من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)
احتجاج من أمسك عن الكلام من غير خرس
وخاف من الملام فحذر واحترس قال الأحنف بن قيس اللسان قيمة الانسان فمن قومه زادت قيمته وقال أكثم بن صيفي هلك الانسان في طول اللسان وقال سفيان الثوري لأن أرمى عدوي بسهمي خير له من أن أرميه بلساني لأن رمي اللسان لا يخطئ ورمى السهم يصيب ويخطئ قال الشاعر
ورب كلام قد جرى من ممازحفساق إليه سهم حتف معجل
وقال ابن مسعود لسانك سيف قاطع يبدأ بك وكلامك سهم نافذ يرجع عليك فاقتصد في المقال وإياك وما يوغر صدور الرجال وقال أعرابي الكلمة أسيرة في وثاق الرجل فإذا تكلم عاد أسيراً في وثاقها اجتمع أربعة من الملوك على أربع كلمات تواردوا فيها موارد النصائح وأخرجوا درر معانيها من بحار القرائح قال كسرى أنا على ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت وقال ملك الصين أنا إذا تكلمت بالكلمة ملكتني وإذا لم أتكلم بها ملكتها وقال ملك الهند عجبت لمن يتكلم بالكلمة إن ذكرت عنه ضرت وإن لم تذكر عنه لم تنفعه وقال قيصر لأن أندم على ما لم أقل أحب إلي من أن أندم على ما قلت فهذه كلمات صدرت عن صدور صافية من كدر الغل وغشه ليتحذر بها العاقل من لدغ الكلام ونهشه وقالوا من أطلق لسانه بما يحب كان أكثر مقامه حيث لا يحب وقال ﷺ ما أعطى العبد شراً من طلاقة اللسان وقال لقمان لابنه يا بني إن من الكلام ما هو أشد من الحجر وأنفذ من الأبر وأمر من الصبر وأحر من الجمر وإن من القلوب مزارع فازرع فيها الكلمة الطيبة فإن لم تنبت كلها نبت بعضها وقال زياد إن الرجل ليتكلم بالكلمة يقطع بها ربقة عنز فتبلغ امامه فيسفك دمه ويقال حفظ اللسان راحة الانسان وقال صعصعة بن صوحان طول اللسان يقصر الأجل وخطأ القول يصيب المقتل ويقال من خزن لسانه حقن دمه ومن ملك كلامه أمن ندمه فاللسان سيف مرهف لا ينبو حده والكلام سهم مرسل لا يمكن رده وقال بعض الحكماء الجاهل يستعجل باظهار المعاني قبل
أحكامها واخراجها وإن لم يحن أوان تمامها فإذا سددها تخطى غرض الصواب وقال الخبرارزي
إذا ما لسان المرء أكثر هدرهفذاك لسان بالبلاء موكل
إذا شئت أن تحيا عزيزاً مسلماًقد بر وميز ما تقول وتفعل
ومما اخترت من كلام الحكماء الأعلامفي مدح الصمت وذم الكلام
قول رسول الله ﷺ لمعاذ أنت سالم ما سكت وإذا تكلمت فلك أو عليك وقال ابن مسعود إن كان الشؤم في شيء ففي اللسان وقال أبو نواس
خلّ جنبيك لزاموامض عنه بسلام
مت بداء الصمت خيرلك من داء الكلام
ربما استفتحت بالنطق مغاليق الحمام
إنما السالم من ألجم فاه بلجام
وقالوا صمت يعقب الندامة خير من نطق يسلب السلامة وقالوا الصمت زين الحلم وعوذة العلم يلزمك السلامة ويصحبك الكرامة ويكفيك مؤنة الاعتذار ويلبسك ثوب الوقار وقال الشاعر
الصمت زين والسكوت سلامةفإذا نطقت فلا تكن مكثاراً
ما إن ندمت على سكوتي مرّةولقد ندمت على الكلام مرارا
وقالوا لسانك كالسبع إن عقلته حرسك وإن أرسلته افترسك ويقال اخزن لسانك كما تخزن مالك واعرفه كما تعرف ولدك وزنه كما تزن نفقتك ونفق منه بقدر وكن منه على حذر فإن انفاق ألف درهم في غير وجهها أيسر
من اطلاق كلمة في غير حقها وقال الشاعر
احفظ لسانك واحتفظ من شرّهإنّ اللسان هو العدوّ الكاشح
وزن الكلام إذا نطقت بمجلسفيه يلوح لك الصواب اللائح
والصمت من سعد السعود بمطلعتحيا به والنطق سعد الذابح
وقال بعض الحكماء عليك بالصمت وإن أصبت في القول وبرزت في الفضل فإنه زينة العاقل وحلية الفاضل شاعر
احفظ لسانك أن تقول فتبتليإن البلاء موكل بالمنطق
آخر
وزن الكلام إذا نطقت فإنمايبدي الرجال من الستور المنطق
وقالوا
رب كلمة جلبت مقدوراًوخربت دوراً وعمرت قبوراً شاعر
إذا المرء لم يخزن عليه لسانهفليس على شيء سواه بخازن
آخر
احفظ لسانك أيها الانسانلا يلدغنك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانهكانت تخاف لقاءه الأقران
وقالوا كلام الرجل بيان فضله وترجمان عقله فاقصره على الجميل واقتصر منه على القليل وإياك وما يسخط سلطانك ويوحش اخوانك فمن أسخط سلطانه تعرض للمنية ومن أوحش اخوانه تبرأ من الحرية شاعر
يدل على جهل الفتى فضل نطقهونطق أخي العقل الرصين قليل
وإنّ لسان المرء ما لم يكن لهحصاة على عوراته لذليل
وما أحسن عذر من غص بالملامعلى كثرة صمته وقلة الكلام
حيث قال
قالوا نراك كثير الصمت قلت لهمما طول صمتي من عيّ ولا خرس
الصمت أحمد في الأشياء عاقبةوأزين الآن لي من منطق شكس
أأنشر البز فيمن ليس يعرفهوأنثر الدّر للعميان في الغلس
ومن الخرافات الموضوعة على ألسنة الحيوانات في مدح الصمت وذم الكلام أنه اجتمع برغوث وبعوضة فقالت البعوضة للبرغوث إني لأعجب من حالي وحالك أنا أفصح منك لساناً وأرجح ميزاناً وأوضح بياناً وأكبر منك شباباً وأكثر طيراناً ولي في بحر العبودية سباحة وفي ساحته سياحة ومع هذا كله فقد أحاط بي الفضوع وأحرمني الجوع الهجوع وأنت على علاتك في جميع حالاتك تأكلي وتشبعي وفي نواعم الأبدان ترتعي قالت نعم أنت بين العالم مطنطنة وعلى رؤسهم مدندنة وطول لسانك سبب حرمانك وأما أنا فالتلطف صناعتي والصمت بضاعتي وإنما توصلت إلى قوتي بسكوتي
ومما له في هذا الموضعمن النفوس حسن موقع
حفظ الأسرار أن تدالعلى الأحرار والأنذال
قال الله تعالى حكاية عن قول يعقوب ليوسف ﵉ حين قص عليه رؤياه فعلم منها بدء أمره ومنتهاه يا بني لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيداً وقال رسول الله ﷺ استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان وكان عيه الصلاة والسلام إذا أراد غزاة ورى بغيرها ومن أمثالهم صدرك أوسع لسرك ويقال إذا انتهى السر من الجنان إلى عذبة اللسان فالاذاعة مستولية عليه وعيون الحوادث تنظر شزراً إليه وقال
عمرو بن العاص الصدور خزائن الأسرار والشفاه أقفالها والألسن مفاتيحها فليحفظ كل امرئ مفتاح سره وقالوا إذا ضاق صدرك عن نجواك فكيف تستكتمه سواك وقال بعض الحكماء سرك من دمك فلا تجره في غير أوداجك فإنك متى تكلمت به أرقته وكما أنه لا خير في آنية لا تمسك ما فيها فكذلك لا خير في لسان لا يملك سره وقال آخر كن على سرك أحرص منك على حقن دمك وقالوا سرك أسيرك فإن بذلته كنت أسيره ابن نباتة السعدي
صن السر عن كل مستخبروحاذر فما الحزم إلا الحذر
أسيرك سرّك إن صنتهوأنت أسير له إن ظهر
آخر
ولا تخبر بسرك بل أمتهوصير في حشاك له حجايا
فما أودعت مثل القلب سرّاولا أغلقت مثل الصدر بابا
وقال عمرو بن العاص ما وضعت سري عند أحد وأفشاه فلمته لأني كنت أضيق صدراً منه حين استودعته إياه وقال الشاعر
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسهفصدر الذي يستودع السرّ أضيق
إذا المرء أفشى سرّه بلسانهولام عليه غيره فهو أحمق
وقال معاوية الحازم من كتم سره عن صديقه مخافة أن تنتقل صداقته فيذيع سره شاعر
احذر عدوّك مرّةواحذر صديقك ألف مرّة
فلربما انقلب الصديق فكان أعلم بالمضمّرة
وكان يقال الكاتم سره بين إحدى فضيلتين الظفر بحاجته أو السلامة من شر اذاعته ويقال أصبر الناس من صبر على كتمان سره فلم يبده لصديقه وقال آخر كتمانك سرك يعقبك السلامة وافشاؤه يعقبك الندامة والصبر على كتمان السر أيسر من الندامة على إفشائه إبراهيم بن خفاجة
لا تودعنّ ولا الجماد سريرةفمن الجوامد ما يشير وينطق
وإذا المحك أذاع سرّاخ لهوهو النضار فمن به يستوثق
وقال الأحنف أدنى أخلاق الشريف كتمان سره وأعلى أخلاقه كتمان ما أسر إليه قال الشاعر
ولست بمبد للرجال سريرتيولا أنا عن أسرارهم بسؤل
ولا أنا يوماً للحديث سمعتهإلى ههنا من ههنا بنقول
آخر
تبوح بسرك ضيقاً بهوتحسب كل أخ يكتم
وكتمانك السر ممن تخافومن لا تخافهم أحزم
إذا ذاع سرّك من مخبرفأنت إذا لمته ألوم
وقال كعب بن زهير
لا تفش سرّك إلا عند ذي ثقةأولاً فأفضل ما استودعت أسرارا
صدراً رحيباً وقلباً واسعاً صمتاًلم تخش منه لما أودعت اظهارا
وقيل لأبي مسلم الخراساني بأي شيء أدركت ما أدركت قال ائتزرت بالحزم وارتديت بالكتمان وحالفت الصبر وساعدني القدر فأدركت مرادي وحزت ما في نفسي ثم أنشد
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزتعنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
ما زلت أسعى عليهم في دمارهموالقوم في غفلة بالشام قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتهبوامن نومة لم ينمها قبلهم أحد
ومن يدع غنماً في أرض مضيعةونام عنها تولى رعيها الاسد
وأما المزاح وما ورد فيهعمن أباحه ومن يجافيه
فيروى عن النبي ﷺ إنه قال من مزح استخف به وقال آخر تجنب شؤم الهزل ونكد المزاح فإنهما بابان إذا فتحا لم يغلقا إلا بعد عسر وفحلان إذا القحا لم ينتجا غير ضر وقالوا المزاح يضع قدر الشريف ويذهب هيبة الجليل وقال حكيم لولده يا بني إياك والمزاح فإنه يذهب بهاء الوجه ويحط من المروأة شاعر
ألا رب قول قد جرى من ممازحفساق إليه الموت في طرف الحبل
وإنّ مزاح المرء في غير حينهدليل على فرط الحماقة والجهل
آخر
إياك إياك المزاح فإنهيطمع فيك الطفل والرجل النذلا
ويذهب ماء الوجه بعد بهائهويورث بعد العز صاحبه ذلا
ويقال أوكد أسباب القطيعة المزاح وإن كان لا غنى للنفس عنه فليكن بمقدار ما يحتاج الطعام من الملح كما قال أبو العباس البستي
أفد طبعك المكدود بالهم راحةبراح وعلله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكنبمقدار ما تعطي الطعام من الملح
وقال سعيد بن العاص لولده اقتصد في مزاحك فإن الافراط فيه يذهب البهاء ويجرئ السفهاء ويقال المزح أوله فرح وآخره ترح شاعر
امزح بمقدار الطلاقة واجتنبمزحاً تضاف به إلى سوء الأدب
لا تغضبن أحداً إذا مازحتهإنّ المزاح
على مقدّمة الغضب
أبو جعفر الطبري
لي صاحب ليس يخلولسانه من جراح
يجيد تمزيق عرضيعلى سبيل المزاح
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع