من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)
في إنّ معرفة حرفة الأدب مانعة من ترقى أعالي الرتب
قال رسول الله ﷺ ما ازداد الرجل حذقاً في صنعة إلا كان ذلك نقصاً من رزقه وقالوا المتقدم في الحذق متأخر في الرزق وقالوا حرفة الأدب أعدى لصاحبها من الجرب وقالوا الرزق عند ذوي الأدب أروغ من ثعلب ومن أمثال عوام بغداد جهل يعولني خير من علم أعوله وقال الخليل بن أحمد إذا كثر الأدب قل خيره وإذا كثر خيره كثر ضيره وقال أبو بكر الخوارزمي في هذا المعنى
إن سرك حرمانبه تصبح مقليا
فكن ذا أدب جزلوكن مع ذاك نحويا
ويقال حرفة الأدب لا يسلم من حرمانها أديب وقالوا التأديب تعذيب وأنشد الخليل بن أحمد
ما ازددت من أدب حرفا أسرّ بهإلا تزايدت حرفا تحته شوم
إنّ المقدّم في حذق بصنعتهأنى توجه فيها فهو محروم
وقال ابن رشيق
أشقى بجدّك أن تكون أديباأو أن يرى فيك الورى تهذيبا
إن كان مستوياً ففعلك أعوجيوماً وإن أخطأت كنت مصيبا
كالفص ليس يبين معنى نقشهحتى يكون بناؤه مقلوبا
ابن طباطبا
أليس عجيباً أنني مع تسببيوشعري ما أعطيت جدّاً ولا حدا
وإنّي إذا ما زرت قوماً مسلماحجبت فظنوا أنني أبتغي رفدا
وقد طال افلاسي وأحسب مثريافأصبحت لا يجدي علي وأستجدي
آخر
قالوا أديب فأين المال قلت لهمقوسي بلا وتر سهمي بلا فوق
من لا يكون له جدّ يساعدهتكون آدابه كالنفخ في البوق
ولما خلع المقتدر وبويع عبد الله بن المعتز بن المتوكل ولقب المرتضى بالله أدركته حرفة الأدب فلم يقم في الخلافة غير يومين ثم اضطرب حبله وهطل عليه طل الحرمان ووبله فهرب إلى دار ابن الجصاص التاجر فاختفى عنده ثم أخرج منها إلى القضاة والشهود العدول ميتاً بعد أيام يسيرة وذلك في يوم
الخميس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين فقال فيه ابن بسام من أبيات يرثيه بها
لله درّك من ميت بمضيعةناهيك في العلم والآداب والحسب
ما فيه لولا ولا ليت فتنقمهوإنما أدركته حرفة الأدب
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى قال لي أبي إذا كتبت كتاباً فالحن فيه فإن الصواب حرفة والخطأ نجح أخذه بعض الشعراء فنظمه في قوله
إن كنت يوماً كاتباً رقعةتبغي بها نجح وصول الطلب
إياك أن تعرب ألفاظهافتكتسي حرفة أهل الأدب
وقال أبو عبيدة من أراد أن يأكل الخبز بأدبه فلتبك عليه البواكي ولقد أجاد أبو إسحق الصابي في قوله
قد كنت أعجب من مالي وكثرتهوكيف تغفل عني حرفة الأدب
حتى انثنت وهي كالغضبا تلاحظنيشزراً فلم تبق لي شيأً من النشب
واستيقنت أنها كانت على غلطواستدركته وأفضت بي إلى الحرب
الضب والنون قد يرجى اجتماعهماوليس يرجى اجتماع الفضل والذهب
والسبب في حرمان الأدباءموهبة الخط وخمول النجباء
ما ذكره بعض المنصفين منهم في قوله إن ذا الأدب لا يزال متسخطاً على دنياه ذاماً لحاله لما يرى من ميل الزمان للئامه وجهاله فهو لا يمدحهم لعلمه بقصورهم عن ادراك منظومه ولا يثاب إما بجهل ممدوحه وإما من إفراط بخله الناتج عن لومه وقيل للحسن البصري لم صارت الحرفة مقرونة بمن جعل العلم والأدب شعاراً والثروة بمن كساه الجهل والحمق عاراً فقال ليس القول كما قلتم ولا الأمر كما زعمتم ولكنكم طلبتم قليلاً في قليل فأعجزكم طلبتم المال وهو قليل عند أهل العلم والأدب وهم قليل ولو نظرتم إلى من تحارف من أهل
الجهل لوجدتموهم أكثر اقتاراً والمال عنهم أشد نفاراً وقال أبو الحسن علي المعروف بابن البغل متضجراً من الخمول
الدهر ضدّ ذوي الفضائل كلهمحتى كأنّ عدوّه من يفهم
لو كنت أجهل ما علمت لسرنيجهلي كما قد ساءني ما أعلم
كالصعو يرتع في الرياض وإنماحبس الهزار لأنه يترنم
آخر
يطرى لأهل الفضل دون الورىمصائب الدنيا وآفاتها
كالطير لا يحبس من بينهاإلا التي تطرب أصواتها
الخدلجي
قل عني غناء عقلي ودينيودخولي في العلم من كل باب
أدركتني وذاك أعظم دائيحسنات من حرفة الآداب
آخر
قد عقلنا والعقل شر وثاقوصبرنا والصبر مرّ المذاق
إنّ من كان فاضلاً كان مثليفاضلاً بعد قسمة الأرزاق
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع