تجاوز إلى المحتوى

من «إعتاب الكتاب» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)

أحمد بن سعيد بن حزم

ذكر أبو مروان بن حيان أن المنصور محمد بن عبد الله بن أبي عامر استوزره قبل سائر أصحابه في سنة إحدى وثمانين يعني وثلاثمائة في خلافة هشام المؤيد بالأندلس، واستخلفه أوقات مغيبه على المملكة، وصير في يده خاتمه، فلما تناهت حاله في الجلالة، وأملته الخاصة والعامة، اتهمه المنصور بأنه قد زهي عليه برأيه، وأنس منه عجباً بشأنه، فصرفه عن الوزارة وأقصاه عن الخدمة، دون أن يغير عليه نعمة، وكان يقول: والله إن ابن حزم للنصيح جيباً، الأمين غيباً، ولكنه زهي برأيه، وظن أن سلطاني مضطر إلى تدبيره! فتردد في نكبته مدة، ثم أخرجه لينظر في كور الغرب باسم الأمانة، فرئم المذلة وتبرأ من الدالة، فلما زكن المنصور ذلك منه، أعاده إلى حسن رأيه فيه، وصرفه إلى خطته.

وذكر أبو عبيد الله الحميدي وقال فيه: والد الفقيه أبي محمد، كان وزيراً في الدولة العامرية ومن أهل العلم والأدب والخير، وكان له في البلاغة يد قوية، وحدث عن ابنه أبي محمد علي بن أحمد الفقيه قال: أخبرني هشام بن محمد بن هشام بن محمد بن عثمان المعروف بابن البشتني من آل الوزير أبي الحسن جعفر ابن عثمان المصحفي عن الوزير أبي رحمة الله عليه، أنه كان بين يدي المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر في بعض مجالسه للعامة، فرفعت له رقعة استعطاف لأم رجل مسجون كان ابن أبي عامر حنقاً عليه لجرم استعظمه منه، فلما قرأها اشتد غضبه وقال: ذكرتني والله به! وأخذ القلم يوقع، وأراد أن يكتب: يصلب فكتب: يطلق ورمى الكتاب إلى الوزير، قال: فأخذ أبوك القلم وتناول رقعةً وجعل يكتب بمقتضى التوقيع إلى صاحب الشرطة، فقال له ابن أبي عامر: ما هذا الذي تكتب؟ قال: بإطلاق فلان إلى صاحب الشرطة؛ قال: فحرد وقال: من أمرك بهذا؟ فناوله التوقيع، فلما رآه قال: وهمت! والله ليصلبن! ثم خط على ما كتب؛ وأراد أن يكتب يصلب فكتب يطلق

قال: وأخذ والدك الرقعة فلما رأى التوقيع تمادى على ما بدأ به من الأمر بإطلاقه، ونظر إليه المنصور متمادياً على الكتابة، فقال: ما تكتب؟ قال: بإطلاق الرجل، فغضب غضباً شديداً أشد من الأول، وقال: من أمرك بهذا؟ فناوله الرقعة، فرأى خطه، فخط على ما كتب، وأراد أن يكتب يصلب فكتب يطلق فأخذ والدك الكتاب فنظر ما وقع به، ثم تمادى على ما كان بدأ به، فقال له: ماذا تكتب؟ قال: بإطلاق الرجل، وهذا الخط ثالثاً، فلما رآه عجب وقال: نعم يطلق على رغمي، فمن أراد الله إطلاقه لا أقدر أنا على منعه! أو كما قال.

النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إعتاب الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.