من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)
وربما أعدت حرفة الأدب أهل الوراقة
فأظلتهم منها سحائب الحرمان والفاقة قال أحمد بن عبد الله بن حبيب المعروف بأبي هفان سألت وراقاً عن حاله فقال عيشي أضيق من محبرة وجسمي أدق من مسطرة وجاهي أرهى من الزجاج وحظي أشد سواداً من العفص إذا خلط بالزاج وسوء حالي ألزم لي من الصمغ وطعامي أمر من الصبر وشرابي أكدر من الحبر والهم والألم
يجريان في علقة قلبي مجرى المداد في شق القلم فقلت يا أخي لقد عبرت ببلاء عن بلاء فأنشد
المال يستر كل عيب في الفتىوالمال يرفع كل وغد ساقط
فعليك بالأموال فاقصد جمعهاواضرب بكتب العلم وجه الحائط
آخر
إنّ الوراقة والتفقهـ والتشاغل بالعلوم
أصل المذلة والاضاقة والمهانة والهموم
وأنشدت لأبي النصر بن أبي الفتح كشاجم
غبط الناس بالكتابه قوماًحرموا حظهم بحسن الكتابه
وإذا أخطأ الكتابة حظسقطت تأوه فصارت كآبه
وقال إسحق بن إبراهيم بن حمدويه المعروف بالحمدوي
ثنتان من أدوات العلم قد ثنتاعنان حظي عما رمت من نعم
وحبرت لي صحاف الحبر محبرةتذود عني سوام المال والنعم
والعلم يعلم أني حين آخذهلعصمتي نافر خلو من العصم
سمع بعض مجان الأدباء رجلاً يقول لا خير في علم لا يدخل مع صاحبه الحمام فقال نعم إلا أنه متى لم يكن معه دانق يخرج به بقي رهناً ابن صادة الأندلسي
أما الوراقة فهي أنكد حرفةأغصانها وثمارها الحرمان
شبهت صاحبها بابرة خائطتكسو العراة وجسمها عريان
وأنشد أبو منصور عبد الملك بن إسمعيل الثعالبي في اليتيمة لأبي حاتم الوراق
إنّ الوارقة حرفة هزلتمحرومة عيشي بها زمن
إن عشت عشت وليس لي أكلأو مت مت وليس لي كفن
وقال الشريف أبو يعلى بن الهبارية من قصيدته المخمسة التي أولها حي على خير العمل يذم الوارقة
تباً لرب المحبرهيا ويله ما أدبره
وعيشه ما أكدرهورزقه ما أقتره
إن لم تصدّقني فسل
آخر
أدمى البكا عينيّ والمآقيوظلت ذا همّ وذا احتراق
ما إن أرى في الأرض والآفاقأزرى ولا أشقى من الوراق
إذا بدا في القمص الأخلاقيفرح بالحبر والأوراق
كفرحة الجنديّ بالأرزاق
آخر
هربت من الوراقة ملء شوطيفردّني الزمان إلى الوراقه
وترك المرء حرفته فراراًلأمر ليس يدريه حماقه
والسبب في حرمان ذوي النباهةفقدان أهل الفضل والوجاهة
يروى إن عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄ ذكرت يوماً قول لبيد
ذهب الدين يعاش في أكنافهموبقيت في خلف كجلد الأجرب
وقالت لله أبوه ما كان أشعره لقد صدق قالوا وكيف يا أم المؤمنين قالت كان أحدهم إذا علم من أخيه خلة سدها من حيث لا يعلم ثم ذهب أولئك وجاء قوم كان أحدهم إذا علم من أخيه خله سدها من حيث يعلم ثم جاء من بعدهم قوم إذا علم أحدهم من أخيه خلة أحب أن يسأله فإذا سأله أعطاه ثم جاء من بعدهم قوم إذا علم أحدهم من أخيه خلة أحب أن يسأله فإذا سأله منعه ثم بعد ذلك يفضحه فيقول جاء فلان يسألني فلم أعطه ولله در القائل
لا يغرّنك اللباسليس في الأثواب ناس
هم وإن نالوا الثريابخلاء وخساس
كل من يدعى رئيساهو في الخسة راس
كم يد تصلح للقطع فتفدى وتباس
آخر
علام تحرّكي والحظ ساكنوما قصرت في طلبي ولكن
أرى نذلاً تقدّمه المساويعلى حرّ تؤخره المحاسن
جحظة
لي حاجة لو أنها قضيتلعشت في خير وظل ظليل
حياة من مات وموت الذيليس إلى إحيائه من سبيل
دخل بعض الظرفاء على يحيى بن خالد بن برمك وهو في السجن يريد زيارته فقال له ما تشتهي فقال أن أرى إنساناً فأخذ الرجل المرآة وأراه وجهه فيها فشكر له ذلك ثم أنشده
ما أكثر الناس بل ما أقلهمالله يعلم أنني لم أقل فندا
إني لأفتح عيني حين أفتحهاعلى كثير ولكن لم أرى أحدا
وقيل لسعيد بن المسيب وكان في عينيه ماء ألا تقدح عينيك فقال حتى أنظر بهما إلى من ومثل ذلك ما قاله أبو العيناء معتذراً عن عماه
قالوا العمي منظر قبيحقلت بفقدي لكم يهون
والله ما في الأنام حرتأسى على فقده العيون
وسأل رجل من رجل حماراً عارية فأخرج له اكافاً وقال له اجعله على من شئت ومر رجل بصديق له فرآه واقفاً على الطريق فقال له ما وقوفك ههنا فقال وقيل لأبي العيناء هل بقى من يلقى قال نعم في البئر ومر ببعض السكك فحبسه إنسان يريد العبث به فقال له أبو العيناء من أنت قال ابن آدم فأقبل يسلم عليه سلام مستوحش وقال عجب والله ما ظننت إلا أن هذا النسل قد انقطع يشير إلى ضياعه من أهل زمانه وقال الشاعر
المادحون اليوم أهل زمانناأولى من الهاجين بالحرمان
ذهب الذين يهزهم مداحهمهز الكماة عوالي المرّان
كانوا إذا مدحوا رأوا ما فيهمفالأريحية منهم بمكان
وقال بشار بن برد لقد عشت في زمان وأدركت أقواماً لو اختلقت الدنيا ما تجملت إلا بهم وأنا الآن في زمان ما أرى فيه عاقلاً حصيفاً ولا فاتكاً ظريفاً
ولا ناسكاً عفيفاً ولا جواداً شريفاً ولا خادماً نظيفاً ولا جليساً خفيفاً ولا من يساوي على الخبرة رغيفاً وأنشد
فما الناس بالناس الذين عهدتهمولا الدار بالدار التي كنت أعرف
ابن الرومي
أيست من دهري ومن أهلهفليس فيهم أحد يرتضي
إن رمت مدحاً لم أجد أهلهأو رمت هجواً لم أجد عرضا
وله
قيل لي لم ذممت كل البراياوهجوت الأنام هجواً قبيحا
قلت هب أنني كذبت عليهمفأروني من يستحق المديحا
بعض العرب
ذهب الذين إذا رأوني مقبلاًهشوا إليّ ورحبوا بالمقبل
وبقيت في خلف كان حديثهمولغ الكلاب تهارشت في المنزل
ابن منير الطرابلسي
قالوا هجرت الشعر قلت ضرورةباب الدواعي والبواعث مغلق
فسد الزمان فلا كريم يرتجىمنه النوال ولا مليح يعشق
ابن البهاريه
خذ جملة البلوى ودع تفصيلهاما في البرية كلها إنسان
وإذا البياذق في الدسوت تفرزنتفالرأي أن تتبيذق الفرزان
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع