من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)
إذ فلهما من سوء التدبير
قال الله تعالى ولا تبذر تبذيراً إن المبذرين كانوا أخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً وقال ﷺ من السرف أن تأكل كل ما شئت وقال ﷺ آفة الجود السرف والسرف اسم لما جاوز الجود وقالوا السرف هو أن يكون الرجل لا يبالي فيما يشتري أو يبيع أو يغبن أو يغبن فيبيع بوكس ويشتري بفضل وهذا كما قبل الحر يتغابن في ابتياع الحمد ولا يتغابن في الشراء والبيع وقيل لعبد الله بن جعفراً بإنك تعطى الكثير إذا سئلت وتضيق في القليل إذا عوملت فقال أجود بمالي وأضن بعقلي وقالوا السخاء خلق مستحسن ما لم ينته إلى سرف وتبذير فإنه من بذل جميع ما يملكه لمن لا يستحقه لم يسم سخياً وإنما يسمى مبذراً مضيعاً وقال معاوية ما رأيت سرفاً قط إلا وإلى جانبه حق مضيع وقالوا يوشك من أنفق سرفاً أن يموت أسفاً وقالوا ما وقع تبذير في كثير إلا هدمه ودمره ولا دخل تدبير في قليل إلا كثره وأثمره وقال معاوية لولده يزيد إنك إن أعطيت مالك في حق الحق يوشك أن يجئ الحق وليس معك ما تعطي فيه وقالوا تطول ولا تطاول وقال أبو بكر ﵁ إني لأبغض أهل بيت ينفقون رزق الأيام في اليوم الواحد وقالوا السرف في الانفاق يفسد من النفس بمقدار ما يصلح من العيش وقال عبد الله بن الزبير في محاورة جرت بينه وبين ابن عباس إن السرف من طينة السخاء ولكنه جاوز الحق وما بعد الحق إلا الضلال وكان أبو الأسود الدؤلي يقول يا بني إذا بسط الله عليك فابسط وإذا أمسك عنك فأمسك ولا تجاوده فإنه أكرم منك وأجود واسم أبي الأسود ظالم ابن عمرو يعد في التابعين والمحدثين والشعراء والنحويين والبخلاء والعرج والمفاليج والبخر وقالوا التدبير ينمي اليسير والتبذير يدمر الكثير وليم هشام بن عبد الملك على الامساك في العطاء فقال إنا لا نعطي تبذيراً ولا نمسك تقتيراً إنما نحن خزائن
الله في بلاده وأمناؤه على عباده فإذا شاء أعطينا وإذا كره أبينا ولو كان كل قائل يصدق وكل سائل يستحق ما جبهنا قائلاً ولا رددنا سائلا وربما عوقب المبذر بالافلاس وصير بالفقر مثلة بين الناس قال الأصمعي قصد رجل من أهل الشام منزل إبراهيم بن هرمة فإذا بنت له صغيرة تلعب بالطين فقال لها ما فعل أبوك قالت وفد إلى بعض الأجواد فمالنا علم من عهد فقال لها قولي لأمك تنحر لنا ناقة فإني وأصحابي أضيافها فقالت والله ما نملكها قال فشاة قالت والله ما نجدها قال فدجاجة قالت والله ما هي لنا في منزل قال فأعطينا بيضة قالت من أين البيضة إذا لم تكن الدجاجة قال فباطل ما قال أبوك حيث يقول
كم ناقة قد وجأت منحرهابمستهلّ الشؤبوب أو جمل
لا استع العوّذ النصال ولاأبتاع إلا قريبة الأجل
لا غنمي في الحياة مدّلهاإلى دراك العلا ولا ابلي
قالت فذاك الفعل من أبى أصارنا أن ليس عندنا شيء فتركها ومضى وكان عبد الله بن جعفر من الأجواد الذين يعمون بجودهم طوائف العباد وانتهى به الافلاس وضيق اليد إلى أن سأله رجل فقال له إن حالي متغيرة بجفوة السلطان وحوادث الزمان ولكني أعطيك ما أمكنني فأعطاه رداء كان عليه ثم دخل منزله وقال اللهم استرني بالموت فما أتى بعد دعوته إلا أيام حتى مرض ومات رضي الله تعالى عنه وفد أبو الشمقمق على محمد بن مروان بنيسابور يريد محمد بن عبد السلام فلما دخلها صار إلى منزله فأخبر أنه في دار الخراج مطالب فقصده ودخل عليه وهو قائم في الشمس وعلى عنقه صخرة عظيمة فتغير له فلما رآه محمد قال
ولقد قدمت على رجال طال ماقدم الرجال عليهم فتموّلوا
أخنى الزمان عليهم فكأنهمكانوا بأرض أقفرت فتحوّلوا
فقال أبو الشمقمق
الجود فلسهم وغير حالهمفاليوم إن سئلوا النوال تبخلوا
دخل مالك بن دينار على أبي عون في الحبس وكان قد ضربه بلال بن أبي بردة بالسياط وإذا في الحبس جماعة من عمال السلطان في الحديد فلم يلبث أن حضر غداؤهم فجعل الخدم ينقلون ألوان الأطعمة فقيل له يا أبا يحيى هلم فقال لا أريد أن آكل مثل هذا ولا أن يوضع في رجلي مثل هذا وأشار إلى القيد وكان للأعمش صديق متصرف في عمل السلطان فبقى عليه مال فحبس فيه فزاره الأعمش منغمساً له فلما دخل عليه رأى بين يديه سلة فيها فالوذج وهو يتغذى منها فقال والله ما لازمت الوثاق إلا باسرافك في الانفاق فلو قنعت نفسك وعفت يدك لم يكن مضيق السجن مقعدك ولهذا الافلاس أكثر الناس كلامهم في التحذير من عواقب التبذير وما أحسن قول الفقيه منصور ﵀
توب وكسرة وخبزوبيت كنّ وأمن
ألذ من كل ملكعقباه ضرب وسجن
ومما يعد من الاسراف في البذل اصطناع المعروف إلى اللئيم والنذل قالوا حد الجود أن يبذل الرجل ماله حيث يجب البذل ويحفظه حيث يمكن الحفظ ومن بذل مكان الامساك فهو مبذر ومن أمسك مكان البذل فهو بخيل وقالوا من الحزم أن تعلم أن مالك لا يسع الناس كلهم فتوخ به أهل الحق عليك وإن كرامتك لا تسع المقلين فاخصص بها أهل الفضل والمروأة ومن تمسه الحاجة إليك والاعطاء بعد المنع أجمل من المنع بعد الانعام وقال لقمان المعروف كنز فانظر من تودعه وقال عبد الملك بن المقفع إن مالك لا يسع الناس فاخصص به ذوي الكرم من أهلك وخاصتك ودع الأجانب جانباً وقال
صالح بن عبد القدوس سامحه الله
لا نجد بالعطاء في غير حقليس في منع غير ذي الحق بخل
إنما الجود أن تجود على منهو للبذل منك والجود أهل
آخر
لا تصنع المعروف في ساقطذاك صنيع ساقط ضائع
وضعه في حرّ كريم يكنعرفك مسكا عرفه ضائع
وقالت الحكماء أصل كل عداوة اصطناع المعروف إلى اللئام وقالوا الاحسان إلى اللئيم أضيع من الرسم على بساط الماء والخط على بسيط الهواء وقالوا زوال الدول باصطناع السفل وقالوا كن جواداً في موضع الجود فإن أحمد جود الحر الانفاق في وجه البر وقال بعضهم لا حسرة أعظم من نعمة أسديت إلى غير ذي حسب ولا مروأة وقال آخر لا تصنعوا إلى ثلاثة معروفاً اللئيم فإنه بمنزلة الأرض السبخة لا يظهر فيها البذور وذلك لا يظهر فيه المعروف والفاحش فإنه يرى أن الذي صنعت معه إنما هو مخافه فحشه والأحمق فإنه لا يدري قدر ما أسديت إليه ولا يشكرك عليه قال الشاعر
لعمرك ما المعروف في غير أهلهوفي أهله إلا كبعض الودائع
فمستودع ضاع الذي كان عندهومستودع ما عنده غير ضائع
وما الناس في كفر الأيادي وشكرهاإلى أهلها إلا كبعض المزارع
فمزرعة أجدت فأضعف زرعهاومزرعة أكدت على كل زارع
وقالوا واضع المعروف في غير أهله كالمسرج في الشمس والزارع في السبخ قال الشاعر
ومن يصنع المعروف من غير أهلهيلاقي كما لاقى مجير أمّ عامر
أعدّ لها لما استجارت ببيتهأحاليب ألبان اللقاح الدوائر
وأمسكها حتى إذا ما تمكنتفرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء منيجود بمعروف على غير شاكر
آخر
عليك بذي الأقدار فاكسب ثناءهمفمالك في غير الأكارم ضائع
وما مال من أعطى الكرام بناقصولكنه عند الكرام ودائع
آخر
إذا ما بدأت أمرأ جاهلاببر فقصر عن حمله
ولم تلقه قابلاً للجميلولا عرف العز من ذله
قسمه الهوان فإنّ الهواندواء لذي الجهل من جهله
وقالوا العاقل يتخير لمعروفه كما يتخير الباذر ما زكا من الأرض لبذهر وقالوا رأس الرذائل اصطناع الأراذل وقال الشاعر
متى تسد معروفاً إلى غير أهلهرويت ولم تظفر بحمد ولا أجر
ما احتج به سراة الأشراففي تحسين التبذير والاسراف
قد كنا قدمنا في أول فصل من هذا الباب جملة مما ورد عن الكرماء في الحص على انتهاز الفرصة بالانفاق ثقة بالخلف من الكريم الرزاق ما فيه كفاية فلم يقنعنا ذلك فذكرنا في هذا الموضع ما استدركناه ليتم لنا الغرض المقصود فيما نحوناه من كل مستحسن بديع لسر البراعة بلسان البراعة يذيع من ذلك قول الله تعالى وهو أصدق القائلين وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين وقول النبي ﷺ ينادي مناد كل ليلة اللهم اجعل لكل منفق خلفاً ولكل ممسك تلفاً وقوله ﷺ أنفق بلال ولا تخش من ذي
العرش اقلالا ولقد أجاد على ابن ذكوان في قوله
انفق ولا تخش اقلالا فقد قسمتبين العباد مع الآجال أرزاق
لا ينفع البخل مع دنيا موليةولا يضر مع الاقبال انفاق
وحكى إن علي بن موسى الرضا ﵁ وعن آبائه الكرام فرق في يوم عرفة وكان بخراسان ماله كله فقال له الفضل بن سهل ما هذا المغرم قال بل هو المغنم لا تعدن ما ابتغيت به أجراً أو كرماً مغرما وكان النبي ﷺ لا يدخر شيأً لغد وقال بعض الحكماء أنفق في الحقوق ولا تكن خازناً لغيرك فإن اغتممت على ما نقص من مالك فابك على ما نقص من عمرك فإنه من لم يعمل في ماله وهو موجود عمل في ماله وهو مفقود وقال بزرجمهر إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق منها فإنها لا تفنى وإذا أدبرت عنك فأنفق منها فإنها لا تبقى طاهر بن الحسين ناظماً لهذا المعنى
لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلةفليس يذهبها التبذير والسرف
فإن تولت فأحرى أن تجود بهافالحمد منها إذا ما أدبرت خلف
ويقال أنفق وأسرف فإن الشرف في السرف وقيل للحسن بن سهل وكان معطاء لا خير في السرف فقال لا سرف في الخير وهذا من بديع الكلام وذلك إنه عكس على المنكر كلامه فكان جواباً له وردا عليه من غير أن يزيد فيه ولا ينقص منه وقال الراضي بالله يخاطب لائماً لأمه على السرف
لا تكثرن عذلي على الاسرافربح المحامد متجر الأشراف
أجرى كآبائي الخلائف سابقاًوأشيد ما قد أسست أسلافي
إني من القوم الذين أكفهممعتادة الاتلاف والاخلاف
آخر
قامت تلوم على بذل النوال وليبه ولوع فقلت اللوم في الباقي
لا تجزعي أن ترى بي فاقة أبدافمن خزائن رب العرش انفاقي
آخر
ألا لا تلمني على بذل ماليفصوني لعرضي بمالي جمالي
وصوني لمالي بعرضي فسادلعرضي وديني وجاهي ومالي
الصولي
لا تلومنني فهمك إنأثرى وهمي مكارم الأخلاق
ليس يستطيع حفظ ما ملكتكفاه من ذاق لذة الانفاق
وقال المأمون لمحمد بن عباد بلغني أن فيك سرفاً فقال يا أمير المؤمنين منع الجود سوء الظن بالمعبود فقال المأمون لا يحسن السرف إلا بأهل الشرف
وقال البحتري يمدح معطاءأسبل الكرم عليه غطاء
كرم دعتك به القبائل مسرفاما مسرف في المكرمات بمسرف
وقال آخر يحض على الاسراف في الصنائع
ذهاب المال في حمد وأجرذهاب لا يقال له ذهاب
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع