير والقومُ هُجَّعُفهيَّجتَ أسقاماً وأنت سليمُ
فهل من معيرٍ طرفَ عيْنٍ خَليّةٍفانسانُ طرفِ العامريِّ كليمُ
رَمَى قلبه البرقُ اليماني رميةًبِذِكرِ الحِمَى وَهْناً فبات سقيمُ

فقلت له: ياهذا! إنك لفي شغل عن هذا. فقال: صدقت يا أخي! ولكن أيقظني البرق فتذكرت. ثم

اضطجع فما لبث غير ساعة، حتى مات، فتوهمنا عليه غير الحب.

وحكى عن سعيد بن حُمَيْد أنه قال: رأيت (بالبصرة) شابا، وفي يده

مدية، والناس حوله، وهو ينادي بأعلى صوته ويقول:

يومُ الفراق من القيامة أطولُوالموتُ من ألمِ التفرق أجملُ
قالوا الرحيل فقلت لست براحلٍلكن مهجتي التي تترحَّلُ

ثم بَقَرَ بَطْنَهُ، وخر ميتا. فسألت عن شأنه، فقيل لي: كان يهوى فتى لبعض الملوك، فحجب عنه

يوما واحدا، ففعل ما ترى.

وحكى عن الحميد أنه قال: رأيت رجلا متعلقا بكم صبي، وهو يتضرع إليه ويظهر له المحبة،

فالتفت إليه الصبي وقال: إلى متى هذا النفاق الذي تظهر، فقال له: قد علم الله أني صادق فيما أقول؛

حتى لو قلت لي مت لمت، فقال له الصبي: إن كنت صادقا فمت، قال: فتنحى الرجل وغمض عينيه

فوجده ميتا.

قال أبو إسحاق:

وشبيه بهذا، لكن من غير علاقة الحب؛ بل من الزهد في الدنيا، والإنابة، للرب ماحكى أبو القاسم

خلف بن عبد الملك بن بَشْكُوَال

في فوائده عن أبي محمد بن عتاب بسند إلى منصور بن محمد

البصري، قال: أرسل أمير المومنين مِنْ سُرَّ مَنْ رأى إلى نصر بن علي الجهضمي، وكان زاهدا،

يامره بتقلد القضاء فأبى، فروجع في ذلك ثلاث مرات فأبى، فأمر أمير المومنين إن هو لم يُجِب قُيِّد

وأُوتيَ به.

فأعلم بذلك نصر، فقال: أَنْظِرُوني اليَوم، فدخل الحمَّامَ، واغْتَسَل وتَنَظَّف، وخرج إلى دَارِه فأعدَّ

أَكْفَانَه وحُنُوطَه، وبَعَثَ إلى رَجُل كان يغسل المَوْتَى، فتقدَّم إليه بما يريد مِن غَسْله، ثم اسْتَقْبَل القِبْلَة

فَصلَّى ركعتين، ودَعَا بما دَعا، وتمدَّد فمات، وغُسِّل وكُفن.

قال منصور: وكنتُ فيمَنْ صَلَّى عليه، فلما عَلِمَ السُّلْطَان بِخَبَره، نَدِمَ على مَاكَانَ مِنْه إِلَيه. وكانت

وفاتُه رحمة اللَّه عليه سنة خمسين ومائتين، فيما ذكره

أبو عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري.

وخرَّج أبو القاسم أيضا في (الفوائد) بسندٍ إلى القاسم بن ثابت بن حزم السرقسطي، أن الوالي

بسرقسطة أراد تقديم قاسم القضاء بها، فأمر أباه ثابثا أن يعلمه بذلك، فأعلمه أبوه بالخبر، فأبى، فأخبر

أبوه الوالي بذلك، فقال: إن لم يفعل ما أمرته به، أخرجته عن بلدي، فقال له أبوه: يابني تكلفني في

آخر عمري الخروج عن بلدي، والتطوف بالبلدان. فقال له: يا أبت أمهلني إلى غد. فلمَّا أتى الليل،

صار قاسم في محرابه، فصلَّى طول ليلته، وأصبح ميتا في محرابه رحمة الله عليه، وندم الوالي

على ذلك، وقال: ليتني لم آمره بما يكره.

قال أبو إسحاق:

وإنما جئت بهذين الخبرين اعتباراً وإجلالاً، وإعلاماً بمكانة هذين العالمين العاملين عند الله تبارك

وتعالى.

وقرأت في (ذيل النوادر) لأبي علي قال: استُعْمِلَ النعمان بن بشير على صدقات بَلِيّ وعذرة. فبينما

أنا، يقول النعمان، في بعض مياههم، إذ رأيت بيتاً مفرداً إلى ناحية، وإذا بفنائه رجل مستلقٍ وامرأة

قاعدة، وهو يتغنى ويقول:

جَعَلْتُ لِعَرَّافِ اليَمَامَةِ حُكْمَهُوَعَرَّافِ حَجْرٍ إنْ هُمَا شَفَيَاني
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «لعمري إني يوم بصرى وناقتي»
فَقَالاَ نَعَمْ تَشْفى من الدَّاء كلِّهوقاما مَعَ العُوَّاد يَبْتَدِرَان
فَمَا تَرَكا من رُقْيَةٍ يَعْلَمَانِهاوَلاَ سَلَْوَةٍ إلاَّ وقد سَقَيَانِي
وَمَا شفيا الداء الذي في كلهوَمَا ذَخَرا نصحاً وما أَلَوَاني
فَقَالاَ شَفَاكَ اللَّهُ وَاللَّهِ مَالنابِمَا ضُمِّنَتْ منكَ الضُّلُوعُ يَدَانِ

فقلت للمرأة: ما قِصَّته؟ فقالت: هو مريض ما تكلَّم بكلمة، ولا أَنَّ أَنَّةً منذ وقت كذا إلاَّ الساعة، ثم

فتح عينيه وأنشأ يقول:

وكان مِنْ أُمَّهَاتي باكياً أبدافاليومَ إِنِّي أرَاني اليومَ مَقْبُوضاَ
تَسَمَّعِيهِ فَإِنِّي غيرُ سَامِعِهإذَا حُمِلْتُ على الأعناق مَعرُوضاَ

ثم خفت فمات فغمضته، وغسلته، وكفنته، وصليت عليه، ودفنته، وقلت للمرأة: من هو؟ فقالت: هو

قتيل الحب عروة بن حزام.

وحكى عمرو بن بحر الجاحظ، قال: كنت جالساً بالرَّقة عند صديق لي، وكان معنا فتى يتعشق

جارية مغنية، كانت معنا في المجلس، فضربت العود، وغنت:

عَلاَمَةُ ذُلِّ الهَوَىعلى العَاشِقينَ البُكَا
وَلاَ سيَّمَا عاشِقٌإذا لم يَجِدْ مُشْتَكَى

فقال لها الفتى: أحسنتِ واللَّهِ ياسيدتي!. أَفتأذنين لي أن أموت؟. فقالت: مت راشداً. فوضع رأسه

على الوسادة، وأطبق فمه، وغَمَّض عينيه، فحركناه

فوجدناه ميتا.

وحكى أبو عمرو بن بحر أيضا، قال: قصدت أمير المومنين المتوكل على الله، لتأديب ولده. فلما

رآني استبشع منظري، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، وصرفني، فلمَّا خرجتُ، لَقِيتُ محمد بن ابراهيم

وهو يريد الانحدار إلى مدينة السَّلاَم، فَرَغِبَ إِليَّ في النهوض معه، فأجبته إلى ذلك، فلما وَصَلْنَا

أَحْضَر الطَّعام، فأكلنا ووضع الشراب، فَشَرِبنا، وضُربت سَتَّارة، وأمر عَوَّادةً له تُغَنِّي، فَغَنَّتْ:

كلُّ يومٍ قَطيعةْ وعتابُينقضي دَهْرُنا ونحنُ غِضَابُ
ليت شِعْري أَنَا خُصِّصتُ بهذاَدونَ غيري أَمْ هكذا الأحْبابُ

ثم سكَتَتْ، وأمَرَ طَنْبُورِيَّةً تُغَني، فَغَنَّتْ:

وارحمتا لِلْعَا شقيناماذا يلاقي العاشقونا
همْ يُظْلَمُونَ ويُهْجَرُونَ وَيُقَطَّعُون وَيَصبرونَا
يَتَجَلَّدُون وَيُظهِرُونَ تَجَلُّداً للِشَّامِتِينَا

ثم قالت لها العوّادة: فيصنعون ماذا؟ فقالت: يَصْنَعُون هكذا. ورمت بيدها

إلى السَّتارة فَهَتَكَتْها وبرزَتْ كأنَّها قمر، فرمت بنفسها في الماء.

وكان على رأس مُحَمَّد غُلام قائمٌ يضاهيها في الجمال، وكانت بيده مذَبَّة يَدُبُّ بها عن محمّد، فرمى

المدية من يده، وصَارَ إلى الموضع الذي رَمَتْ فيه بنفسها، وأنشأ يقول:

أَنْتِ الَّتي غَرَّقْتنِيبُعْدَ القَضَا لَوْ تَعْلَمِينَا
لاَ خيرَ بَعْدَكِ في البقاوالموتُ زَيْنُ العاشقِينَا

وَرَمَى بِنَفْسِه في المَكَان ثُمَّ عَانَقَها في الماء، وغَاصَا جميعاً، فما ظَهَرَا بَعْدُ.

فَلَمَّا رَأى ذلك محمد رَاعَه، وقال: ياعمرو، لتحدثني بحديث يسليني عن هذه القضية، وإلاّ لحقتك

بهما فتحيَّرتُ، ثمَّ حضرني خبرٌ ظريف مثله. فقلت له:

إِنَّ سليمان بن عبد الملك بن مروان جلس يوماً إلى المظالم فعرضت له بطاقة فيها مكتوب: إِنْ رأى

أمير المومنين، أَيَّدَه الله، أَنْ يُخْرِجَ لي فلانة، يَعْني بعض خَدَمه، فتغنِّي لي بثلاثة أصواتٍ فعل،

فاغْتَاظ سليمان لذلك، وأَمَر مَنْ ياتيه برأس صاحب تلك البطاقة، ثم أتبعه رسولاً آخر يأمره

بإدخاله عليه، فلمَّا مثل بين يديه، قال له: ماحَمَلك على ما صَنَعْتَ؟ فقال: الثِّقَةُ بِحِلْمِكَ، والتَّوَكُلُ على عفوك،

فَأَمَرَ لَهُ بالجلوس حتّى لم يَبْقَ مِنْ بني أميةَ أحدٌ، وخلا المجلس، فأمر بإخراج الجارية بِعُودِهَا،

فخرجت به معها، ووضع لها كرسيّ، فجلست عليه، فقال له: اخْتَرْ! فقال: تغني:

تَعَلَّقَ رُوحِي رُوحَهَا قَبْلَ خَلْقِناوَمِنْ بَعْدِمَاكُنَّا نِطَافاً وفي المهدِ
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «تعلق روحي روحها قبل خلقنا»
فَزَادَ كَمَا زِدْنَا، فأصبح نَامِياًولَسْنَا وإِنْ مِتْنَا بِمُنْتَقِضي العَهْدِ
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة
ولكنَّهُ باقٍ على كُلِّ حَادِثٍورائدنا في ظُلْمَة القبر واللَّحْدِ
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «تعلق روحي روحها قبل خلقنا»

فغنت ذلك، فقال له سليمان: قُلْ. قال: تأمر لي برطل، فَأُوتيَ به فشربه، ثم قال: تغني:

إذا قلتُ مَابي يابُثينَةُ قَاتليمن الحبِّ قَالَتْ ثابِتٌ وَيزيدُ
وَإِنْ قُلتُ رُدِّي بعضَ عَقْلِي أَعِشْ بهِمع النَّاسِ قالت: ذاك منك بعيدُ
يموتُ الهوى مِنِّي إذا مَا لَقِيتُهَاويحيا إذا فَارَقْتُها فَيَعُودُ
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة

فغنت ذلك، فقال له سليمان: قُلْ. قال: تَأمُرُ لي برطل فَأوتي به، فشربه. ثم قال: تغني:

لقد كُنْتِ خيرَ الناسِ لو دَام وُدُّهاولكنَّما الدنيا مَتَاعُ غُرُورِ
وكُنَا جميعاً قبل أَنْ تُظهر الهوىبِأحْسَنَ حَالَيْ غِبطَةٍ وَسُرُورِ
فَمَا لَبِثَ الواشونَ حتَّى بَدَتْ لهمبُطونُ الهوى مَقْلُوبَةً بظُهُور

فغَنَّتْ ذلك، فقال سليمان: قُلْ. قَالَ: تَأمر لي بِرِطْل، فآُوتيَ به، فشربه، فلمَّا اسْتَتَمَّه وثَبَ عَلَى قُبَّة

سليمان، وَرَمَى بنفسه عَلَى دِمَاغِه، فمات، فقال سليمان: إِنَّا للَّه وإِنَّا إليه راجعون، أَتَراهُ الجاهلَ توهَّمَ

أَنِّي أُخرجُ له جاريتي، ثمَّ أَردُّها إلى مِلْكِي!.

وقال لأحد الغلمان: ياغلام خُذْ بيدها، فانطلق بها إلى أهله، إِنْ كان له أَهْل، وَإِلاَّ بِعْها وَتَصَدَّقْ بِثمنها

عنه، فأخَذَ الغلامُ بيدها، وكان في ناحيةَ الدار حُفْرة، قد أعدت لماء المطر، فجذبَتْ يدها مِنْ يَدِ الغُلاَم،

وقالت:

مَنْ مَاتَ عِشْقاً فَلْيَمُتْ هَكَذالاَ خير في العِشْقِ بِلاَ مَوْتِ

ورمَتْ بنفسها في تلك الحُفْرَةِ على رَأْسِهَا فَمَاتَتْ، فهذا ما كان من أمرهما، فتعَجَّبَ محمّد من ذلك،

وكَسَاني، وانْصَرفت.

وحكى بعض الرواة، قال: كان محمد بن حميد الطوسي جالساً في بعض الأيام مع ندمائه، فغنت

جارية له من وراء الستارة:

يَا قَمَرَ القَصْرِ مَتَى تَطْلُعُأشْقَى وغَيرِي بِكَ يَسْتَمْتع
إِنْ كَانَ رَبِّي قَدقَضَى مَا أَرىمِنكَ على رَأسي فَمَا أَصْنَعُ

وكان على رأْسِ مُحمَّد غُلامٌ بيدِهِ قَدَح يَسْقيه، فرمى بالقَدَح عَنْ يده، وقال: تَصْنَعِين هَكَذَا. وَرَمَى

بِنفسه مِنَ الدَّارِ إلى دِجْلَة. فَهَتَكَت الجارية السَّتارة، ثُمَّ رَمَتْ بِنَفْسِها عَلَى أَثَرِه فنزل الغَاصَةُ خَلْفَهُمَا،

فَلَمْ يُوجَد واحدٌ منهما، وَقَطَعَ مُحَمّد الشَّراب، وقام عَنْ مَجْلِسِه.

وكان لرجل من التجار جارية كان يحبها حُبّاً شديداً، فاعتَلَّت ذات يومٍ، فأخذ في عَمَل حساءٍ. فبينما

هو يحرك ما في القدر، إذ قالت الجارية: آه!. فدهش الرجل وسقطت الملعقة من يده، وجعل يحرك

مافي القدر بيده حتى تساقطت أصَابِعه، وهو لايشعر. فلما رأت الجارية ذلك، قالت: ما هذا؟. فقال:

هذا من أجل قولك: آه.

قال: وخَرَّج أبو حامدٍ في كتابه، قال: (إنَّ بعض المحبين خلا بمحبوبه، فقال له: أنا، واللَّهِ، أُحِبُّك

بقلبي كله، وأنت تعرض عني بوجهك كلِّه، فقال له المحبوب: إنْ كنتَ تحبني، فأيُّ شيء تنفق

عليَّ؟. فقال له: ياسيدي أُمَلِّككَ ما أَمْلك، ثم أنفق عليك روحي حتى أهلك).

وحكى علي بن عاصم قال: قال لي رجل بالكوفة من بعض إخواني: هَلْ لك في عاشق تراه؟. قلت:

بلى، فَمَشيتُ معه إلى فتًى كأنما نُزعَ الروحُ من جسده، وهو مُوْتَزِرٌ بِإِزَارٍ مُرْتدٍ بِآخر، وهو قاعدٌ

متفكر، وبيده وردة. فذكرنا له بيتاً من الشعر، فتهيَّج وقال:

جَعَلتُ منْ وَرْدَتهاغنيمةً فوق يدي
أَشُمُّها مِنْ حُبُّهاإذَا عَلاَني جُهُدي
فَمَنْ رَأَى مِثلي فَتًىبِالسُّقْمِ أضْحي مُرْتَدي

ثم أطرق إلى الأرض، فقلت: ماشأنه؟. فقال لي: عشق جارية لبعض أهله، فأعطى فيها كل ما

يملك، وهو سبع مائة دينار، فأبى أهلها أن يبيعها منه، فنزل به ماترى.

ونقلت من كتاب (العقد) قال أبو زيد الأسدي:

كانت بالمدينة قَيْنَةٌ من أحسن النّاسِ وَجهاً، وأكمَلِهِمْ عقلاً، وأَفْضَلِهم أدَباً. قَرَأت القُرْآن، وَرَوَت

الأشْعَارَ، وتعَلَّمَت الإعْراب، فَوَ قَعَت عند يزيد بن عبد الملك، فَأَخَذَت بِمَجَامع قَلْبه. فقال لها ذَات

يوم: مَالَكِ قَرَابة تُحِبِّين أن أصطنعهم، وأُهدي إليهم معروفاً. قالت: يا أمير المومنين! أَمَّا قرابة، فلا،

ولكنَّ بالمدينة ثلاثة نَفَرٍ كانوا أَصْدِقاء لمولاي، وأُحِبُّ أن ينالوا من خير ما صِرْتُ إليه، فكتب إلى

عامله بالمدينة في إِشخاصِهم، وأن يُعْطِيَ كلَّ واحد منهم عشرة آلاف درهم ففعل ذلك. فلمَّا وصلوا

إلى باب يزيد، استُؤْذِن لهم عَلَيْه، فَأَذِنَ لهم، فدَخَلُوا فَأَكْرَمَهُمْ، وسأَلهُم عَنْ حوائجهم فأمَّا الإثنان، فذكرا

حوائجهما، وأمَّا الثالثُ فسأله عن حَاجَتِه. فقال: يا أمير المومنين! مَالِي

حَاجَة، فقال له: ويحك! ألستُ أَقْدِر عَلَى حَاجَتِكَ. قال: بلى، يا أمير المومنين. ولكن حاجتي لا أحْسِبُك تَقْضيها. فقال: ويحك! سَلني، فإنَّكَ لاتَسَلْني حاجةً أَقْدِرُ عليها إلاَّ قضَيْتُها. قال: يا أميرَ المومنين، حاجتي أَنْ تَامر جاريتك التي

أكرمتنا لها أن تغني صوتاً؛ أَشْربُ عليه ثلاثة أرطال. فتغيّر وجه يزيد، وَقَامَ مِنْ مَجْلسه، فدخل على

الجارية، فأعلمها بذلك، فقالت: ومَا عليك، يا أمير المومنين؟ قال: سَأَفْعلُ ذلك. فلمَّا كان من الغد، أمر

بالفتى، فأُحْضر وَأُمِرَ بكراسي ثلاثة من ذهب، فوضعت؛ فقعد يزيد على أحدها، وقعدت الجارية على

الثاني، وقَعَدَ الفتى على الثالث. ثُمَّ دَعَا بالطعام، فأَكَلُوا جميعا، ثم أتى بِصُنوف الرِّيَاحِين، والطّيب،

فَوُضعت، ثم أمر بثلاثة أرطال، فَمُلِئَتْ. ثم قال للفتى: قل ما تريد، وَسَلْ عن حاجتك. فقال: تأمرها يا

أمير المومنين تغني:

لا أَسْتطيعُ سُلُوّاً عن مَوَدَّتهاأَوَ يَصْنَعُ الحبّ بي غير الذي صَنَعا
أدعو إلى هَجْرِها قَلبي فيُسعدنيحتى إذا قيل هذا صادقٌ نَزَعَا
وزادني رغبةً في الحب أن منعتأحب شيء إلى الإنسان ما مُنِعا

فأَمَرَهَا، فَغَنَّت، وشرب يزيد، وشَرِبَ الفتى، وَشَرِبَت الجارية. ثم أمر

بالكُؤُوس فَمُلِئَتْ. ثم قال: أُذْكُرْ حَاجَتك! فقال: تامرها يا أمير المومنين تغني:

تخيرتُ منْ نُعمان عُودَ أَراكةلهِنْدٍ وَلَكِنْ مَنْ يُبَلِّغُهُ هِنْدَا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تمشي الهوينا إذا مشت فضلا»
أَلاَ عَرِّجَا بي بَارَكَ اللهُ فيكماوإِنْ لَمْ تكُن هِندٌ لِآَرْضِكُمَا قَصْدا

فأمرها، فَغَنَّتْ، وَشَرِبَ يزيد، وشَرِبَ الفتى، وشربت الجارية، ثم أمر بالكؤوس فَمُلِئْتْ. ثم قال: أُذْكُرْ

حَاجَتك! فقال: تامرها يا أمير المومنين تغني:

مِنِّي الوِصَالُ ومنكمُ الهَجْرُحتى يؤلف بيننا الدهرُ
واللهِ لاَ أَنْسَاكُمُ أبداًماَ لاَحَ نجمٌ أوْ بَدَا فَجْرُ

فَلَمْ تَسْتَتِمُّ الأبيات، حتّى خَرَّ الفَتى مغشيَّاً عليه، فقال يزيد للجارية: قومي فانظُري مَا حَالُه. فقامت

الجارية، فحركته، فإذا هو مَيْت. فقال لها يزيد: ابْكِيهِ. قالت لاَأَبْكِيهِ، يا أمير المومنين، وَأَنْتَ حَيٌّ

أبداً. قال لها: ابْكيه، فَوَ اللَّهِ لَوْ عَاشَ، لَمَا خَرَجَ الأَبكِ.

ونقلت من كتاب (الأغاني). قال سليمان المنقدي: قلت لهند بنت الوضاح: انشديني بعض ماقلت في

المغيرة بن سعيد. ولم ير الناس أحداً بلغ به الهوى، ما بلغ بها فأنشدت:

يحنّ إلى مَنْ بِالعقيقةِ قلْبُهُحنيناً يُبْكِّي الطير في غُصُنِ السِّدْرِ
تَنفسْتُ لَمَّا هاج قلبي بذكرهفأمْسَكْتُ مِنْ خوفٍ الحريق علي الصَّدْرِ
وَوَاللَّه لو فَاضَتْ على الجمر لوعتيلأحرق أدنى حَرِّها لهب الجَمْرِ

فقلت: يا هَذِه، أكُلُّ هذا منَ الحُبِّ، قالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَآُمِّي، كيف ولَوْرَأَيْتَنِي وَعُنْفُوَان هوايَ، لرأيت

خَبلاً يُذَوِّب الحديد لحرارته. ولقد عَذَلني من يغمه بعض ما بي فقلت:

لَحَى اللَّهُ مَنْ يَلْحَى عَلَى الحُبِّ عَاشقاولا كَانَ في قُربِ وَلاَ زَالَ في بُعْدِ
وَمَاذَا عَلَيْهم أَنْ تراءى وِصَالُنَاوَإِنْ نَمَّ مَا كُنَا نُسِرُّ من الوَجْدِ

ثم تنفست، فخشيت على بدني من حرارة نفسها. فقلت: ما هذا التنفس؟ فقالت: على حلاوة ذلك

الدهر، ورطوبة أغصانه، وإني وإياه، لكما قالت هالة بنت قيس التميمية:

أَرَانِي قد حَييتُ وَكُنْتُ مَيْتاًإذا طَرَقَ الخيالُ بِمَنْ هَوِيتُ
رَضِيتُ ذَهَابَ نفسي في رضاهرضيتُ بِذاكَ يَارَبي رَضِيتُ

قال: فلمح عليها شيئا خوفاً من وفاتها.

ونقلت منه أيضا: قال أبو المنجاب رأيت في الطواف، فتى نَحِيفَ الجسم، بَيَّن الضَّعْف، يَلُوذُ،

ويَتَعَوَّذُ، ويقول:

وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ الحبَّ يُجْمَعُ كُلُّهوَيُقْذفُ في قلبي وينغلق الصدرُ
فَلاَ يَنْقَضِي مافي فؤادي مِنْ الهوىومن فرحي بالحبِّ أو ينقضي العمرُ

فقلت له: يا فتى! أَمَا لهذه البنية حُرْمة تَمْنَعُكَ من هذا الكلام؟ قال: بَلَى. واللَّهِ، ولكنَّ الحبَّ مَلأ قَلْبي

بِبَراحِ التَّذكير، فَفَاضَت الفِكرة. وإني

لأدعو الله أن يثبته في قلبي، ويجعله ضجيعي في قبري. هذا

دعائي. وانصرف من جهتي.

وحكى عن قيس بن محمد العبدي، قال: إِني لَبالمزدلفة بين النائم واليقظان؛ إذْ سمعتُ صوتاً شجيا،

وبكاءً حزيناً، فاتَّبَعْتُ الصوت، فإذا بِجَارية كأنها قمر، ومعها عجوز فَلَطِئْتُ بالأرض أُلاَحِظُها من

حيث لاتراني، وأُمَتع عيني بحسنها، وهي تقول:

دَعوتكَ يَامَولايَ سِرّاً َوَ جَهْرةًدُعَاءَ ضَعيفِ القَلْبِ من محمل الذّنْبِ
بُلِيتُ بِقَاسِي القلبِ لا يَعْرفُ الهوَىوَأَقْتَل خَلْقِ اللَّه بِالعَاشق الصَّبِّ
فَإِنْ كنتَ لَمْ تَقْضِ المودة بيننافلاَ تُخْلِ مِنْ حُبِّ لَه أبداً قَلْبِي

قال: فقمت إليها، وقلت لها: بنفسي أَنْتِ مع هذا الوجه الحسن، يمتنع عليك ماتريدين؟ فقالت: نعم.

والله، وإنما يفعل ذلك تصبّراً وفي قلبه مني أكثر مما في قلبي منه. فقلت لها: كم ذا البكاء. قالت:

أبداً، لويصير الدمع دماً، وتنطفئ نفسي غمّاً. فقلت: إن هذه الليلة آخر ليلة من ليالي الحجّ. فلو سألت

الله ﵎ التوبة مما أنت فيه، والمغفرة لما سلف، رجوت أن يذهب الله حبّه من قلبك. قالت:

يا هذا؛ عَلَيْكَ بِنَفْسِك، في طلب رَغْبَتِك،

فإِني قدمت رغبتي إلى من ليس يجهل بغيتي، وحولت وجهها عني.

وحكى عبد الصمد بن علي الهاشمي قال: بينما أنا نائم في الحِجْر؛ إذ سمعت نشيجاً، وبكاء خفيَّا،

خلف ستر، وقائلا يقول:

عَفَا اللَُّّهُ عمَّن يَحْفظ العهد جَهْدَهُولا كان عفو اللَّه للنَّاقِضِ العَهْدِ
ضنيتُ وهاج الحزنُ والدَّمعُ سرهفغاضَ لهُ صَبْري وقاض له وَجْدِي

قال: فرفعت الستر؛ فإذا بامرأة مسفرة، كأنها فلقة قمر، أو شمس طالعة، تجلت عنها غمامة. فقلت:

يا هذه! لو سألت الله ﵎ الجنة مع هذا التضرع، والبكاء ما حرمك. وهذا وجهك الحسن،

لاتسترينه، فسترته، وقالت: سبحان من خلق فسوّى، ويعلم السر والنجوى. وأنا والله فقيرة إلى رحمة

ربي، والجمع بيني وبين حبي. وقد سألت الله كلا الأمرين، رجاء فضله، واتكالا على عفوه وطوله،

وولت عني، فراعني، والله، قولها حتى استعذت بالله من الشيطان الرجيم.

وحكى أبو الفرج عن أحمد بن عبد الله بن عيسى، قال: خَرجَ قومٌ من

أصحابنا إلى (الشام)، فبينما هم يسيرون في بعض الطريق، في يوم شديد الحر؛ إذْ رفع لهم قصر. فقال بعضهم لبعض: لو ملنا

إلى هذا القصر، فَقِلْنَا بِفنائه حتى يذهب الحرّ. فَمِلْنَا إليه. فبينما نحن كذلك؛ إِذ انْفَرَجَ لنا باب القصر

عن مثل الغزال المروع، فنظرنا فإذا جارية، كأنها قضيب بان في كثيب. فقالت: مِمَّن القوم؟ فرماها

كل واحد منَّا بحدقته. وقلنا أصاميم من هاهنا. فقالت: هل فيكم أحد من (مكة)؟ فقلت: نعم. أنا رجل

من (بني مخزوم)، من أهلها، وسكانها. فأنشأت تقول:

يَا مَنْ يُسَائلُ عنَّا أينَ مَنْزِلُنابِالأُقحوانة منا منزل قَمِنُ
إذْ نلبسُ العَيْش صفْواً مَا يكدرهطعن الوشاة ولاينبوبنا زَمَنُ
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
وإِنَّ ذا القصر حقّاً مَا به وَطَنيلكن مكة فيها الدارُ والوطن

ثم شهقت شهقة، فخرجت عجوز، فنضحت على وجهها الماء، وقالت: لك في كل يوم مثل هذا

مرات، والله للموت خير لك من الحياة على مثل هذا. فقلت للعجوز: ماقصة هذه الجارية؟ فقالت:

كانت، والله، لرجل من قريش، من أهل مكة فباعها، فهي لاتزال تحن إليه.

وحكي أن أبا بكر الصديق ﵁، مرّ بطريق في المدينة، فسمع

جارية تترنم، وتقول:

وَهَوِيته من قبل قطع تمائميمُتَماشياً مِثْلَ القَضيب الناعِم
وكأَنَّ نورَ البدرِ غُرّةُ وجههيَنْمي ويَصْعَد في ذؤابة هاشم

فدق عليها الباب، فخرجت فقال: وَيْلَكِ أَحُرّةٌ أم مَمْلوكة؟ قالت: يا خليفة رسول الله! مَمْلوكة. قال:

فَمَنْ هَويتِ؟ فبكَتْ، ثم قالت: يَا خليفة رسول الله! بِحقِّ القبر، إلا ما انصرَفْتَ عنِّي. قال: وَحَقهِ، لا

أرِيمُ أوْ تُعْلِميني، فبكَتْ وقالت:

وأنا التي لَعِبَ الغَرَامُ بقلبهافبَكَتْ لحبِّ محمد بن القاسِمِ

قال: ويلك ابْنِي أَرَدْتِ! فقالت: ومتى صرت هاشميا؟ قال. صدقت، والله. فصار إلى المسجد، وبعث

إلى مولاها، فاشتراها منه، وبعث بها إلى محمد بن القاسم ابن جعفر بن أبي طالب ﵃

وقال: هؤلاء، والله، فتن الرجال. وكم قد مات منهن من كريم، وعطف عليهن من سليم.

وحكى الضَّحاك قال: إِنِّي لَفِي الطَّواف، وقد مضى أكثر الليل، وإذا بامرأة كأنها الشمس طلعت، على

قضب غرس في كثيب، وهي تقول:

رأيتُ الهَوَى حُلْواً إِذاً اجْتَمَع الوَصْلُوَمُرّاً على الهجران لاَ بَلْ هُوَ القَتْلُ
وقَدْ ذُقْتُ طِيبَه على القُربِ والنَّوىفَأَبعَدُهُ وَجْدٌ وَأَقْرَبُهُ خَبْلُ

وحكى مهاجر بن قبيصة قال: أني لأسير بين (العلياء) و (جرش) أريد الحج؛ إذ سمعت نشيجاً من

هودج، فدنوتُ فإذا بصوت شجي، وكلام خفي وامرأة تقول:

وَمَا غابَ شخصهغير أنني ... رأيت النوى قذَّافةً بِالتصبُّرِ
فإِن تجمع اللَّهمَّ بيني وبينهُيَفُزْ بالهَوَى قَلبي ويفْرج منظرِي
فلا تُعْطِني في الحج يا ربِّ غيرهُفَحَسْبي به منْ كلِّ شيءٍ مُقَدَّرِ

فقلت لها: يا هذه! سألتِ اللَّه عظيما، ومتى عهدكِ به؟ قالت: كنت قائماً قبيل، فدخل عليَّ من باب

الهودج فَلَثم وجهي، فانتبهت للثم، وهو مختلط بقلبي، فقلتُ لها: فَبِالذي يجمع بينك وبينه، أَلاَ أَريتني

الموضع الذي لثمه، فرفعت السَّجْف وأشارت إلى خالٍ في خَدها. فما خلته إلاّ عقرباً لدغت فواد.

فقلت لها جُعِلْتُ فداكِ! وقد جعلت ذلك وقفاً عليه، قالت: نعم، واللَّهِ إلى يوم التنادي.

وحكى أبو الفرج. قال: كان لفتًى من التجار جارية من أجمل الناس، وكان معجباً بها، فأنفق عليها

مَالَه كله، حتى قلّت ذات يده، وضعف حاله، فذكرت له ذلك ذات يوم، فقال: مابلغني قطُّ شيء إلا

والذي صرت إليه أعظم. فقالت: هل لك في خير عوض، قال وماذاك؟ قالت: تبيعني، وتنتفع بثمني؛

فإن أصبت خيراً، وصلتك وإن تكن الأخرى، فقد أصبت مني عوضاً. قال: فعرضها على عبد الله بن

جعفر، فلما نظر إليها، أعجب بها، فقال: بكم هي؟ فقال: ما أدري؟ ولكن اَعْطِ فيها ما شئت. فأعطاه

مائة ألف درهم. فلما أخذ المال، نظر إلى الجارية، وجعل يقول:

وَلَوْلاَ قُعُودُ الدَّهرِ بي عنك لَمْ يكُنْيُفَرِّقُنَا شيءٌ سِوى الموت فَاعْذُرِي
عَليكِ سَلاَمُ اللَّه لاَوَصل بَيْنَنَاوَلاَ زَوْرَ إِلاَّ أَنْ يشاءَ ابنُ جَعْفَرِ

فلما سمع عبد الله بن جعفر قوله، رق له، وقال: يا فتى! هي لك والمال، بارك الله لك فيهما. فانطلق

الفتى بالجارية والمال.

وحكى أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، قال: كان بالكوفة رجل يدعى ليث بن زياد، وكانت له

جارية، قَدْرَبَّاها، وأحسن أدبها، فخرجت فائقة في كل فن، مع كمال الجمال، فبقى معها مدة طويلة،

حتى ضعفت حاله، وقلّ ما بيده، فتبينت الجارية منه الاقلال. فقالت: يا مولاي! لو بعتني، كان أصلح

لك مما أراك فيه؛ وإن كنت أظن أني لا أصبر عنكَ. فَقَصَد رجلاً من النهيكيين يعرفها، ويعرف

فضلها، وباعها منه بمائة ألف درهم. فلما قبض المال، ووجه بها إلى النهيكي جزع عليها جزعاً

شديداً، فلما استقرت الجارية عند النهيكي

نزل بها من الوجد بمولاها، مالم تستطع دفعه ولا كتمانه، فباحت به، وأنشأت تقول:

أَتاني الَبَلاَ حَقّاً فَمَا أَنَا صَانِعُأَمُصْطَبِرٌ لِلْبَيْنِ أَمْ أَنَا جَازِعُ
كَفَى حَزَناً أنِّي عَلَى حَرِّ جَمْرَةٍآُقَاسِي نُجُومَ اللَّيْلِ وَالقَلْبُ نَازِعُ
فَإِنْ تَمْنَعُوني أَنْ أَمُوتَ بِحُبِّهفَإِنِّي قَتِيلٌ، وَالعُيُونُ هَوَامِعُ

فلما سمع النهيكي شعرها دعابها، وأرادها، فامتنعت منه، وقالت له: ياسيدي إنك لاتنتفع بي. فقال

لها: ولمَ ذلك؟ قالت: لما بي. فقال: وما بك، صفيه لي. قالت أجد في كبدي نيراناً تتوقد، لايقدر على

إطفائها أحدٌ. فلا تسأل عما وراء ذلك. فرحمها ورقّ لها، وبعث بها إلى مولاها، وسأله عن خبره،

فوجد عنده مثل الذي عندها، فرد عليه الجارية، ووهب له من ثمنها خمسين ألفاً، ولم تزل عنده حتى

مات.

وحكى محمد بن عبيد، قال: كانت عندي جارية، وكنتُ أُحِبُّها فَبِعْتُها، فَتَبِعَتْهَا نَفْسِي، فصرت إلى

مولاها مع جماعة من إِخوانه، فسألته أن يُنيلَني، وأزيده خمسين ديناراً، فأبى عليّ، فانصرفت من

عنده، وفي قَلْبِي منها مَا لاَ أقدر أَنْ أَصِفه، فَرُمْتُ الصَّبْرَ، فَلَمْ أَقْدِرْ عليه، فبت ساهراً لا أدري ما

أَصْطَنع؟ فلما اشتدَّ ما بي من الجهد، وكتبت اسمها في يدي، واستقبلت القبلة، فكلَّما طرقني طارق من

ذكرها، رفعت يديَّ إلي السماء وقلت: يا مولاي! هذه قصتي. فلما كان في السحر من اليوم الثاني، إذا

برجل يضرب عليَّ الباب، فقلت: مَنْ هذا؟ فقال: أنا مولى الجارية، فخرجت إليه. فقال لي: خذ

الجارية، بارك الله لك

فيها. فقلت له: خذ دنانيرك والرِّبح. فقال: ما كنتُ لآخذ ديناراً ولا درهماً،

فقلت: ولم ذلك؟ قال: لأني أتاني البارحة آتٍ في منامي. فقال لي: ردَّ الجارية على ابن عبيد، ولك

على اللَّه الجنَّة، قال ابن عبيد: فأنشدته عند ذلك:

لَوْ تَرَاني وقَد هَدَتْ كلُّ عَيْنوَدُمْوعي تجري على الخدَّين
ربِّ ياسيدي بِفَضْلكَ والقُدْرَة يَسِّرْ وِصَالَ قُرَّة عَيْني

وحكى أبو الفرج، قال:

كان للحسن بن رجاء جارية رائعة الجمال، فائقة الكمال، فعلم بها المعتز باللَّه، فأخذها منه، وكان

الحسن يحبها حبّاً شديداً وتحبه، فشرب معها المعتز ذات ليلة، فسكر قبلها، وبقيت وحدها جالسة، ولم

تبرح من المجلس هيبة منه، فتذكرت ما كانت فيه، فأخذت العود، وغنت عليه، بصوت حزين، عن

قلب قريح:

لاَ كانَ يَومُ الفراق يوماًلم يُبْقِ للمقلتين نَوْمَا
للشاعر جارية الحسن بن رجاء، اقرأ القصيدة
شَتَّتَ مني ومنك شَملاًفَسَرَّ قَوماً وسَاءَ قَوْمَا
للشاعر جارية الحسن بن رجاء، اقرأ القصيدة
يا قومِ مالي ووجد قلبيَسُومُنِي في العذاب سَوْمَا
مَالاَمَني النَّاسُ فيه إِلاّبَكِيتُ كَيما أُزَادَ لَوْمَا

فلما فرغت من صوتها، رفع المعتز رأسه إليها، والدمع يتحدّر على خدّها، كالفريد انقطع سِلكه،

فسألها عن الخبر، وحلفها أن يُبلغها أملها، فأعلمته الخبر، فردها إلى الحسن، وأحسن إليه، وألحقه في

ندمائه.

وحكى حماد بن إسحاق الموصلي، عن ابراهيم ابن المهدي، أنه قال: حججت مرة مع الرشيد، فبينما

نحن في الطريق، وقد انفردت وحدي، وأنا أسير على دابتي، إذ غلبتني عيناي، فخرجت بي الدابة

عن الطريق، فانتبهت بعد حين، وأنا على غير الجادة. واشتد عليَّ الحر، وعطشت عطشا شديداً،

فبعد ذلك ارتفع لي خيال، فعمدت إليه، فإذا بقبة، وتحتها بئر، وذلك بين (مكة) و (المدينة)، ولم أربها

انسانا، فاطلعت في القبة؛ فإذا أنا بأسود نائم، فلما أحسّ بي، فتح عينيه واستوى جالساً، فرأيت أسود

عظيم الصورة، راعتني هيئته. فقلت يا أسود! اسقني من هذا الماء. فال: يا أسود! اسقني من هذا

الماء، محاكيا لي. وقال: ان كنت عطشان، فانزل فاشرب. وكان تحتي برذونٌ خبيث، نفور، فخشيت

أن أنزل عليه، فينفر، فضربت رأسه، وما نفعني الغناء قط، أكثر مما نفعني ذلك اليوم، وذلك أني

رفعت صوتي، وغنيت:

كفنوني إِنْ مِتُّ في دِرْعٍ أَرْوَىواستقوالي مِنْ بِئْر عروةَ مَائي
فَلَها مربع بجنب أجاجوصيف بالقَصر قَصر قُبَاءِ
سُخنة في الشتاء بَاردة في الصْصَيْف بَدْرٌ في الليْلة الظلماءِ

فرفع الأسود رأسه، وقال: أَيُّمَا أَحَبُّ اليك، أسقيك ماء وحده، أو مَاءً وَسَوِيقا؟ قلت: الماء والسَّوِيق،

فاخرج قَعْساً له، فصب السَّوِيق في القدح، وسقاني، وأقبل يضرب بيديه على رأسه، وصدره،

ويقول: واحَرَّ صَدْرَاه! وَانَارَاه! اللهب في فؤاداه. يا مولاي! زدني. وأنا أزيده، وأشرب السَّويق. ثم

قال لي: يامولاي! إِنَّ بَيْنَك، وبين الطّريق أميالاً، ولستُ أَشُكّ أنك تَعْطَش، ولكن أملأ قربتي هذه،

وأحملها قدامك. فقلت: افعل. فملأ قربته، ورفعها الي، وصار قدامي يمشي، وهو يَخْجَلُ في مِشْيته،

غير خارج عن الايقاع. فإذا أمسكت لأستريح، أقبل علي فيقول: يامولاي! أَعَطِشتَ؟

فأغنيه، حتى أوقفني على الجادة، ثم قال لي: سِرْ رَعَاكَ اللَّه، ولا سَلَبك، فأكساك من هذه النِّعم، بكلام

أعجمي معناه هذا الدعاء. فلحقت بالرفقة، والرشيد قد بثَّ الخيل يطلبونني، حين فقدني. فَبُشِّر بي

حين رأوني؛ فلما أتيته، قَصَصْتُ عليه القِصَّة، فقال: عليّ بالأسود. فما كان إلاّ هنيهة، حتَّ مَثُلَ بين

يديه، فقال له: وَيْلَكَ، ما حَزَّ في صدرك؟ فقال: يا مولاي مَيْمُونه. قال: ومن ميمونه؟ قال: بنت

حبشية. قال: ومن حبشية؟ قال: بنت بلال. فأمر من يستفهمه؛ فإذا الأسود، عبد لبني جعفر الطيار

وإذا السوداء التي يهواها، لقوم من بني الحسن بن علي رضوان الله عليهم. فأمر الرشيد عند ذلك

بابتياعها له؛ فأبى مواليها أن يقبلوا ثمنا، ووهبوها للرشيد فاشترى الأسود، وأعتقه، وزوّجه منها،

ووهب له من ماله (بالمدينة) حديقتين، وثلاث مائة دينار.

وحكى أبو الفرج عن حماد الراوية، قال: خرجت في بعض الطرق، أريد (البصرة)؛ فبينما أسير، إذ

لقيت غلاماً يرعى إبلاً، وهو يتغنّى ويقول:

أَلاَ لِلَّهِ قَلبي كَيْفَ يَصْبُوبِخَودٍ لاتريدُ له ثَوَابا
أُحِبُّ وَمَا أُحِبُّ سِوَى كريمٍلَهُ أصْلاَن قَدْ فَرعا وَطَابا
وقَدْ زَعَمَتْ لُبَانة أَنَّ رأسيتَغَيّر لَوْنُه مِنْه وَشَابَا
لُبَانَةُ هَجْرُكُمْ أَبْلَى فؤاديوَمن يَبْلُ الهوى فقد اسْتَرابَا

قال: فوقفت عليه، وقلت: أَعِدْ عليّ ما قلت. فقال امض راشداً، واستعذ بالله. فقلت: وممّ استعيذ.

قال: مِنْ هَجْرِ محبوب، أو قِلَّة نَصِيب. قلت: ويحك! وَإِنك لَتَعشق. فقال: أَهْلُ العِشق كِرَام، وأهلُ

السُّلُوّ لِئَام. قلت: فلمن هذا الشعر؟ فقال: هو لي. قلت: فمن لُبَانة؟ قال: جارية لبعض أهلي، كلفت بها

زمناً، وأخذت منها أماناً. فأبى المقدار؛ وشط المزار، وتباعد الجوار. ياشيخ! هل لك في القِرى. قلت:

نعم، على اسم الله ﷿. فأتاني بِوَطْبِ فيه لبن، فشربت منه، وترنمت وقلت:

وإني لأهواها وأهوى لقاءَهاكما يشتهي الصادي الشرابَ المُبردَا
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «وإني لأهواها وأهوى لقاءها»
عَلاقَةُ حبِّ لجَّ في سَنَنِ الصّبافَأُبْلَى وما يزداد إلاَّ تَجَدُّدَا
اذا أنت لم تعشق ولَم تَدْر ما الهوىفَكُنْ حَجَراً مِنْ يَابس الصَّخْرِ جَلْمَدَا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا»

قال فبكى ثم قال:

وَلَوْ أَنَّ مَابِي بِالحَصَى فَلَقَ الحَصَىوبالرِّيحِ لَمْ يُسْمَعْ لَهنَّ هُبُوبُ
وَلَوْ أَنّنى أَسْتَغْفِر اللَّهَ كُلَّماذَكَرْتُكِ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيَّ ذُنُوبُ
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أمنك أميم الدار غيرها البلى»

قال: فوعدته، ثم انصرفت عنه.

وحكى أبو بكر الصولي، قال: رأيتُ رجلا من أهل الأدب، قد ذهل

عقله، وتبيَّن فكره، فاستوقفته، وقلت: يا فلان! ماحالك؟ وأين النعمة؟ فقال: تغيّر قلبي، فتغيرت النعمة. فقلت: بِمَ تغَيّر؟

قال: بِالحُبِّ، ثم بكى، وأنشأ يقول:

إنَّ التجمُّلَ شيءٌ لستُ أحسنُهوكيفَ أُخفي الهوى والدَّمْعُ يُعْلِنُهُ
أَمْ كيفَ صبرُ مُحِبٍّ قَلْبُه وَجِلُالهَجْرُ يُنْحِلُهُ والشوقُ يُحزنُهُ
أَمْ كيفَ يَنْسى الهَوى مَنْ أَنْتَ هِمَّتُهوفترةُ اللَّحظِ مِنْ عينيك تَفْتِنُهُ

فقلتُ: واللهِ لقد أحسنت. فقال: قِفْ قليلا حتى أسمعك. فوقفت فقال:

خَلِّ دَمْع العَيْنِ يَنْهَمِلإنَّ مَنْ تَهْوَاهُمُ وَارتَحَلُوا
كُلُّ دَمعٍٍ صانه كَلفٌفَهْوَ يوم البَيْن مُنْهَملُ

ثم تركني، ومضى لشأنه.

وحكى بعض الرواة، عن علي بن الجهم، قال:

كانت ماردة، جارية للرشيد، وكان بها مولعاً، فغاظته ذات يوم، فانقطعا

عن الكلام مدة، فتكبّرت على الرشيد أن ترجع إليه بدلالة الحبّ. وتكبّر الرشيد عليها بعِزَّة الملك. فكتبت إلى عنان، جارية

الناطفي، تستشيرها في ابتداء الصلح، فكتبت عنان إليها:

الحُبُّ أَرْزَاقٌ ولكنماللحبِّ أسبابٌ تُقوِّيهِ
فساعدي مولاكِ في كُلِّ مَايَطلبُه منك ويُرضِيهِ
لاتستزيديه النوى كارهاًلكن بما يهوى استزيديهِ
فانما يرعى الهوى بالهوىوليس يرعى الحب بالتيهِ

فلما قرأت الأبيات عَلِمْت أنها قد نصحتها، فتزينت أحسنَ زينة، ثم جاءت إلى الرشيد، فَأَكبَّتْ عليه،

فقال لها: كَيْفَ كَانَ هَذاَ؟ وماَ حَمَلك على ما فعلت الآن؟ فأخبرته الخبر، فضحك وأمر لعنان بجائزة

سنية، وأمرت لها هي بمثلها.

وحكى علي بن الجهم أيضا، قال: كان للمتوكل جارية تدعى محبوبة، وكانت في نهاية من الظرف،

والأدب، والحسن، والجمال. فكان المتوكل معجبابها؛ فغضب عليها لسبب اتفق بينهما، ومنع جواري

القصر من كلامها. فبقيت في حجرتها لايكلمها أحدٌ أياما. فرأته ليلة من الليالي، كأنه قد

صالحها. فلمَّا أَصْبح دخَلَت عليه. فقال لي: يا عليّ. قلتُ: لبَّيك وَسَعْدَيْك يا أمير المومنين، قال: أَعَلِمْتَ أَنِّي رأيتُ

محبوبة في منامي، وكأنِّي قد صالحتُها وصالحتني. فقلتُ: إذاً يَقَرُّ اللَّهُ عينك ويسرك، فبينما نحن في

ذلك من حديثها؟ إذ جاءت وصيفة له فقالت: يا مولاي. سمعت صوت عود عند محبوبة. فقام المتوكل

ودخل عليها وهي تضرب عودها وتقول:

أَدُورُ في القَصْر لاَ أَرى أحداًأَشْكُو إليه ولا يُكَلِّمُني
للشاعر محبوبة جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
حتَّى كأَنِّي أَتَيتُ مَعْصيةًلَيْسَتْ لها توبةٌ تُخَلِّصُني
فَهَلْ شفيعٌ لنا إلى ملكقد زارني في الكَرى فَصَالحني
حَتَّى إذا ما الصَّباحُ لاحَ لَنَاعادَ إلى هَجْرهِ فصَارَ مَنِي
للشاعر محبوبة جارية المتوكل، اقرأ القصيدة

قال: فلما رأت أمير المومنين أَكَبَّتْ على رجليه تقبلهما. فقال لها: ما هذا؟ قالت له: يامولاي رأيتك

البارحة في منامي، كأنك قد صالحتني. فقال لها: وأنا - والله - رأيتك في ليلتي هذه، كأنك قد

صالحتني. فردها إلى مرتبتها، كأحسن ما كانت.

وحكى بعض الرواة، قال: كان لهارون الواثق جارية؛ كان يحبها حبّاً شديداً. فوقع بينه، وبينها عتاب

ذات ليلة. فقالت له: يامولاي! إنْ كنت تستطيل عَلَيَّ بِعِزُّ الخلافة، ونَخْوَةِ المُلك، فإِني استطيل عليك،

بِدَلاَلَةِ الحبِّ،

وسُلطَان الهوى. أَتَراكَ لم تسمع قط بخليفةٍ قبلك، عَشِقَ فَذَلَّ لمعشوقته، واستوفت منه

حقَّها كاملا. ولكن يامولاي، ما أرى لك نظيراً في طاعتك ومحبتك. فقال الواثق عند ذلك: لله درّ

العباس بن الأحنف حيث يقول:

أَمَا تَحْسَبِينِي أَرى العاشقينقليلا ولَسْتُ أَرَى لي نَظِيرَا
لَعَلَّ الذي بِِيَدَيْهِ القُلُوبُسَيجْعَلُ في الصبرِ خيراً كثيراً

وقرأت في (النوادر) لأبي علي، عن معاوية بن صدقة الجَحْدَري قال: كان رجل من مجاشع، يقال

له سعد بن مطرف، يهوى ابنة عم له، يقال لها سعاد. فكان ياتيها، ويتحدث إليها، ولا يعلمها بما هو

عليه من حبها، حتى سلّ جسمه، ونحل بدنه. فبينما هو ذات يوم معها جالس؛ إذ نظر إليها، وجعل

يقول:

وَمَا عَرَضَتْ لي نظرةٌ مُذْ عَرَفْتُهَافَأَنْظُرُ إِلاَّ مُثِّلَتْ حيثُ أَنْظُرُ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «هجرت الندامى خشية السكر إنما»
أَغَارُ علَى طَرْفي لها فكأننيإِذَا رَامَ طَرْفي غَيْرَهَا لستُ أُبْصِرُ
وأحذر أنْ يطغى إِذَا بُحْتُ بالهَوىفأَكْتُمُهَا جَهْدِي هَوَايَ وأستُرُ

فلما سمعت ذلك، ساءها، وكرهت أن ينتشر خبرها، فأَقْصَتهُ، وأظهرت هجره، فكتب إليها:

مِتُّ شَوْقاً وكدتُ أَهْلِكُ وَجْدَايومَ أَبْدَى الحبيبُ هجْراً وَصَدَّا
بِأِبِي مَنْ إِذا دَنَوْتُ إِليهِزَادَني القربُ منه نأياً وبُعْدا
لاَ وَحُبِّيهِ لاَ وَحَقِّ هَوَاهُمَا تَنَاسَيْتُهُ ولاَ خُنْتُ عَهْدا
حَاشَ لِلَّه أَنْ أَكون خَليَّاًمِنْ هَوَاهُ وقد تقطعتُ وَجْدَا
كَيفَ لاكيفَ عن هَوَاهُ سُلُوّيوهو شمسُ الضحى إذا ما تبدَّى

فكانت تحبّ مواصلته، وتشفق من الفضيحة، فتظهر هجره، وتبعده. فلم يزل عليل القلب والبدن.

قوله: (ولا خنت عهدا)، أصل العهد: العقد الذي يوثق به. يقال عهد عهداً. وأهل العهد، هم

المعاهدون؛ ومنه المعاهدة. والإعتهاد مثل التعاهد. ومنه قول الطرماح:

ويطيع الذي قد أوجبه اللهـ عَلَيْهِ فليس يَعْتَهِدُهُ

وَسُمِّيَ الذِّمِّى مُعَاهِداً، لأنه عَاهَدَ، وبَايعَ على ما هو عليه، من إعطاء الجزية. فإذا أسلم، ذهب عنه

اسم المُعَاهِد. وعَهِيدُك: الذي تُعاهده ويُعَاهِدك. وقال الشاعر، هو نَصْر بن سيار:

فَللَتُّرْكُ أوْفَى من نزارٍ بِعَهْدِهَاوَلاَ يَأْمَنَنَّ العَهْدَ يَوماً عهيدهَا

والعهد: الوصية.

قال صاحب العين: عَهِدَ يَعْهَدُ عَهْداً. وهو من الوصية، والتقدم إلى صاحبك، ومن ذلك اشتق العهدُ

الذي يكتب للولاة من الوصية والتقدم إليه، ويجمع على العُهُودِ، والعَهْدُ: الالتقاء والإلمام. يقال: مالي

بفلان عَهْد، وإِنّى

لقريبُ العَهْد به، وبعيد العَهْد به، أي: الالتقاء. والعَهْدُ: المنزل الذي لايزال القوم إذا

انتأوا عنه، رجعوا إليه. قال رؤبة:

هَلْ تَعْرِفُ العَهْدَ المُحِيلَ أَرْسُمُهْعَفَتْ عَوَافِيهِ وَطَالَ قِدَمُهْ

والمَعْهَدُ: الموضع الذي تعهد به شيئا. والجمع المعَاهِد.

قال النابغة:

أهاجَكَ من سُعْدَاك مغنى المعاهد

وقال أبو تمام:

قِفُوا جَدِّدُوا من عَهْدِكم بالمعاهدوَإنْ هِيَ لم تَسْمَعْ لِنِشْدَانِ نَاشِدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد»

والعَهْدُ: الأمان. قال الله تعالى (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).

هذا في بعض الأقوال. وقيل: العَهْدُ في الآية: معناه النبوّة، وقيل الامامة. وقيل: الأَمْر بالوَفَاء للِظَّالم

فيما عَقَدَه من ظلمه.

وقال الحسن: ليس لهم عند الله عَهْدٌ يعطيهم عليه خيراً في الآخرة؛ فأما في الدنيا، فقد يعاهدون،

فيوفى لهم. فكانه على هذا التأويل طاعة، يحتسب بها في الآخرة ويجوز في هذا الحرف في العربية

الرفع لافي القراءة، لأنه في المصحف الظالمين بياء.

قال يحي بن زياد الفراء: لأنَّ مَا نَالك، فقد نِلْته. وتقول: نَالَنِي خيرك، ونِلْتُ خيرك.

وقرأ أُبَيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود برفع الظالمين، ونصب العهد. والعَهْدُ: اليمين. ومنه قولهم:

علَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وميثاقه

والعَهْدُ: المَطَر، وهو الذي يردِفُ الوَسْمِيّ. وكُلُّ مَطَر يكون بعد مَطَر؟ فهو عَهْد. والجميع عِهَاد،

ومنه قول الشاعر:

هَراقَتْ نُجومُ الصَّيفِ فيها سِجَالَهاعِهاداً بِنَجْمِ المَرْبَعِ المتَقَدِّمِ

وقال أبو بكر بن دريد: العِهْدَةُ والعَهْدَةُ: مطر السنة، والجمع عِهَادٌ وعُهُود. قال الشاعر:

أَميرٌ عَمَّ بِالمعْروفِ حَتَّىكأَنَّ الأَرْضَ أَسْقَاهَا العِهَادَا

وقال الآخر:

مُستنيرٌ كالبَدْرِ عام العُهُودِ

ويقال: عُهِدَت الروضة فهي مَعْهُود: إذا أصابَهَا عِهَادٌ من المطر. ومنه قول أبي تمام الطائي:

سَقَى عَهْدَ الحِمَى صَوْبُ العِهَادِوَرَوَّضَ حَاضِرٌ مِنْهُ وَبَادِ

ويُروى (سبل العهاد). وقال أبو النجم:

تَرْعَى السَّحابَ العَهْدَ وَالفتوحا

والفُتُوحُ هنا مَطَرٌ بعد مطر. والعُهْدَةُ: كتاب الشراء والجميع العُهَد. وإذا كان في الشيء فساد قيل:

إنّ فيه العُهْدَة. وهذا كله عن أهل اللغة. فأمّا قول أبي تمام الطائي:

لَيَالِينَا بالرّقْمَتَيْنِ وأَهْلَِهَاسَقَى العَهْدَ مِنكِ العهدُ والعهُد والعَهْدُ

فالعَهْد الأول، وهو الوقت الذي عَهِدَ هابه قبل فرقتها. والعَهْدُ المتكرر، هو المطر، وقد بينه بقوله في

البيت الثاني:

سَحَابٌ متى تسحب على النّبت ذيلهافَلاَ رجل ينبو عليه ولاجعدُ

هذا قول أبي بكر الصولي. قال: والعَهْدُ: المِلْحُ. تقول منه: مِلْحُ فلان على ركبته؛ يراد به أن عهده

غير محفوظ عنده؛ إنما هو مُضَيَّع. ومنه قول مسكين الدارمي:

لاَ تَلُمْها إِنها من نِسْوَةِمِلْحُها موضوعة فوْق الرُّكَبْ
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «أنا مسكين لمن يعرفني»

وإنما قال موضوعة؛ لأن الملح يذكر ويؤنث.

وأصل الباب كله: العَهْد الذي هو العَقْد؛ وإنما قيل لمطر السنة عَهْد؛ لأنه ينعقد به النبات.

وعَهِدْتُ فلا نا بمكان كذا وكذا، وأحدثت به عَهْداً. وأصله العقد على الالتقاء، والالمام. ثم كثر حتى

سمى نفس الالمام عهداً. والعَهْد، والعَقْد، والأَمْر، نظائر في اللغة. وعَهْدُ الوالي معروف. والفرق بين

العَهْد، والأمر، أن الأمر له صيغة متميزة من صيغة الخبر، وغيره من أنواع الكلام، وليس كذلك

العهد. وقد اختلف في العَهْد، إذا أقسم به.

فقالت طائفة من الفقهاء: كفارة يمين. وقالت طائفة: لاكفّارة

فيه. وقد أكد الله سبحانه أمر العهد في كتابه العزيز (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا)، وكل عَهْدِ يحسن فعله، فلا ينبغي حله. وإذا

عاهد الإنسان على معصية، فحلُّ ذلك العَهْدِ واجبٌ عليه. واليمين على المعصيّة، سبيلها كسبيل العهد

على المعصية.

وقد جاء عن النبي ﵇: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليات الذي هو خير

وليكفر عن يمينه". وقد بسطنا القول في هذا اللفظ، وفي غيره؛ إذا عرض لنا؛ ليقف على ذلك كله

أهل المعرفة، والفهم؛ فتتحصل لهم جمل من أنواع العلم، ممّا تشتد حوائجهم إليه، وتعظم لهم الفوائد،

والانتفاع

به، عند وقوفهم عليه. والله الموفق للصواب، وعنده حسن الثواب.

وقوله في البيت الرابع من القطعة: (وقد تقَّطعت وَجْدا). التَّقْطِيعُ، مَغَصٌ يجده الإنسان في أمعائه.

والتَّقْطِيعُ أيضا القَدُّ. يقال: هذا شيء حسن التقطيع أي القد، ويقال: قطع فلان على فلان تقطيعاً؛ إذَا

لونه عليه. والفرق بين قطَّع بالتشديد، وقَطَعَ بالتخفيف، أن التشديد في الكثرة والمبالغة، والتخفيف

فيما قلّ. ويقال: هذا الثوب يَقْطَعُك إِقْطَاعاً، ويُقَطَّعُ لك تقطيعاً؛ اذا صلح عليك قميصاً ونحوه.

ويقال: قطَّعَهم الله أحزاباً، فتَقَطَّعوا. قال الله سبحانه: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا).

ويقال للفرس الجواد: انه لَيَقْطَعُ الخيل؛ وذلك اذا خلفها ومضى. قال:

يُقَطِّعُهُنَّ بِتَقْرِيبِهِوَيَأْوِي إلى حُضُرٍ مُلْهِبِ
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»

ويقال للأرنب السريعة الشديدة: مُقَطَّعَةُ النياط. والنِّياط: المَفَازَة. وقيل عرق في البطن. والباب

متسع، واللفظ مشترك.

رجع

قال: وكان للمأمون جارية، كان يحبها حبّاً شديداً. فعتب عليها في شيء، وقع بينهما، فأعرض عنها،

وأعرضت عنه؛ ثم أسلمه العزاء، وأقلقه الشوق، فأرسل إليها يطلب مراجعتها، فأبطأ الرسول عنه،

ثم رجع إليه، فقال المأمون:

بَعَثْتُكَ مرتاداً فَفُزْتَ بنظرةوأغفلتَني حتى أسأتُ بكَ الظَّنَّا
للشاعر المأمون، اقرأ القصيدة
ونَاجيتَ مَن أهوى وأنت مقرّبفيا ليتَ شِعْري عَنْ دنوك مَا أَغْنَى
ونزهت عيناً في محاسن وجههاوَمَتَّعت باستظراف نغمتها أُذْنا
أرى أثراً منها بعينك لم يكُنْلقد سَرَقَتْ عيناك من عينها حُسْنَا

ثم إن المأمون أقبل مسترخيا لها؛ فسلَّم عليها فلم ترد عليه، وكلمها فلم تجبه، فأنشأ يقول:

أَجيبي ليس يُوجعُكِ الكلامُولا يُؤْذي محاسنَك السَّلامُ
أنا المامون والملِك الهُمامولكني بحُبّكِ مُسْتَهَامُ
للشاعر المأمون، اقرأ القصيدة
يَخف عليكِ ألاَّ تقتلينيفيبقَى الناسُ ليس لَهُمْ إِمام

وحكى أبو نواس، قال: وقع بين الرشيد، وجارية له، هجر فاعتراها صلف الحسن. واعترى هارون

تيه الخلافة، والأمر والنهي، ونخوة السلطان. فلا هي تبدأه بالكلام، ولا هو يبدأها. فوقع هارون من

سببها في أمر عظيم. فدعا بدعبل الخزاعي الشاعر، فقص عليه الخبر، فقال: أنا أردّها عليك، يا

أمير المومنين. فكتب إليها دعبل:

أَين الشَّبَابُ وَأَيةً سلكاضَحِكَ المَشْيبُ برأسِهِ فَبَكَى
لاتَعْجَبِي يَا سَلْمُ مِنْ رَجُلوَجَدَ السَّبِيلَ اليه مُشْتَرَكا
قًصر الملامة في هَوَى رَشأٍبَلْ أَيْنَ يُوجَدُ كلُّ مَنْ هَلَكَا
يا ليت شعري كيف نومُكُمايا صاحبيّ اذا دَمِي سُفِكَا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أين الشباب وأية سلكا»
لاتأخذي بظلامتي أحداًقلبي وطرفي في دمي اشتركا

وبعث بالرقعة اليها؛ فلما قرأتها الجارية، وقّعتْ في أسفلها: تعزز علينا بأبهة السلطان، وتكبرّنا عليه

بتيه الحسن؛ فلينظر أينا أشد عذابا وأبقى.

فلما نظر هارون إلى الرقعة، قال: أراجعها - والله - على رغم أنفي، لأن عذابها أشدّ من عذابي.

وحكى إسحاق بن ابراهيم الموصلي، قال: بعث إلي الرشيد ذات

ليلة؛ فأتيته متخوفا. فأجلسني وانّسني. فبينما أنا قاعد معه؛ إذ جاءت جارية كأنها لؤلؤة، فأقعدها في حجره، ثم قبلها،

وقال: يا إسحاق! غني. فأخذت العود، وغنيت:

جِئْنَ من الرُّومِ فياَ حبّذايَرْفُلْنَ في المِرْطِ ولينِ المَلاَ
مقرْطَقَاتٍ في صُنُوف الحُلىيا حبّذ البيضُ بتلك الحُلا

قال: فتبسمت الجارية، ودعا برطل فشرب، وسقاها، وسقاني. وقال لي: أعد. ثم دعا برطل،

فشرب، وسقاها وسقاني. وقال: عَلَيَّ بفلانة، وفلانة، جاريتين من جواريه، فمثلتا بين يديه؛ فأقعد

الواحدة عن يمينه، والأخرى عن شماله، وأمرّ يده عليهما، وقال. أَرْوِعْنِي يااسحاق! قلت: قُلْ: أيها

الأمير، فأنشد:

مَلَكَ الثَّلاثُ الآنساتُ عنانيوَحَلَلْنَ مِنْ قلبي بكل مكان
للشاعر العباس بن الأحنف، اقرأ القصيدة
مَالِي تُطَاوِعُنِي البريَّةُ كُلُّهاوأُطيعهنَّ وهنَّ في عِصْياني
ماذاكَ إِلاَّ أَنَّ سُلْطَانَ الهوىوبِهِ قَوِينَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِي

ثم أمر لي بخمسين ألف درهم، وأمرني بالإنصراف فانصرفت. وفي جواريه الثلاث يقول هارون أيضا:

ثلاث قَدْ حَلَلْنَ حِمَى فؤاديوَأُعْطِينَ الرَّغَائِبَ من فؤادي
للشاعر هارون الرشيد، اقرأ القصيدة
نَظَمْتُ قُلُوبَهُنَّ بِخَيْطِ قلبيفَهُنَّ قَرَابَتِي حَتَّى التَّنَادِي
فَمَنْ يَكُ حَلَّ من قلبي مَحَلاَفَهّنَّ مَعَ النَّواظِرِ في السَّوَادِ

قال أبو إسحاق:

وذكرت بهذه الحكاية، حكاية سلكت في الظرف سبيلها؛ ومزجت بالرقة معناها، وتأويلها؛ فأنار

صبحها، وفاز قِدحها. وهي أن المستعين سليمان بن الحكم، أحد خلفاء بني أمية، كان في مدته

(بقرطبة) أمّن الله أرجاءها، وأخصب أفناءها، كلفا بثلاث جوار، كنّ نهاية في الجمال، والحسن

والدلال. فجلس يوم أنس، فدعا الواحدة، فأقعدها في حجره، والثانية عن يمينه، والثالثة عن شماله.

وأنشأ يقول:

عجباً يَهَابُ اللَّيْثُ حَدَّ سِنَانِيوَأَهَابُ لَحْظَ فَوَاتِرِ الأَجْفَانِ
وأقَارعُ الأَهْوَالَ لامُتَهَيِّباًمنها سِوَى الإِعْرَاضِ والهِجْران
وَتَمَلَّكَتْ نفسي ثَلاَثٌ كَالدُّمَىزُهْرُ الوُجُوهِ نَواَعِمُ الأَبْدَانِ
كَكَوَاكِبِ الظُّلْمَاءِ لُحْنَ لِنَاظِرِمِنْ فَوْقِ أغصانٍ عَلَى كُثْبان
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ما لي على شرفي ورفعة شاني»
هذي الهلالُ وتلك بنتُ المشْتَريحُسْناً وهذي أخْتُ غُصْنِ البَانِ
حاكمتُ فيهنَّ السُّلُوَّ إلى الهوىفَقَضَى بسلطانٍ على سُلطاني
فأَبَحْنَ من قلبي الحِمَى وتَركننيفي عِز مُلْكي كالأسير العَانِي
مَا ضَرَّ أَني عَبْدهنَّ صبابةوبَنُو الزَّمانِ وهُنَّ مِنْ عُبْدَاني
إنْ لَمْ أُطِعْ فيهنَّ سُلْطَانَ الهَوىكَلَفاً بهنَّ فَلستُ مِنْ مَرْوَانِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ما لي على شرفي ورفعة شاني»
لاتعْذِلُوا ملكاً تَذَلَّلَ في الهوىذُلُّ الهَوَى عِزٌّ ومُلْكٌ ثاني
وإِذا الحبيبُ أَحَبَّ أَمنَ إِلْفهخَطَب القِلى وحوادث السُّلْوانِ

وكان سليمان من أهل الشراسة والحزم والذكاء والفهم، لمَّا بويع وقدم عليه أبو العباس بن مدُّوس،

رسول أهل الثغر بالبيعة من قبل منذر بن يحيي، فخلَّى سبيله ووصله بصلة وكتب إليه:

قَد بَعَثْنَا إليكَ أَكْرَمَكَ اللهُ بشيءٍ نَزْرٍ فَلاَ نَسْتَقِلَّهْ
وتَقَبَّلْهُ وابْسُط العُذْر حَتَّىيَبْسُطَ اللَّهُ كفَّنا المُنْهَلَّهْ
فإذا كان جاءكَ الخيرُ يَتْرَىبنواَلٍ عليكَ حتَّى تَمَلَّهْ

ورفع إليه بعض خدامه بشعر يعتذر إليه، فَوَقَّعَ على ظهر كتابه:

قَرَأْنا ما كتبتَ به اليناوعُذْرُكَ واضحٌ فيما لَدَيْنَا
وَمَن يكن القريضُ له شفيعاًفَتَرَك عِتَابِه فَرْضٌ عَلَيْنَا

وكتب إليه القاضي أبو القاسم بن مقدام شاكيا ضيق حاله، بأبيات أولها:

أََهَلْ تَرْضَى لعبدك أن يُذَالاَوَأن يَبْقَى على الدنيا عِيالاَ

فبعث إليه بصلة، وكسوة، ووقع له على ظهر رقعته، بهذه الأبيات:

مَعَاذَ اللَّهِ أن تبقى عِيالاوأن ترضَى لِمِثْلِكَ أن يُذَالاَ
وَكَيفَ وَأَنْتَ مُنْقَطِعٌ إليناوقد عَلِقَتْ يَدَاكَ بنا حِبَالاَ
ودونك من نوافِلناَ يسيرٌولَكِنَّا انْتَقَينَاهُ حَلاَلاَ

وأشباه هذا من أفعاله كثيرة؛ لكنه تحمل في قيامه بالأمر إثما عظيماً؛ وتقلد من دماء المسلمين عبئا

جسيما. فكم هتك من أستار، وحزب من أمصار، وكانت أيامه، أيام استطال على الرعيّة، وخلافته

خلافة غير مرضية، ولم تزل كذلك حتى

قتل سنة سبع وأربعمائة. قتله علي بن حمود بيده، بعد أن استفتى الفقهاء في ذلك،

فأفتوه بقتله؛ لأنه قتل هشاماً المؤيد، في خبر طويل، ليس من غرضي استقصاؤه.

وحكى أبو الفضل الكاتب، قال: أحبَّ غلامٌ جارية، وكان معها في مَكْتَبِ واحد؛ فلم يزل الغلامُ

يَتَلَطَّفُ بِمُؤدِّبِه، حتى صار قريباً منها. فلما كان في بعض الأيام، ترقَّبَ غفلةً من الغلمان، فكتب في

لَوْحِ الجارية:

ماذا تَقولينَ فيمَنْ شَفَّه سَقَمٌمِنْ أجل حُبِّكِ حَتَّى صار حَيرانَا

فلما قرأت الجارية ما كتب، وَقَّعَتْ أسفله شفقا عليه ورحمة له:

إذا رأيناَ مُحبّاً قد أضَرَّ بهطُولُ الصَّبَابَة أوليناه إحسانا

وحُكي أن بعض ولد جعفر بن سليمان؛ أصابته علة مجهولة، فكان

يختلف إليه خصيب الطبيب، وكان ماهراً في صناعة الطب، فكان يحلف أن مابه من علة، وأنه لعاشق.

فأشار يوماً إلى أهله أن يسقوه نبيذاً، ففعلوا، فلما سكر، طلب رقعة، فأحضرت له، فكتب فيها:

ولَقَدْ قُلْتُ لِقَومِيحين جَاؤُوا بِخَصِيبِ
ليس واللَّهِ خَصيبٌلِلَّذي بي بِطَبِيبَ
للشاعر ابن قنبر المازني، اقرأ القصيدة
إِنَّمَا يَعْلَم مابيمَنْ بِهِ مثلُ الذي بِي

فلما وقف والده على الرقعة، ونظر إلى الأبيات، ازداد عنده جاهاً، وشرفا، وكشف عن أمره؛ فإذا

هو يتعشق بعض جواري القصر، فأمر له بها، وأحسن إليه.

قال: وقال أبو الطيب محمد بن القاسم النميري: مارأيت شاباً، ولا شيخاً من ولد العباس أصون

لنفسه، ولا أضبط لجأشه، من أبي العباس عبد الله بن المعتز. وكان يعيب الحب، وينكره، ويقول:

إنما هو ضرب من الحمق. وإذا رأى منا مطرقا، اتهمه به، ويقول له: وقعت وَالله يا فلان، وذهل

عقلك، وسخف رأيك إلى أن رأيناه قد حدث له سهو شديد، وفكر زائد، وزفير متتابع، وسمعناه ينشد:

أسرَ الحُبُّ أَمِيراًلم يَكُنْ قَبلُ أَسيرَا
فَارْحَمُوا ذُلَّ عَزِيزصَارَ عبداً مستجيراَ

فقلنا له: جعلنا فداك! هذه أشياء كنت تنكرها وتعيبها منّا. ونحن الآن ننكرها منك. فكان يرجع عن

بعض ذلك تصبّراً، وتحمّلا، ثم لايلبث أن يظهر مستوره، حتى تحققنا أمره، ودخل في جملة

المرحومين. فسمعته ذات يوم، وهو ينشد:

كُنْ إذا أحببتَ عبداًللَّذي تَهْوَى مُطيعاَ
لَنْ تنالَ الوَصْلَ حتَّىتلزم النفس الخضوعا

فكتبت إليه:

بَكَتْ عينه وشَكَا حُرقةمنَ الوَجْد في القَلْبِ ماتَنْطَفي
فقلتُ له سَيِّدي ما الَّذيأرى بك، قال سقامٌ خَفِي
فقلتُ: أَعِشْقٌ فقال: اقْتَصِرْعَلَى ما تراهُ أَمَا تَكْتَفِي

ثم سرت إليه، فقال: يا أبا الطيب! لقد عصيت ابليس أكثر مما عصى ربّه، إلى أن أوقعني في

حباله. فأخبرني بقصته. فسعيت بلطف التدبير، وأعانني حزم النظر، حتى فاز بالظفر.

وحكى محمد بن عبد الله العتبي فقال: كانت لعمر بن عبد العزيز، ﵁، جارية بارعة

الجمال؛ جامعة للكمال. فنظرت إليه يوما، وهو يبكي، من خشية الله ﷿. فقامت عند ذلك،

ولبست أحسن ملبس، وتحلت بنفيس الجوهر، وتطيبت بأذكى الطيب، وأقبلت، وهي تقول:

وكَأَنَّها لَمَّا اسْبَكَرَّتْ مُزْنَةٌوَسط الرَّياض ضميرها لم يرعَدِ

فلما نظر إليها عمر، قال لها: والله إنك لقرة العين؛ ولكن من

أَوْبقَتْهُ ذنوبه، وكثرت عيوبه؛ فالبكاء مثله قليل. وأنشأ يقول:

مَنْ كَانَ حِينَ تُصِيبُ الشمسُ جَبْهَتَهُأَو الغُبَارُ يَخَافُ الشمسَ وَالشَّعَثَا
للشاعر عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني، اقرأ القصيدة
وَيَأْلَفُ الظِّلَّ كَيْ تَبْقَى بَشَاشَتُهُفَسَوْفَ يَسْكُنُ يَوْماً رَاغِماً جَدَثَا
للشاعر عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني، اقرأ القصيدة
فِي ظِلِّ مُظْلِمَةٍ غَبْرَاءَ مُوحِشَةٍيُطِيلُ تَحتَ الثَّرَى في جَوْفِها اللَّبَثَا
تَجَهَّزِي بِجِهَازٍ تَبْلُغِينَ بِهِيَا نَفْسُ قَبلَ الرَّدَى لَمْ تُخْلَقِي عَبَثَا
للشاعر عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني، اقرأ القصيدة

ثم مسح عينيه، وأدناها من نفسه؛ فلما رأته الجارية قد ألفها، وحنّ إليها، قالت: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) إلى آخر الآية، ثم

قالت: يا أمير المومنين؛ أين أنت، من قول امرئ القيس:

مِنَ القَاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْدبَّ مُحْوِلٌمِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الأنف مِنْها لأَثَّرَا

يا أمير المومنين! الذي جمعنا في الدنيا، قادر أن يجمعنا في الآخرة في الجنة، ومستقر الرضوان

والرحمة.

قال: فانشرح إليها، وبقي معها بقية يومه.

وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ من الفضلاء، وأحد الشهداء. ودام في الخلافة سنتين وستة

أشهر وأربعة عشر يوماً. وكان للعدل في أيامه ظهور، ولأهله حبور وسرور.

وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: (إِنَّ مِنْ ذريتي رجلا بوجهه شينٌ يملأ

الأرض عدلا). وكان الرجل الذي ذكر عمر ﵁ عمر بن عبد العزيز؛ لأن أمه هي

أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. وكانت في وجهه شَجَّةٌ من ضربة دابة. بويع له بعهد

عمه سليمان بن عبد الملك في يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة تسع وسبعين.

وكانت وفاته في رجب سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر.

وحكى أبو حاتم، عن الأصمعي، قال: أخبرني نافع بن أبي نعيم أنه لما مات عمر بن عبد العزيز،

رثاه أحد موالي أهل المدينة، فقال:

قد غَيَّب الدَّافنون اللحد إذْ دَفَنُوابِدَيْر سَمْعَان قسطاس الموازين
مَنْ لم يكنْ همُّه عيْناً يُفَجِّرهاولا النَّخِيلَ ولا رَكْضَ البَرَاذِين

قال: والأبيات التي أنشدها عمر بن عبد العزيز ﵀ هي لعبد الله بن عبد الأعلى القرشي،

وهي عشرة أبيات قرأتها في النوادر لأبي علي البغدادي وأولها:

تَجهَّزِي بِجَهَازٍ تبلُغين بهيا نفسُ قَبْلَ الرَّدى لم تُخْلَقِي عَبَثا
للشاعر عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني، اقرأ القصيدة
وَسَابِقي بُغْيَةَ الآمال وَانْكَمِشِيقبل اللِّزَامِ فلا مَنْجَى ولاَ غَوَثا
ولا تَكُدِّي لمن يبقى وتَفْتقريإنَّ الرَّدى وارثُ الباقي وَمَاوَرِثا
للشاعر عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني، اقرأ القصيدة
واخْشَيْ حَوَادِثَ صَرفِ الحِينفي مَهَلٍواستيقِنِي لا تكوني كالذي انْتَجَثا
عَنْ مُدْية كان فيها قطعُ مُدَّتِهفوافق الحرثَ محروثاًكما حَرثَا
للشاعر عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني، اقرأ القصيدة
لا تَأْمَني فَجْعَ دَهْرٍ مُورِطٍ خَبِلٍقد استوى عنده من طاب أو خَبُثَا
للشاعر عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني، اقرأ القصيدة
يارُبَّ ذي أَملٍ فيه على وجلٍأضحى به آمناً أمسى وقد جُئِثَا
مَنْ كَان حين تُصيبُ الشمسُ جبهتهأو الغبارُ يخاف الشمسَوالشَّعَثَا
للشاعر عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني، اقرأ القصيدة
ويألفُ الظل كَيْ تبقى بَشَاشَتُهُفسوف يسكن يوماً راغماً جَدَثَا
للشاعر عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني، اقرأ القصيدة
في قَعْرِ مُوحشةٍ غبراء مُقفرةٍيُطيل تحت الثرى في جوفها اللبَثَا
للشاعر عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني، اقرأ القصيدة

ويروى في رمسها، مكان جوفها.

وقوله: (أمسى وقد جُئثَا) أي: فَزِعَ، والمجؤُوثُمن الرجال: المخوف الذي ذهب فؤاده، من شدة الفزع.

وحكى أبو نواس قال: كنت في بعض الأيام عند يحي بن سليمان بن الفضل بن الربيع، وهو صبي

صغير، فأخرج إلى رقعة، وفيها مكتوب:

ياسيدي! قد أماتت خطرات الهجر قلبي، وتولدت فظاعته في الأحشاء.

وتعلم أن لذة العيش في الدنيا وصل المحبين؛ فلولا كتابك الذي قرأت هذه الساعة، لسفكت سيوف

الهجر دمي، وناطت ناره على كبدي.

وبعد هذا مكتوب:

كتابٌ أتاني من حَبيبٍ بِخطِّهفما أضعف النُّعْمى وما أوجب الشكرا
فلم أرَ مثلى لم أمت مذ قرأتهلقد رُزِقَتْ نفسي التجلد والصَّبرا
وظلتْ تناجيني بما في ضميرهاأنامل خطت لي بِأَقْلامها السِّحْرا

فقلت له: ياسيدي، يا ابن الوزير، لمن هذه الرقعة؟. ورجوت أن استخف به لصغر سنه، فأنشدني

هذين البيتين:

أَجُودُ بِمكْنونِ التِّلاد وإننيبِسرّك عمَّن سَالَنِي لَضنينُ
سَأصْفيك ودِّي مَا حَييتُ وَإن أمتبِوُدِّك عظمي في التراب دَفينُ

ثم قال لي: ياحسن، قُلْ في الفراق، والهجر، واللقاء، والوصل.

فقلتُ:

لا بَاركَ اللهُ في الفراقِ وَلابَارَكَ في الهَجْر مَا أَمَرَّهُما
بل بارك اللهُ في اللقاءِ كَمَابارك في الوصل ما أكدَّهُما
لو ذبح الهجر والفراق كَمَاتذبح شاة لما رحمتهما

وحكى عبد الله بن المعتز عن الزبير بن بكار، قال:

رأيتُ بِالثَّغْر رجلا، عليه أثر الذِّلة والاستكانة، كثير التنفس، وحركات الحبِّ لا تخفى. فسألته عن

خبره، حين خلوت به، فكانَ جوابه إلىَّ، تَحدّر أَدْمعه، وقال:

أنا في أَمْرٍ رَشادٍبَين غَزْوٍ وَجِهادِ
بَدَني يغزو الأَعاديوالهَوَى يَغْزُو فُؤَادي

وحكى أبو نواس أيضا، قال: حدثني سليمان بن ابراهيم، قال: بينما أنا ذات يوم أمشي في أزقة

البصرة، إذ سمعت جارية تترنم وتقول:

يَا دَوْلَةَ العِزِّ من بعد الخمول وياإِقبالَ دنيا بلا شيءٍ من الكَدَرِ
يا فرحة الصَّبِّ بالمحبوب إذ ظفِرَتْمنه اليدان به في ساعة الظَّفَرِ
يابرْد غُلَّة أُمٍّ غاب واحدهامُسافراً ثم وافاها من السفرِ
ياراحة النفس يا بردَ العليل إذاأتاه بعد اتِّصال الوصْل بالسَّهرِ
يافرحةَ في قلوب الناس كلهمياطلعة الشمس بل يا طلعة القمر
أصبحتَ أملح مَنْ في الناس مِن بَشَرٍكأنك الأمن بعد الخوف والحذر
غُصْنٌ مِنَ البان تثنيه الرياحُ علىزَهْرِ الرياض اذا هَبَّتْ مَعَ السَّحَرِ

فقلت لانسان كان خلفي: لقد جمعت هذه محاسن الدنيا. فمن تخاطب؟ قال: هي عاشقة لابن مولاها،

وأبوه قد حال بينهما.

وحكى أبو العباس محمد بن يزيد، قال: لما قدم علينا محمد بن طاهر، قال: هل عندكم موسوم بأدب،

منسوبٌ إلى معرفة، يستراح إليه؟ فأرسل بي إليه. فلما دخلت عليه، سلّمتُ، فرد علي السلام،

وأمرني بالدنُوِّ، فدنوت، ثم التفت إلي، بعد أن أمهلني ساعة. فقال لي: أنت أديب (العراق).

فقلت: كذا يَزْعُمُ من يَوَدُّني. فقال: أَنْشدْني ما استحسنه منك. فأنشدته من أشعار المُتقدِّمين. فقال لي: ليس

عن هذا أسألك؛ وان كنت لم تفارق الصواب. فقلت: الأميرُ أوْلى بالهِداية والإرشاد، فليردني إلى

موضع إرادته. فالتفت إلي، باقبال وبِشْر، فقال: أُناجيكَ بما كُمَنَ في الضَّمير، وتحكم من سرّ الهوى،

لي حبيب خلّفته مقيماَ (بنيسابور) وأنا (ببغداد)، وجعل يقول:

أقام ببلدة ورحلت عنهاكِلانَا بَعْدَ صَاحِبِه غَريبُ
أَقَلُّ النَّاسِ في الدنيا سُروراًمحبٌّ قد نأى عَنْه الحَبِيبُ

ثم تَنَفَّسَ الصُّعداء، وقال: اعذر أيها الأستاذ، فمَا أَوْحَشَ الغَرِيبَ بِلا حَبِيب! جعلت حبه تحفة نفسي،

وأسكنته قلبي، ومحل ناظري من مقلتي. فقلت له: أيها الأمير! استبدل به بديلا؛ واتخذ غيره خليلا.

فان الهوى ما ألفته النفس؛ فلعلها عند معاينة العوض، تقع قناعة، وزهادة في الأول. فقال: هيهات

ياأستاذ! وأنشد:

وَلَمّا أبى إلا جماحاً فُؤَادُهوَلَمْ يَسْلُ عن لَيْلَى بمالٍ ولا أَهْلِ
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «ولما أبى إلا جماحا فؤاده»
تسلّى بأُخرى غيرها فإذا التيتسلَّى بها تُغْرِي بليلى ولا تُسْلِي
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «ولما أبى إلا جماحا فؤاده»

ثم قال: يا أستاذ! هيهات حبّ من ذهب بذخائر القلب والحشا، وجرى مجرى الروح في الأعضاء.

لا سبيل إلى زواله، الا بزوال النفس عن جثمانها. والله، إن مت، فما أموت إلا بغصّة فراقه، ولا

أفارق الدنيا، إلا على البعد منه. أما سمعت قول أبي تمام:

نَقِّلْ فُؤادك حيث شئتَ من الهوىما الحبُّ إلا للحبيب الأولِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «البين جرعني نقيع الحنظل»
كَمْ مَنْزلٍ في الأرض يَأْلفُهُ الفتىوَحَنِينُه أبداً لأول مَنْزِلِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «البين جرعني نقيع الحنظل»

فبينما أنا معه، وقد أخذ في ذكره؛ إذ دخل علينا حاجبه بكتاب من عند حبيبه (بنيسابور). فلما أراد

أن يتناوله، استولى عنه من السرور، ما أزال عنه خمرة الكآبة. فلما فكه، وقرأه، ناولنيه. فقرأت فيه:

لَعَمري لَئِنْ قَرَّتْ بقربك أعينلقد سخنت بالبعد منك عُيونُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لعمري لئن قرت بقربك أعين»
فما أقبحَ الدنيا إذا كنت نائياوَما أحسنَ الدنيا بحيث تكون
فسر أو أقم وقف عليك مَحَبَّتِيمحلكَ من قلبي عليك مَصونُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لعمري لئن قرت بقربك أعين»

فلما كان بعض أيام استدعاني، وقال: لِيَهْنِئْكَ رؤية السرور. قلت: وماذاك؟ قال: اعلم أن الحبيب

قادم عن قريب. ثم استعبر، وبكى. فقلت: الحمد لله الذي ألف بينكما بعد الفراق. فلم ألبث إلا قليلا،

حتى دخل الحاجب، فقال: قدم فلان. فقال: ائذن له، فدخل غلام، كأن وجهه البدر ليلة تَمِّه، قد ركب

على غصن بان؛ أو قضيب خيزران. يرفل في عصب (اليمن)، أَدْعَجُ العينين، مَقْرُونُ الحاجبين،

أَسِيلُ الخدين. أرقُّ من الهواء؛ وأحسن من الماء، وأضوءُ من سليل الأنواء. فدعا الأمير بكرسي من

فضة، مرصّع بالديباج الأحمر، مكلل بالدر؛ فأجلسه عليه، وقعد هو بين يديه، وقال: التَّذَلُّلُ للحبيب؛

هو الحسيب. ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم، وقال لي: ينصرف الأستاذ راشداً، ويقبل العذر.

وقال سعيد بن حميد:

اليَوْمَ أيْقنتُ أَنَّ الحبَّ مَتْلَفَةٌوأنَّ صاحبه منه على خَطَرِ
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة
كَيْفَ الحَياةُ لِمَنْ أَمْسَى عَلَى شَرفٍمنَ المَنية بين الخوف والحذَرِ
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة
يَلُومُ عَيْنيه أحْياناً بِذَنبهماويَحْمِلُ الذنْبَ أحيانا على القدرِ
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة

وقال غيره في المعنى:

وَمَا في الأرضِ أشقَى من مُحبٍّوإنْ وَجَدَ الهَوَى عَذْبَالمذاقِ
للشاعر ماني المُوَسوَس، اقرأ القصيدة
تراهُ باكياً في كُلِّ حالٍمَخَافَةَ فُرْقَةٍ أَوْ لاشتياقِ
فَتًَسخنُ عينه عند التَّنَائِيوتَسْخُنُ عَيْنُه عند التلاقي
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «وما في الأرض أشقى من محب»
فَيَبْكِي إن نَأَوْا حذراَ عليهموَيَبْكِي إنْ دَنَوْا خَوفَ الفِراقِ

وهذه القطعة في معناها كقول الآخر:

لقد كُنتُ أبكي قبل أن تَشحط النوىفكيف إذا ما غبت عنك أكونُ

ومنه قول أبي تمام الطائي:

بَكَتْهُ بما أبكته أيام صدرهاخَلِيٌّ وما يخلو له من هوى صَدْرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «تصدت وحبل البين مستحصد شزر»

وأخذ هذا المعنى أيضا الأديب أبو حاتم الحجاري الأندلسي فقال:

وَزًائرٍ زارني قَد هَجَعَتْعينايَ حين تبلح الفجرُ
بَكيتُ للقرب ثم قلتُ لهمن ثَمرِ الوصلِ يُجْتَنَى الهَجْرُ
للشاعر أبو حاتم الحجاري، اقرأ القصيدة

وفي معناه قول أبي بكر الغساني:

يُوَاصِلُنِي طَوْراً وَيَهْجُرُ تَارًَةًالا رُبَّ هَجْرٍ جَرَّ أسْبابَهُ اللِّقَا

وفي معناه أيضا قول سعيد بن حميد:

ما كنتُ أيامَ كنتِ راضيةًعنّي بذاكَ الرِّضى بمغْتبطِ
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
عِلماً بأن الرضى سَيَعْقُبُهُمنك التجني وكَثْرةُ السُّخُطِ
فكلُّ ما ساءني فَعَنْ خُلُقٍوكلّ ما سرّني فَعَنْ غَلَطِ

وقد جمعه أبو الطيب في بيت واحد فقال:

أيَّ يَوْمٍ سَرَرْتني بِوِصَالٍلَمْ تَرُعْنِي ثَلاثةً بِصُدُودِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

وقبل هؤلاء، قال العباس بن الأحنف في المعنى:

إذا رَضِيَتْ لَمْ يَهْنِنِي ذَلك الرّضىلِصِحَّةِ عِلْمي أنْ سيعقبهُ عَتْبُ
وأَبكي إذا ما أَذْنَبْتُ خَوْفَ عَتْبِهافأسْأَلُها مَرْضاتِها ولها الذَّنْبُ
وِصَالُكُمُ هَجْرٌ وحُبُّكُمْ قلىوَعَطْفُكُمْ صَدٌّ وسِلْمُكُمْ حَرْبُ

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (٢٠٠٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «كنز الكتاب ومنتخب الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.