تجاوز إلى المحتوى

من «إعتاب الكتاب» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)

علي بن عيسى بن الجراح

كتب للقاسم بن عبيد الله هو والعباس بن الحسن، وأشار القاسم وهو في آخر علته على المكتفي باستكتاب أحدهما، فقدم العباس للوزارة، وكان علي زاهداً متواضعاً حافظاً للقرآن، عالماً بمعانيه وإعرابه، وله في ذلك تأليف، وقد حمل عن أبيه الحديث، وله بلاغات لا تعرف لغيره من الكتاب، ثم وزر للمقتدر غير مرة في أول خلافته وآخرها، ولم يكن يهوى ذلك، بل كان يحب الاعتزال، ويقول: ما كنت أحتسب بمقامي في هذا الأمر إلا أني مجاهد في سبيل الله، خوفاً من فتنة لا تبقي ولا تذر.

ولما ضبط أمر الملك، ومنع الأيدي من الظلم، اشتد ذلك على من اعتاده، فطولب ولم يعبه أعداؤه بشيء سوى قولهم: إن شغله بمحقرات الأمور تشغله عن جليلها، لأن زمانه لا يفي بذلك؛ إلى أن صرف وحبس حبساً كريهاً، فكتب في نكبته عدة مصاحف، وكان يحمل في وزارته إلى بيت المال ما يرد عليه مما

كان الوزراء قبله يرتفقون به؛ فقال المقتدر: قد استحييت من الله في مال علي ابن عيسى، فإني أخذته ظلماً، وأحاله به على مال مصر، فاشترى به ضياعاً ووقفها على مكة والمدينة.

ولما استقدم من مكة بعد إخراجه إليها، والوزير إذ ذاك أبو علي محمد ابن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وقد تبين عجزه، خلع عليه وقدم للوزارة، وأُمر بالقبض على محمد وابنيه عبيد الله وعبد الواحد، وكانوا قد ركبوا إلى دار الخلافة ووعدوا أن يسلم إليهم فسلموا إليه، فأطلق عبد الواحد وقال: إنه مظلوم؛ وعامل محمداً وعبيد الله أحسن معاملة، ورفق بهما، وكانا قد أرادا قتله في طريق مكة، فلم يمكنهما فيه حيلة.

ورفع إليه أن رجلاً من جلساء عبيد الله قال: إن علي بن أبي طالب قتل، فمن علي بن عيسى حتى لا يقتل! فما زاد علي أن قال: أما اتقى الله ولا خافه!! ثم كان يقضي حوائج ذلك الرجل ويثني عليه؛ فلما جلس للناس ورأى تكاثرهم تمثل:

ما الناس إلاّ مع الدنيا وصاحبهافكيفما انقلبت يوماً به انقلبوا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «لكل أمر جرى فيه القضا سبب»
يعظّمون أخا الدنيا فإن وثبتيوماً عليه بما لا يشتهي وثبوا
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «اعمل بدنياك واحذر من عواقبها»

وكان علي بن بسام قد هجاه لما نفي إلى مكة، فلما ردت إليه الوزارة جلس يوماً للمظالم فمرت به في جملة القصص رقعة مكتوب فيها:

وافى ابن عيسى وكنت أضغنهأشدّ شيءٍ عليّ أهونه
للشاعر علي بن بسام العبرتائي، اقرأ القصيدة
ما قدّر الله ليس يدفعهوما سواه فليس يمكنه
للشاعر علي بن بسام العبرتائي، اقرأ القصيدة

فقال علي بن عيسى، صدق هذا ابن بسام، والله لا ناله مني مكروه أبداً.

وأنشد الصولي مما هجي به علي بن عيسى في نكبته:

أيّامكم يا بني الجرّاح قد جرحتكلّ القلوب ففيها منكم نار
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أيامكم يا بني الجراح قد جرحت»
لا متّع الله بالإقبال دولتكمفإنّ إقبالكم للنّاس إدبار

وذكر أنه استشير بعد عزله في حامد بن العباس فقال: حاذق بالعمل لا يصلح للوزارة! فقيل له: قدم! فقال: بارك الله لأمير المؤمنين فيما أمضاه! ثم عزم عليه أن يتقلدها فأبى، لما نصح فيها، فلم ينفعه ذلك، فقيل له: فاخرج تعاون حامداً، فيكون له الاسم ولك العمل! فأجاب بعد امتناع طويل. وقيل لحامد: إنا جعلنا علي بن عيسى عوناً لك، فشكر ذلك، وذكره بخير، ومشى أمر المملكة على هذا خمسة أعوام في حسن سيرة وإنصاف من ظالم، وعلي

ابن عيسى يدبر ذلك كله. وطمع حامد في الاستبداد، وتضمن علياً بمال عظيم فلم يقدر على ذلك.

النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إعتاب الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.