من «إعتاب الكتاب» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)
عبد الملك بن إدريس الجزيري
عتب عليه المنصور أبو عامر محمد بن عبد الله بن أبي عامر، وكان في الغاية من البيان والخطابة، فصرفه عن الكتابة، ثم أخرجه من قرطبة واعتقله بإحدى القلاع المنيعة بشرق الأندلس، فقال في ذلك:
قالوا جفاه ثلاثاً ثم غرّبهفليس يرجو لديه حظوةً أبدا
جاروا وما عدلوا في القول بل حكمواعلى المقادير جهلاً لا هدوا رشدا
أليس يوقد نصل السيف ضاربهقبل الصّقال مراراً جمّةً عددا
حتى إذا ما سقى حدّيه ريّهماواهتّز لدناً دعاه الصارم الفردا
وما المهذّب إلاّ من تعرّقهزمانه مخطئاً طوراً ومعتمدا
من لم يذق طعم بؤساه وشدتهالم يدر لذّة نعماه ولا وجدا
ودون هذا الذي قالوه أقضيةٌلله في حكمه لم يؤتها أحدا
لا بد للقدر المقدور من أمدٍيلقاك فيه على حتمٍ وإن بعدا
وكتب من معتقله قصيدتة المشهورة في الناس وأولها:
ألوى بعزم تجلّدي وتصبّرينأي الأحبة واعتياد تذكّر
يقول فيها:
وأعلم بأن العلم أفضل رتبةٍوأجل مكتسبٍ وأسنى مفخر
فاسلك سبيل المقتنين له تسدإنّ السيادة تقتنى بالدفتر
وبضمّر الأقلام يبلغ أهلهاما ليس يبلغ بالجياد الضّمّر
وفيها يقول أيضاً يصف المعقل الذي حبس فيه:
في رأس أجرد شاهقٍ عالي الذّرىما بعده لموحّدٍ من معمر
يأوي إليه كل أعور ناعبٍوتهبّ فيه كلّ ريح صرصر
ويكاد من يرقى إليه مرةًفي عمره يشكو انقطاع الأبهر
وفي آخرها يخاطب بنيه:
لا تسأموا إحضاره رغباتكمفهباته مبسوطةٌ لم تحظر
وعسى رضى المنصور يسفر وجههفيديل من وجه الفراق الأغبر
فرق له المنصور لما سمع هذا البيت، وكان سبباً إلى العفو عنه والإحسان إليه.
وقال ابن حيان، وذكر قصة ابن حزم الوزير مع ابن أبي عامر في إدلاله المفضي به إلى إذلاله: وفي مثل هذا السبيل كان غضبه على كاتبه عبد الملك بن إدريس المعروف بالجزيري وإقصاؤه له مرةً بعد مرة وتسييره له إلى طرطوشة وكان أكثر من يشركه أعطالاً من الآداب العربية لتوفرهم على علم العدد، وانهما كهم في التعاليم الديوانية التي استدروا بها الجباية وحصلوا بها المراتب العالية، فكان
الجزيري يزري بهم ويحب الاشتمال على ابن أبي عامر، ويتصور فرط حاجته إليه في الإنشاء، ولم يكن من شأنهم، فسخط عليه المنصور، وأقصاه عن حضرته على فرط حاجته إلى خدمته، وقلد كاتبه على الحشم ديوان الرسائل، فاستجزأ به لذهاب مشيخة كتاب الرسائل في الوقت، ورضي بعد ذلك عن عبد الملك لما حمد حاله في الرياضة، ولم يزل يتولى له ديوان الرسائل إلى أن هلك المنصور.
ويقال: إن المنصور سجنه في مطبق الزاهرة مدة، فاستعطفه من الرسائل والأشعار بما أثمر تسريحه، فكتب إليه:
عجبت من عفو أبي عامرلا بدّ أن تتبعه منّه
كذلك الله إذا ما عفاعن عبده أدخله الجنّه
فسر المنصور بذلك، وأعاده إلى حاله، وأطلق له ما اعتقل من ماله، ثم استوزره بعده المظفر عبد الملك بن محمد بن أبي عامر.
النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع