من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)
وملح الوافدين والقصاد
فمما يجب أن يقدم فيما يممناهتلطف الراغب لينال ما تمناه
يقال التلطف في السؤال سبب لتحصيل النوال وقالت الحكماء لطف الاستماح سبب النجاح وقال العتابي إذا طلبت حاجة إلى ذي سلطان فأجمل في الطلب إليه وإياك والالحاح عليه فإن اللحاحة تكلم عرضك وتريق ماء
وجهك فلا تأخذ عوضاً مما أخذ منك ولعل الالحاح يجمع عليك أخلاق الوقاح وحرمان النجاح ولقد أحسن الأدب القائل
وإذا طلبت إلى كريم حاجةفلقاؤه يكفيك والتسليم
فإذا رآك مسلماً عرف الذيحملته فكأنه ملزوم
نقض بعضهم هذا بقوله
حث الجواد على الندى وتقاضهبالوعد واحمله على الانجاز
ودع الوثوق بطبعه فلربمانشط الجواد بشوكة المهماز
وقال بعضهم مقيماً عذر من منع
وإذا طلبت إلى كريم حاجةفأبى فلا تقعد عليه بحاجب
فلربما ضن الجواد وما بهبخل ولكن سوء حظ الطالب
فمن أحاسن بدائع ما تلطف به من استماحمن الكلام الخادع لذوي السماح
ما حكى أن زياد بن أبيه نظر إلى أعرابي يأكل على مائدته أكلاً ذريعاً وهو من أقبح الناس وجهاً فقال يا أعرابي كم عيالك قال سبع بنات أنا أجمل منهن وهن آكل مني فضحك زياد وقال لله درك ما ألطف جوابك افرضوا لكل واحدة منهن مائة دينار وعجلوا لهن ذلك وقد روى الأصمعي هذه الحكاية وذكر أنها جرت لسعيد بن المحسن مع زياد وأنه لما وصله ووصل أولاده خرج وهو ينشد
إذا كنت مرتاد السماحة والندىفبادر زياداً أو أخاً لزياد
يجبك امرؤ يعطي على الحمد مالهإذا ضن بالمعروف كل جواد
ومالي لا أثني عليه وإنماطريقي من معروفه وتلادي
وحكى أن نصيباً قال لعبد الملك بن مروان يا أمير المؤمنين إن لي بنات نفضت عليهن من سوادي فضحك منه وأمر له بصلة وقال المأمون للعتابي سلني فقال يداك بالنوال انطق من لساني بالسؤال وقصد بعض الشعراء معن بن زائدة الشيباني يستجديه فأذن عليه فلم يأذن له الحاجب وكان معن في بستان له فعمد الشاعر إلى قطعة خشب وكتب عليها
أيا جود معن ناج معنا بحاجتيفمالي إلى معن سواك رسول
وأرسلها في ساقية تصل إليه فلما وصلت إليه وقرأها أذن له ووصله بعشرة آلاف درهم وأمر المأمون محمد بن حازم أن يرتجل بيتين من الشعر فقال
أنت سماء ويدي أرضهاوالأرض قد تأمل غيث السماء
فازرع يداً عندي محمودةتحصد بها مني حسن الثناء
فاستحسن ذلك منه وأعطاه عشرة آلاف درهم سأل أعرابي عبد الملك ابن مروان فقال له سل الله تعالى فقال قد سألته فأحالني عليك فضحك منه وأعطاه وقدم على مخلد بن يزيد بن المهلب رجل كان قد ازدراه فأجازه فقال ألم تكن قد أتيتنا فأجزناك قال بلى قال فما ردك قال قول الكميت فيك
سألناه الجزيل فما تلكىوأعطى فوق منيتنا وزادا
وأحسن ثم أحسن ثم عدنافأحسن ثم أحسن ثم عادا
مراراً لا أعود إليه إلاتبسم ضاحكاً وثنى الوسادا
فاضعف له ما كان أعطاه وقد نسب ابن عبدوس هذه الأبيات لزياد بن عمرو العتكي في عبد الرحمن بن زياد في كتاب الوزراء له ودخل أعرابي على
خالد ابن عبد الله القسري فقال
أخالد إني لم أزرك لحاجةسوى إنني عاف وأنت جواد
أخالد بين الحمد والأجر حاجتيفأيهما تأتي فأنت عماد
فقال له خالد سل حاجتك قال مائة ألف درهم قال خالد أسرفت فاحططنا منها قال حططتك ألفاً فقال خالد ما أعجب ما سألت وما حططت فقال لا يعجب الأمير سألته على قدره وحططته على قدري فضحك منه وأمر له بما طلب وسأل رجل أسد بن عبد الله فقال إني لا أسألك من حاجة ولكني رأيتك تحب من أعطيت فأحببت أن تحبني فأعطاه عشرة آلاف درهم وقصد تمام بن حبيب ابن أوس الطائي عبد الله بن طاهر بعد موت أبيه أبي تمام فاستنشده فانشده
حياك رب الناس حياكاإذ بجمال الوجه رواكا
بغداد من نورك قد أشرقتوأورق العود بجدواكا
فأطرق عبد الله ساعة ثم قال
حياك رب الناس حياكاإنّ الذي أملت أخطاكا
أتيت شخصاً قد خلا كيسهولو حوى شيأً لأعطاكا
فقال أيها الأمير إن بيع الشعر بالشعر ربا فاجعل بينهما فضلاً من المال فضحك منه وقال لئن فاتك شعر أبيك فما فاتك ظرفه وأمر له بصلة وقف رجل لعبد الله بن طاهر في طريقه فناشده أن يقف له حتى ينشده ثلاثة أبيات فوقف وقال له قل فأنشده
إذا قيل أيّ فتى تعلمونأهش إلى البائس والنائل
واضرب للهام يوم الوغىواطعم في الزمن الماحل
أشار إليك جميع الأناماشارة غرقى إلى الساحل
فأمر له بخمسين ألف درهم وكتب أحمد بن أبي طاهر إلى إسمعيل بن بلبل رقعة يذكر فيها اختلال حاله وفي آخر الرقعة
يا سيداً لم يزلغيثاً لكل مؤمليه
إن كنت أملك درهماًفكفرت بالمنقوش فيه
فبعث إليه بثلاثة آلاف دينار حكى أن أعرابياً وفد على معن بن زائدة فلما مثل بين يديه قال ممن الرجل قال رجل من العرب وهم أصلك وقومك فلا تشغلني بالسؤال عما هم فيه من سوء الحال قال فما حاجتك قال نأي بلدي وكثرة ولدي وضعف جلدي وقلة ذات يدي فأتيتك يا مغيث اللهيف وجابر الضعيف آملاً لجودك راجياً لزودك قال فهل من قرابة تمت بها أو يد تتوسل بمثلها قال أنت أفضل من أن يبتدئ مثلي يداً إلى مثلك أو يتوسل إليك بغير فضلك أو تتمحل الحيل عليك بذلك وقد قلت في ذلك شعراً قال هاته فأنشد
أيا جود معن ناج معنا بحاجتيفمالي إلى معن سواك شفيع
قال إذا لا أشفعه فيك فقال الأعرابي ما أنت بالبخيل فأوجه الذم إليك ولا أوليت ما يحسن ثنائي عليك ثم انصرف وهو يقول
بأيّ الخصلتين عليك أثنىفإني عند منصرفي سؤل
أيا لحسنى وليس لها ضياءعليّ فمن يصدّق ما أقول
أم الأخرى تكون فتلك عارعلى من دأبه الفعل الجميل
فرق له وأجزل صلته وفد على أبي دلف قاسم بن عيسى العجلي مستجدياً فأقام ببابه مدة لا يصل إليه فكتب في رقعة هذه الأبيات
ماذا أقول إذا أتيت معاشراًصفراً يدي من عند أروع مفضل
إن قلت أعطاني كذبت وإن أقلضنّ الجواد بماله لم يجمل
أم ما أقول إذا سئلت وقيل ليماذا أفدت من الأمير المجزل
ولأنت أعلم بالمكارم والعلامن أن أقول فعلت ما لم تفعل
فاختر لنفسك ما أقول فإننيلا بدّ أعلمهم وإن لم أسأل
ودفعها فلما وقف عليها أبو دلف أمر له عن كل يوم أقامه ألف درهم وكتب خلف الرقعة
أعجلتنا فأتاك عاجل برّنانزراً ولو أمهلتنا لم نقلل
فخذ القليل وكن كأنك لم تسلونكون نحن كأننا لم نسأل
ويحكى أن أبا دلامة دخل على المنصور فأنشده
باتت تعاتبني من بعد رقدتهاأمّ الدلامة لما هاجها الجزع
وقالت ابتع لنا نخلاً ومزدرعاًكما لجيراننا نخل ومزدرع
خادع خليفتنا عنها بمسئلةإن الخليفة للتسآل ينخدع
فأمر أن يقطع ألف جريب عامرة وألف جريد غامرة فقال أبو دلامة أما العامرة فقد عرفته فما الغامرة قال ما لا يدركه الماء ولا يسقى إلا بالكلفة والمؤنة فقال أبو دلامة أشهدك يا أمير المؤمنين ومن حضر أني أقطعت عبد الملك بادية بني أسد فضحك المنصور وقال يا عبد الملك اكتب عامرة فقال أبو دلامة للمنصور ائذن لي في تقبيل يدك فلم يفعل فقال ما منعتني شيأً هو أهون على عيالي من هذا وكان المنصور يدخل البصرة في أيام بني أمية متستراً فيجلس في حلقة أزهر السمان المحدث فلما أفضت الخلافة إليه قدم عليه أزهر الكوفة فرحب به وقرب منزله وقال له ما الذي أقدمك علينا قال جئت طالباً فأمر له بعشرة آلاف درهم وقال له قد قضيت حاجتك فأخذها وانصرف ثم عاد إليه في قابل فلما رآه قال له ما جاء بك قال جئت مسلماً فأعطاه عشرة آلاف درهم وقال لا تأتنا طالباً ولا مسلماً فأخذها وانصرف ثم رجع إليه بعد عام فقال له ما الذي أقدمك علينا قال عائداً فوصله بعشرة
آلاف درهم وقال لا تأتنا طالباً ولا مسلماً ولا عائداً فأخذها وانصرف ثم عاد بعد سنة فلما رآه قال له ما الذي أتى بك قال دعاء كنت سمعته من أمير المؤمنين جئت لأكتبه فضحك المنصور وقال إنه غير مستجاب لأني دعوت الله به أن لا يريني وجهك فلم يستجب لي وقد أمرنا لك بعشرة آلاف درهم وتعال متى أردت فقد أعيتنا فيك الحيلة وكان المنصور مبخلاً جداً وسنذكر شيأً من أخباره في باب البخلاء إن شاء الله تعالى وقصد الحكم بن عبدك الشاعر أسماء بن خارجة فأنشده
أغفيت قبل الصبح نوم مسهدفي ساعة ما كنت قبل أنامها
فرأيت أنك رعتني بوليدةمغناجة حسن لديّ قيامها
وببدرة حملت إليّ وبغلةشهباء ناجبة تصك لجامها
فسالت ربي أن يثيبك جنةعوضاً يصيبك بردها وسلامها
فقال له أصبت كل شيء رأيته عندنا إلا البغلة فإنها دهماء فقال أذكرتني أيها الأمير فإني ما رأيتها إلا دهماء فضحك منه أسماء وأمر له بكل ما سأل وحكى أبو الفرج الأصفهاني أن هذه الحكاية جرت لابن عبدك مع بشر بن مروان أخي عبد الملك والله أعلم بالصحيح من ذلك ودخلت امرأة من هوازن على عبيد الله بن أبي بكرة فوقفت بين السماطين وجعلت تلحظه وجهها مرة وتستره أخرى فلما أبصرها علم أن لها حاجة فقال لجلسائه ما عليكم أن تقوموا حتى تقول هذه المرأة حاجتها فتقدمت وقالت اصلح الله الأمير إني أتيتك من أرض شاسعة ترفعني رافعة وتخفضني واضعه لملمات قد أكلن لحمي وبرين عظمي وتركنني أغص بالجريض فضاق بي من البلد العريض وقد جئت بلداً لا أعرف فيها أحداً لا قرابة تكنفني ولا عشيرة تعرفني بعد أن سألت أحياء العرب من المرجو نائله المعطي سائله فأرسلت إليك ودللت عليك وأنا أصلحك الله امرأة قد هلك عنها الوالد وذهب عنها الطارف والتالد ومثلك يسد الخلة ويزيح العلة فأما أن تحسن صفدي وتقيم أودي وإما أن تردني إلى بلدي
فقال بل أجمع لك كل ما ذكرت ثم أمر لها بعشرة آلاف درهم وزاد وكسوة وراحلة أصاب الناس مجاعة على عهد هشام بن عبد الملك فدخل عليه درواس بن حبيب العجلي مع جماعة من قومه فقال يا أمير المؤمنين تتابعت علينا وعلى الناس سنون ثلاثة أما الأولى فأكلت اللحم وأما الثانية فأذابت الشحم وأما الثالثة فمصت العظم وفي أيديكم فضول أموال فإن تكن لله فاعطفوا بها على عباده وإن تكن لهم فعلام تحبسونها عنهم وتنفقونها اسرافاً وبداراً والله لا يحب المسرفين وإن تكن لكم فتصدقوا بها عليهم إن الله يجزي المتصدقين ولا يضيع أجر المحسنين فقال هشام لله أبوك ما تركت لنا واحدة من ثلاث وأمر بمائة ألف فقسمت في الناس وأمر لدرواس بمائة ألف درهم فقال يا أمير المؤمنين لكل واحد من المسلمين مثلها قال لا ولا يقوم بذلك بيت المال قال فلا حاجة لي بما يبعث على ذمك فالزمه بها فلما عاد إلى منزله قسم تسعين ألفاً في أحياء العرب وحبس عشرة آلاف له ولقومه فبلغ ذلك هشاماً فقال لله دره إن الصنيعة عند مثله تبعث على مكارم الأخلاق ومثلها ما يحكي أن عبد الملك بن مروان حبس عن الناس العطاء فدخل عليه أعرابي فقال يا أبا الوليد بلغني أن عندك مالاً فإن كان لله فاقسمه على عباده وإن يكن لك فتفضل به عليهم وإن يكن لهم فادفع إليهم أموالهم وإن يكن بينك وبينهم فقد أسأت شركتهم ثم ولي فقال عبد الملك اطلبوا الرجل فطلبوه فلم يقدر عليه فأمر للناس باعطياتهم
وممن أبرع من القصاد في المدح وأجادفاستحق به الصلة ممن سمح وجاد
دخل النابغة على النعمان بن المنذر بن ماء السما بن امرئ القيس بن عمرو ابن عدي اللخمي فحياه تحية الملوك ثم قال أيفاخرك ذو فائش وأنت سائس العرب وغرة الحسب واللات لأمسك أيمن من يومه ولعبدك أكرم من قومه ولقفاك أحسن من وجهه وليسارك أجود من يمينه ولظنك أصدق من يقينة ولوعدك أبلج من رفده ولخالك أشرف من جده ولنفسك امنع من جنده
وليومك أزهر من دهره ولفترك أبسط من شبره ثم أنشد
أخلاق مجدك جلت مالها خطرفي البأس والجود بين الحلم والخفر
متوّج بالمعالي فوق مفرقهوفي الوغى ضيغم في صورة القمر
إذا دجا الخطب جلاه بصارمهكما يجلي زمان المحل بالمطر
فتهلل وجه النعمان سروراً ثم أمر أن يحشي فوه دراً ويكسي أثواب الرضا وهي جباب أطواقها الذهب في قضب الزمرذ ثم قال النعمان هكذا فلتمدح الملوك وذو فائش المذكور هو سلامة بن يزيد بن سلامة من ولد يحصب بن مالك وكان النابغة متصلاً به قبل اتصاله بالنعمان وله فيه مدائح كثيرة مذكورة في ديوانه وفائش مشتق من المفايشة وهي المفاخرة قاله الأصمعي في اشتقاقه ودخل أبو العتاهية إسمعيل بن قاسم بن سويد العنبري العتبي على عمرو ابن العلاء مولى عمرو بن حريث الذي يقول فيه بشار بن برد من أبيات
إذا أرقتك جسام الأمورفنبه لها عمراً ثم نم
فتى لا يبيت على دمنةولا يشرب الماء إلا بدم
فأنشده أبياتاً يقول منها
إني أمنت من الزمان وريبهلما علقت من الأمير حبالا
لو يستطيع الناس من إحلالهلحذوا له حرّ الوجوه نعالا
إن المطايا تشتكيك لأنهاقطعت إليك سباسبا ورمالا
فإذا أتين بنا أتين مخفةوإذا رجعن بنا رجعن ثقالا
فأمر عمرو من حضر مجلسه أن يخلعوا عليه فخلعوا عليه حتى لم يقدر على النهوض لما عليه من الثياب فلما خرج حسده من كان ببابه من الشعراء
فبلغ عمراً الخبر فقال علي بهم فلما دخلوا عليه ومثلوا بين يديه قال لهم ما أحسد بعضكم لبعض يا معشر الشعراء إن أحدكم يريد مدحنا فينسب في قصيدته بخمسين بيتاً فما يبلغ مدحنا حتى تذهب حلاوة شعره وتعرى طلاوة رونقه وأبو العتاهية بدأ بذكرنا وختم بمدحنا ثم أرسل إلى أبي العتاهية أن أقم حتى أنظر في أمرك فأقام أياماً فلم ير شيأً وكان عمرو ينتظر ما لا يجئ إليه من بعض أعماله فابطأ عليه فكتب إليه أبو العتاهية هذه الأبيات
يا ابن العلا ويا ابن القرم مرداسإني مدحتك في صحبي وجلاسي
أثنى عليك ولي حال تكذبنيفيما أقول فاستحيي من الناس
حتى إذا قيل ما أعطاك من صفدطأطأت من سوء حال عندها راسي
فقال عمرو لحاجبه اكففه عني أياماً ففعل فلما طال على أبي العتاهية الانتظار كتب إليه يستحثه
أصابت علينا جودك العين يا عمروفنحن لها نبغي التمائم والنشر
أصابتك عين من سخائك صلبةويا رب عين صلبة تفلق الحجر
سنرقيك بالأشعار حتى تملهاوإن لم تفق منها رقيناك بالسور
فضحك عمرو وقال لصاحب بيت ماله كم عندك قال سبعون ألفاً قال ادفعها له واعذرني عنده ولا تدخله علي فإني أستحي منه ولقد أحسن ابن الرومي في مدح من رأى إنه قصر في عطائه فاعتذر منه
يعطي عطاء المحسن الخضل النديعفواً ويعتذر اعتذار المذنب
وما وقفت فيما طالعت من كتب الأدب على أحسن من قول القائل معتذراً من تقصيره في معروف أسداه
لو انبسطت فيما تؤمله يديلجدت به عفواً ولو أنه الدنيا
ولكنني والله والله والذيإليه الحجيج يقطعون الفلا سعيا
طويت هموماً لو أصيب ببعضهايد الدهر ما اسطاعت لا يسر هاطيا
خذ العفو واعذر صاحباً لو بنفسهيبرو بالدنيا غلامك لاستحيا
آخر
خلّ إذا جئته يوماً لتسألهأعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا
يخفي صنائعه والله يظهرهاإنّ الجميل إذا أخفيته ظهرا
وحكى جحظة البرمكي قال أنشد مقدس الخلوقي طاهر بن الحسين بن مصعب ابن زريق مولى طلحة الطلحات الخزاعي فمدحه فلم يثبه وتغافل عنه حتى ركب في حراقته فعارضه وقال له بحق رأس أمير المؤمنين ألا سمعت مني ثلاثة أبيات فأمر بإيقاف الحراقة وقال هات الأبيات فأنشده
عجبت لحراقة بن الحسين كيف تسير ولا تغرق
وبحران من فوقها واحدوآخر من تحتها مطبق
وأعجب من ذاك عيدانهاإذا مسها كيف لا تورق
فأمر له عن كل بيت بألف دينار وكان طاهر بن الحسين من الأجواد ذكر إنه جلس في مجلسه يوماً فنظر في قصص ورقاع فوقع عليها بصلات أحصيت فكانت ألف ألف درهم ركب الرشيد في بعض أسفاره ناقة فطلع عليه أعرابي فناشده
أغيثا تحمل الناقة أم تحمل هرونا
أم الشمس أم البدرأم الدنيا أم الدينا
الأكل الذي قلتهـ قد أصبح مأمونا
فأمر له بعشرة آلاف درهم قام رجل بين يدي خالد بن عبد الله القسري فقال أصلح الله الأمير قد قلت فيك بيتين ولست أنشدهما حتى تعطيني قيمتهما
قال وكم قيمتهما قال عشرون ألفاً قال أنشدهما فأنشد
قد كان آدم قبل حين وفاتهأوصاك حين تجود بالحوباء
ببنيه أن ترعاهم فرعيتهمفكفيت آدم عيلة الآباء
فأمر له بعشرين ألفاً وأن يجلد خمسين سوطاً وأن ينادي عليه هذا جزاء من لا يحسن قيمة الشعر وقف أعرابي لمعن بن زائدة في طريقه فأنشده
يا واحد العرب الذيأضحى وليس له نظير
لو كان مثلك في الورىما كان في الدنيا فقير
فأمر له بألفي درهم ومن حكاياته أن رجلاً قال له إني جعلت فضلك سببي إليك وكرمك وسيلتي عندك قال سل قال ألف درهم قال معن قد أربحتني أربعة آلاف درهم وإني حدثت نفسي أن أعطيك خمسة آلاف فقال أنت أكبر من أن تربح على مؤملك فأعطاه خمسة آلاف درهم وأنشد أعرابي
كتبت نعم ببابك حين تدعوإليك الناس مسفرة النقاب
وقلت الا عليك بباب غيريفإنك لن ترى أبداً ببابي
فأعطاه ألف دينار وحدث بعضهم قال كنا مع يزيد بن مزيد فإذا بصائح في الليل يا يزيد بن مزيد فقال علي بهذا الصائح فلما جئ به قال له ما حملك على أن ناديت بهذا الاسم فقال نقبت دابتي ونفدت نفقتي وسمعت قول الشاعر فتمنيت به فقال له وما قال الشاعر فأنشد
إذا قيل من للمجد والجود والندىفناد بصوت يا يزيد بن مزيد
فلما سمع مقاله هش له وقال له أتعرف يزيد بن مزيد قال لا والله قال أنا هو وأمر له بفرس أبلق كان معجباً به وبمائة قام أعرابي بين يدي داود بن المهلب وقال إني قد مدحتك فاسمع قال على رسلك ثم دخل بيته فتقلد
سيفه وخرج ثم قال قل فإن أحسنت حملناك وإن أسأت قتلناك فأنشد
أمنت بداود وجود يمينهمن الحدث المخشي والبؤس والفقر
وأصبحت لا أخشى بداود كبوةمن الدهر لما أن شددت به أزري
له حكم دواد وصورة يوسفوملك سليمان وعدل أبي بكر
فتى تفرق الأموال من جود كفهكما يفرق السلطان من ليلة القدر
فقال له قد حملناك فإن شئت على قدرنا وإن شئت على قدرك قال بل على قدري فأعطاه خمسين فقال له جلساؤه هلا احتكمت على قدر الأمير قال لم يكن في ماله ما يفي بقدره فقال له داود أنت في هذا أشعر منك في شعرك وأمر له بمثل ما أعطاه وفد رجل على بعض الأمراء فسأله حاجة فقضاها ثم سأله أخرى فقضاها حتى قضى له سبع حاجات فلما خرج من عنده قيل له ما فعل بك قال ما أدري ثم قال
لكن أخبركم عنه بنادرةلم يأتها قبله عرب ولا عجم
قرأ عليه كتاباً منه كاتبهإلى أخ وجبت منه له نعم
حتى إذا ما مضت لا في رسالتهقال استمع ثم لا يمضي بك الصمم
لا تكتبن بلافيها إلى أحدشق الكتاب ومر فليكسر القلم
وفد أعرابي على مالك بن طوق وكان زري الحال رث الهيئة فمنع من الدخول إليه فأقام بالرحبة أياماً فخرج مالك ذات يوم يريد النزهة حول الرحبة فعارضه الأعرابي فمنعه الشرطة ازدراء به فلم ينثن عنه حتى أخذ بعنان فرسه ثم قال أيها الأمير أنا عائذ بك من شرطك فنهاهم عنه وأبعدهم منه ثم قال له هل من حاجة قال نعم أصلح الله الأمير قال وما هي قال أن تصغي إلي بسمعك وتنظر إلي بطرفك وتقبل علي بوجهك قال نعم فأنشده
ببابك دون الناس أنزلت حاجتيوأقبلت أسعى نحوه وأطوف
ويمنعني الحجاب والليل مسبلوأنت بعيد والرجال صفوف
يطوفون حولي بالقلوس كأنهمذئاب جياع بينهنّ خروف
فأمّا وقد أبصرت وجهك مقبلاًواصرف عنه إنني لضعيف
ومالي من الدنيا سواك وما لمنتركت ورائي مربع ومصيف
وقد علم الحيان قيس وخندفومن هو فيها نازل وحليف
تخطيت أعناق الملوك ورحلتيإليك وقد أخنت عليّ صروف
فجئتك أبغي الخير منك فهزنيببابك من ضرب العبيد صنوف
فلا يجعلن لي نحو بابك عودةفقلبي من ضرب العبيد مخوف
فاستضحك مالك حتى كاد يسقط عن فرسه ثم قال لمن حوله من يعطيه درهماً بدرهمين وثوباً بثوبين فنثرت الدراهم ووقعت الثياب عليه من كل جانب حتى تحير الأعرابي واختلط عقله لكثرة ما أعطى فقال هل بقيت لك حاجة يا أعرابي قال أما إليك فلا قال فإلى من قال إلى الله أن يبقيك للعرب فإنها لا تزال بخير ما بقيت لها وحكى أبو بكر المارداني قال كنت أساير الأمير أبا الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون وكان قد خرج إلى الصيد بدمشق إذ تلقاه أعرابي فأخذ بعنان فرسه وقال
إن السنان وحد السيف لو نطقالأخبرا عنك في الهيجاء بالعجب
أقبلت مالك تعطيه وتنهبهيا آفة الفضة البيضاء والذهب
فقال يا غلام اعطه ما معك فأعطاه خمسمائة دينار فقال يا أمير المؤمنين زدني فقال لمن معه من غلمانه اطرحوا له ما معكم من المناطق والسيوف فحصل له منهم ما عجز عن حمله وقال علقمة بن عبد الرزاق العليمي قصدت بدراً الجمالي بمصر فرأيت اشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم قد طال مقامهم على بابه ولم يؤذن لأحد منهم فبينما هم جلوس إذ خرج يريد الصيد فأقمت حتى رجع من صيده فلما قارب دخول البلد خرجت إليه ووقفت على نشز عال من الأرض وآومأت إليه برقعة فوقف
فأنشدته
نحن التجار وهذه أعلاقنادر وجود يمينك المبتاع
قلد وفتشها بسمعك إنماهي جوهر تختاره الأسماع
كسدت علينا بالشآم وكلماكسدت المتاع تعطل الصناع
فأتتك تحملها إليك تجارهاومطيها الآمال والأطماع
حتى أناخوا نحو بابك والرجامن دونك السمسار والبياع
فبذلت ما لم يعطه في دهرههرم ولا كعب ولا القعقاع
وطلبت هذا الخلق في طلب العلىوالناس بعدك كلهم أتباع
فلما فرغت من انشادها سار قليلاً ثم وقف فاستعادها مني فلما دخل داره واستقر به الجلوس استدعاني فأعدتها فقال لمن كان عنده من خواصه وغلمانه واتباعه من أحبني فليخلع عليه فخلع علي مائة خلعة ووصلني بعشرة آلاف درهم وحبس الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب لباق عليه كان بخراسان وأقسم ليستأدينه كل يوم مائة ألف درهم فبينما هو قد جباها له ذات يوم إذ دخل عليه الأخطل فأنشده
أيا خالداً ضاقت خراسان بعدكموقال ذوو الحاجات أين يزيد
وما قطرت بالشرق بعدك قطرةولا أخضر بالمرين بعدك عود
وما لسرير بعد بعدك بهجةوما لجواد بعد جودك جود
فقال يا غلام أعطه المائة ألف درهم فإنا نصبر على عذاب الحجاج ولا نخيب الأخطل فبلغت الحجاج فقال لله در يزيد لو كان تاركاً للسخاء يوماً لتركه اليوم وهو يتوقع الموت ومن أخبار يزيد أن الفرزدق دخل عليه وهو محبوس
فلما رآه مقيداً قال له
أصبح في قيدك السماحة والسجود وحمل الديات والحسب
لا بطران ترادفت نعموصابر في البلاء محتسب
فقال له يزيد ويحك ما أردت بمدحتي وأنا على هذه الحالة فقال الفرزدق وجدتك رخيصاً فأحببت أن أسلفك بضاعتي فرمى إليه بخاتم كان في اصبعه قيمته ألف دينار وقال هو ربحك أمسكه إلى أن يأتيك رأسك المال ودخل جعيفران واسمه جعفر بن علي كركري على أبي دلف فأنشده
يا أكرم الأمّة موجوداويا أعز الناس مفقودا
لما سألت الناس عن سيدأصبح بين الناس محمودا
قالوا جميعاً إنه قاسمأشبه آباء له صيدا
لو عبد الناس سوى ربهملكنت في العالم معبودا
فقال له أحسنت يا غلام أعطه ألف درهم فقال أيها الأمير وما أصنع بها مر الغلام يأخذها ويعطيني منها كل يوم عشرة دراهم إلى أن تنفد فقال أبو دلف أعطوه الألف ومتى جاءكم أعطوه ما سأل فأكب جعيفران على يده يقبلها وقال
يموت هذا الذي أراهوكل شيء له نفاد
لو أنّ خلقا له خلودعمر ذا المفضل الجواد
المختار من غرر نوعي الكلامفي استنجاز ما تأخر من صلات الكرام
يحكى أن الأحنف بن قيس قدم على معاوية فأقام شهراً لا يسأله فيما جاء فقال يا أمير المؤمنين إنك ترعيني مرعى وبيلاً وتوردني ظمأ طويلاً
أفيأس ورواح أم حبس ونجاح فقضى حاجته ووقف أعرابي على رجل يستجديه فقال إني امتطيت إليك الرجاء وسرت على الأمل ووفدت بالشكر وتوسلت بحسن الظن فحقق الأمل وأحسن المثوبة وأقم الأود وعجل السراح وقال بعض الشعراء يستنجز
جعلت فداك قد وجب الزماموقد طال التلبث والمقام
وقد أزف الرحيل إلى بلاديفرأيك لأعدمتك والسلام
المتنبي
لقد نظرتك حتى حان مرتحليوذا الوداع فكن أهلاً لما شئتا
وكتب آخر يستجدي بنا إلى معروفك حاجة ولك على صلتنا قوة فانظر في ذلك بما أنت له أهل ونحن له أهل وطلب العتابي من صديق له حاجة فقضى له نصفها ومطله بباقيها فكتب إليه
بسطت لساني ثم أمسكت نصفهفنصف لساني بامتداحك مطلق
فإن أنت لم تنجز عداتي تركتنيوباقي لسان الشكر باليأس مطلق
وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي
إن ابتدا المعروف مجد باسقوالمجد كل المجد في استتمامه
هذا الهلال يروق أبصار الورىحسناً وليس كحسنه لتمامه وكتب بعضهم يستنجز حقيق على من أزهر بقول أن يثمر بفعل والسلام وفد بشار بن برد على يحيى بن خالد فامتدحه فوعده خالد ومطله فتصدى له في
طريقه وهو يريد الجامع وأخذ بعنان بغلته وأنشد
أظلت علينا منك يوماً سحابةأضاء لها برق وأبطا رشاشها
فلا غيمها يجلي فييأس طامعولا غيثها يهمي فتروى عطاشها
فقال لن تنصرف السحابة حتى تبلك يا أبا معاذ وأمر له بعشرة آلاف درهم ولبشار أيضاً يستنجز
هززتك لا إني وجدتك ناسياًلأمرئ ولكني أردت التقاضيا
ولكن رأيت السيف من بعد سلهإلى الهز محتاجاً وإن كان ماضيا
ولبشار أيضاً
فيك للمجد شيمة قد كفتنيمنك عند اللقاء بالمتقاضي
فإذا المجد كان عوني على المرء تقاضيته بترك التقاضي
المفجع البصري يستنجز
أيها السيد عش في غبطةما تغنى طائر الأيك الغرد
لي وعد منك لا تنكرهفاقضه أنجز حرّ ما وعد
أنت أحييت بمبذول الندىسنن الجود وقد كان همد
فإذا صال زمان أوسطافعلى مثلك مثلي يعتمد
أبو الحسن بن أبي البغل
وعدت فأنجز ولا تبلنيبكدّ التقاضي وذلّ السؤال
وصن وجه حر براه الزمانبأنيابه مثل بري الخلال
فإن ضاق مالك عن رفدهفجاهك أوسع من كل مال
ابن الرومي
يا من تزينت الدنيا بطلعتهوأصبحت منه في حلي وفي حلل
أوراد بحركم مثلي ومنصرفيفي الواردين بلا عل ولا نهل
وأنت تعلم أن الصبر من صبرفامزجه بالنجح إن النجح من عسل
قصد أحمد بن الجليل سليمان بن حبيب بن المهلب مستجدياً فأخر عنه مدة فكتب إليه مستنجزاً
ورد العفاة المعطشون فأصدروارياً وطاب لهم لديك المكرع
وأراك تمطر جانباً عن جانبوفناء أرضي من سمائك بلقع
ألنقص منزلتي تؤخر حاجتيأم ليس عندك لي لخير مطمع
أبو تمام الطائي
سحاب خطاني جوده وهو صيبوبحر عداني سيله وهو مفعم
وبدر أضاء الأرض شرقاً ومغرباوموضع رجلي منه أسود مظلم
آخر
مالي ظمئت وبحر جودك زاخرسهل مشارعه على الوراد
ما كان أجمل بالتجمل ملبسيوأعف في طلب القناعه زادي
لولا زمان أزمنت حالي لهنوب تراوح تارة وتغادي
وأرى فراخاً ضاق بي أوكارهاوكذا البغاث كثيرة الأولاد
آخر
أمرت بأن أقيم على انتظارلرأيك إنه الرأي الأصيل
وراقبت الرسول وقلت إنيسيأتيني فما جاء الرسول
فليس لغير أمرك لي مقامولا عن غير ذاتك لي رحيل
وقد أوقفت عزمي والمطايافقل شيأً لافعل ما تقول
المعري
عليك مؤيد الدين اعتماديفلا تحتج إلى كذب الأعادي
تمادي المطل والآمال درعوطول الانتظار من الحداد
وقد أزف الرحيل وأنت كهفيومن جدواك راحلتي وزادي
زففت إليك أبكار المعانيفزف إليّ أبكار الأيادي
آخر
يا جابر العظم إذا العظم انكسروناعش الجدّ إذا الجد عثر
أنت ربيعي والربيع ينتظروخير أنواع الربيع ما بكر
أبو تمام
علمي بفضلك قاد نحوك حاجتيفأتت مسيئلتي عقيب ثنائي
فامنن عليّ بنجح ما أملتهيا سيدي ومعوّلي ورجائي
آخر
أجرني لاعدمتك من مطالكودعني من صدودك واعتلالك
لقد كثرت عداتك ثم طالتفهل وعد يكون لها فدلك
ابن الرومي
كم ظهر ميت مقفر جاوزتهفحللت ربعاً منك ليس بمقفر
جود كجود السيل إلا أن ذاكدروان نداك غير مكدر
الفطر والأضحى قد انسلخا وليأمل ببابك صائم لم يفطر
عام ولم ينتج نداك وإنماتتوقع الحبلى لتسعة أشهر
حسر لي ببحر واحد أغرقك فيبحر أحيس به بسبعة أبحر
ومن أحسن ما استجدى به الأجواد وبلغ به غاية الأمل والمراد ما كتب به كلثوم بن عمرو العتابي إلى صديق له يستمنحه أما بعد أطال الله بقاءك وجعله يمتد بك إلى رضوانه والجنة فإنك كنت عندنا روضة من رياض الكرم تبتهج النفوس بها وتستريح القلوب إليها وكنا نعفيها من النجعة استتماماً لزهرتها وشفقة على خضرتها وادخاراً لثمرتها حتى أصابتنا سنة كأنها من سني يوسف فكذبتنا غيومها وأخلفتنا بروقها فانتجعتك وإني بانتجاعي إياك شديد المقة بك عظيم الشفقة عليك مع علمي بأنك غاية أمل القصاد وأعذب مناهل الوراد وأقول ما قال حماد عجرد
ظل اليسار على العباس ممدودوحظه أبداً بالسعد معقود
إن الكريم ليخفي عنك عسرتهحتى تراه غنياً وهو مجهود
وللبخيل على أمواله عللزرق العيون عليها أوجه سود
إذا تكرمت عن بذل القليل ولمتقدر على سعة لم يظهر الجود
بث النوال فلا تمنعك قلتهفكل ما سدّ فقراً فهو محمود
قال فشاطره ماله حتى إحدى نعليه ونصف قيمة خاتمه وكتب آخر الوعد أيسر مغارم الجود وأخف محمول على عاتق الكرم المرفود والمتقنع به قد أسلف المطل آماله وأوسع لخطو الندى محاله وارتوى ببارق المزن قبل المطر واكتفى بورق الغصن دون الثمر فأي عذر للسماح إذا خرمه طالبه وحمى عنه جانبه وقد وجد المسلك إلى المطلوب سهلاً والطالب لما يتعلق به الوعد
أهلا شاعر
لا أقتضيك إلى السماح لأنهلك عادة لكنما أنا مذكر
وكن السحاب إذا تمسك بالحياورغبوا إليه بالدعاء فيمطر
أتى علي بن الجهم رجل فسلم عليه وقال له وعدتني وعداً إن رأيت أن تنتجه فافعل فقال ما أذكر هذا الوعد فقال له الرجل صدقت فأنت لا تذكر لأن من قصدك مثلي كثير وأنا لا أنسى لأن من أسأله مثلك قليل فاعجبه كلامه وقضى حاجته فأنشد
فلقد قصدتك راجياً في حاجتيما يرتجيه الطالب الملهوف
فسررتني وبررتني بنجاحهاوكذا يكون الجود والمعروف
آخر
بدأت بتسهيل وثنيت بالرضاوثلثت بالحسنى وربعت بالكرم
وحققت لي ظني وأنجزت موعديوأبعدت لا عني وقربت لي نعم
آخر
يا من سهرت الليالي في الدعاء لهحتى انتهى أمره السامي على الأمم
انظر إليّ بعين لو نظرت بهاإلى الليالي نجت من قبضة الظلم
حتى أقول لصرف الدهر كيف ترىتقابل السادة الأحرار بالخدم
آخر
إن أنت لم تحدث إلي يداحتى أقوم بشكر ما سلفا
لم أحظ منك بنائل أبداورجعت بالحرمان منصرفا
وفيما ذكرناه من هذه الملح كفاية إذا المحاسن لا يفضي الباحث عنها إلى غاية ولو استقصينا ذكر ما أمطرته أكف الأجواد من سحائب الجود لخرجنا مما نحوناه عن الغرض المقصود ومما يحن الحاقه بهذا الفصل اطلاق اللسان بشكر أهل الاحسان والفضل " قال الله تعالى ولا تنسوا الفضل بينكم " قال بعض المفسرين إنه شكر اصطناع المعروف وفي الحديث المشهور والنبأ المأثور من ذكر معروفاً فقد شكره ومن ستره فقد كفره وقال ﵊ من كانت عنده نعمة فليكافئ عليها فإن لم يقدر فليثن فإن لم يفعل فقد كفر النعمة وقال لقمان لابنه يا بني المعروف غل لا يفكه إلا شكر أو مكافأة وقالوا المعروف رق والمكافأة عتق وقال الشاعر
كلما قلت أعتق الشكر رقيصيرتني لك المكارم عبدا
فاثن عمر الزمان حتى أؤدّيشكر احسانك الذي لا يؤدّى
ويقال الشكر وإن قل ثمن كل نوال وإن جل ويقال الشكر تميمة لتمام النعمة وقال أبو بكر الخوارزمي إذا قصرت يدك بالمكافأة فليطل لسانك بالشكر وقالوا موقع الشكر من النعمة موقع القرى من الضيف إن وجده لم يرم وإن فقده لم يقم وما أحسن قول من قال الشكر غرس إذا أودع أذن الكريم أثمر بالزيادة وحفظ العادة والسعيد من إذا أظلته نعمة لم يلته بسكرها عن شكرها وقالوا لا بقاء للنعمة إذا كفرت ولا زوال لها إذا شكرت ابن المعتز شكرك نعمة سالفة يقيض لك نعمة مستأنفة وقال أبو بكر الخوارزمي قد اراحني الشيخ ببدره لكن أتعبني بشكره وخفف ظهري من ثقل المحن لا بل أثقله بأعباء المنن وأحياني بتحقيق الرجاء لا بل أماتني بفرط الحياء فأناله عتيق بل رقيق
وأسير بل طليق ومن كلامه اللهم ارزقني زماناً أوسع من زماني ولساناً أفصح من لساني وبناناً أجرى من بناني حتى أقضي بالشكر حقوق اخواني فلا بذل إلا بجود ولا جود إلا من موجود ولكن الدعاء غاية من ضاق امكانه ولم يساعده زمانه فكيف يكافئ من قلت بسطته وعجزت قدرته وقطعت عن مسافة همته جدته ولما بلغ الصاحب إسمعيل بن عباد موت أبي بكر الخوارزمي قال
سألت بريداً من خراسان مقبلاأمات خوارزميكم قال لي نعم
فقلت اكتبوا بالجص من فوق قبرهألا لعن الرحمن من يكفر لنعم
والذي أوجب قول الصاحب لهذين البيتين أنه بلغه إن أبا بكر الخوارزمي قال فيه هذين البيتين
لا تمدحنّ ابن عباد وإن هطلتكفاه بالجود حتى جاوز الديما
فإنها خطرات من وساوسهيعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرما
فلما كفر بما أسدى إليه الصاحب بن عباد من المعروف ذكر هذين البيتين بعد موته
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع