من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)
في أن التبرع بالنائل من أشرف الخلال والشمائل
قال رسول الله ﷺ الجود من جود الله تعالى فجودوا يجد الله عليكم ألا إن السخا شجرة في الجنة أغصانها مدلاة في الأرض فمن تعلق بغصن منها أدخله الجنة ألا وإن السخاء من الايمان والايمان في الجنة رواه أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب باسناد متصل في كتاب البخلاء له وقال ﷺ تجاوزوا عن ذنب السخي فإن الله آخذ بيده إذا عثر إن السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار ولجاهل سخي أحب إلى الله من عالم بخيل وقال ﷺ الخلق كلهم عيال الله وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله وروى أن رسول الله ﷺ أتى بأسرى من بني العنبر فأمر بقتلهم وأفرد منهم رجلاً فقال علي ﵁ يا رسول الله الرب واحد والدين واحد والذنب واحد فما بال هذا من بينهم فقال ﵊ نزل علي جبريل ﷺ فقال اقتل هؤلاء واترك هذا فإن الله شكر له سخاء فيه وقال ﷺ أحب العباد إلى الله من حبب إليه المعروف وإنما سمي المعروف معروفاً لأن الكرام عرفته فألفته والسخاء
سخا آن سخاء نفس الرجل بما في يده يصون به عرضه عن ذم اللئام وتركه ما في أيدي الناس يغلق عنه باب الملام وهو إن جمعهما فقد وهب أشرف أخلاق الكرام وتواطأ على مدحه الخاص والعام ويقال في مدح مثل هذا فلان بماله متبرع وعن مال غيره متورع ويقال مراتب العطاء ثلاث سخاء وجود وإيثار فالسخاء إعطاء الأقل وإمساك الأكثر والجود إعطاء الأكثر وإمساك الأقل والإيثار أعطاء الكل من غير إمساك لشيء وهذه أشرف الرتب وأعلاها وأحقها بالمدح وأولاها فإن إيثار المرء غيره على نفسه أفضل من إيثار نفسه على غيره وكفى بهذه الخلة شرفاً مدح الله تعالى أهلها في قوله ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وقالوا الجواد من لم يكن جوده لدفع الأعداء وطلب الجزاء كما قال عبد الله بن جعفر أمطر معروفك فإن أصاب الكرام كانوا له أهلاً وإن أصاب اللئام كنت له أهلاً فمما ورد عن ذوي الأفضال في الحث على العطاء والنوال ما ذكر عن عبد الملك بن مروان أنه كان يقول لبنيه يا بني أمية إن المؤمن الكريم يتقي عرضه بماله فلا تبخلوا إذا شئتم فإن خير المال ما أفاد حمداً أو نفى ذماً ولا يقولن أحدكم أبدأ بمن تعول فإنما الناس عيال الله تكفل بأرزاقهم فمن وسع وسع عليه ومن ضيق ضيق عليه ثم تلا قوله تعالى وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين فيا لله للعجب ما أشد ما بابن قول هذا الخليفة فعله وخالف سخاؤه بخله وكيف قسم خليقته بين الايجاب والسلب وخص لسانه بالمدح وقلبه بالثلب وقال زهير بن جذيمة لولده عليكم باصطناع المعروف واكتسابه وتلذذوا بطيب نسيمه ورضابه وارضوا مودات الرجال من أثمانه فرب رجل قد صفر من ماله فعاش هو وعقبه في الذكر الجميل وقال شاعر في مثل هذا
إذا كنت ذا حظ من المال فاكتسببه الأجر وارفع ذكر أهل المقابر
الفقيه منصور يرثي
سألت رسوم القبر عمن ثوى بهلا علم ما لاقى فقالت جوانبه
أتسأل عمن عاش بعد وفاتهبمعروفه اخوانه وأقاربه
وقال أبو نصر الميكالي
الجود رأى موفق ومسدّدوالبذل فعل مؤيد ومعان
والبرّ أكرم ما وعته حقيبةوالشكر أفضل ما حوته يدان
وإذا الكريم مضى وولي عمرهكفل الثناء له بعمر ثان
وقال بعض العراب الدراهم مياسم تسم حمداً وذماً فمن حبسها كان لها ومن أنفقها كانت له أخذ شاعر هذا المعنى فقال
إذا المرء لم يعتق من المال نفسهتملكه المال الذي هو مالكه
ألا إنما مالي الذي أنا منفقوليس لي المال الذي أنا تاركه
وأوصى قيس بن معد يكرب بنيه فقال يا بني عليكم بهذا المال فاطلبوه أجمل الطلب ثم أخرجوه في أجمل مذهب فصلوا به الأرحام واصطنعوا به الكرام واجعلوه جنة لعراضكم ووسيلة تصلون بها إلى أغراضكم تحسن في النار مقالتكم فإن بذله تمام الشرف وثبات المروأة وإنه ليسود غير السيد ويقوي غير الأيد حتى يكون في الناس نبيلاً وفي القلوب مهيباً جليلاً وقال الجاحظ ليس شيء ألذ ولا أسر ولا أنعم من عز الأمر والنهي ومن الظفر بالأعداء ومن تقليد عقود المنن في أعناق الرجال لأن هذه الأمور هي نصيب الروح وحظ الذهن وقسمة النفس فإن أحببت أن يزاد في الاحسان إليك وأن يثبت لديك ما أنعم الله به عليك فاقض حاجة من قصدك وابسط له بالبشر وجهك وبالمعروف يدك وقال الحجاج في بعض خطبه لا يملن أحدكم المعروف فإن صاحبه يعوض خيراً منه أما شكراً في الدنيا وأما ثواباً في الآخرة وكان يقال المعروف كنز لا تأكله النار وثوب لا يدنسه العار وقال الأحنف بن
قيس ما ادخر الآباء للأبناء ولا أبقت الأموات للأحياء أفضل من المعروف عند ذوي الأحساب والآداب وكان يقال إنما مالك لك أو للحاجة أو للورثة فلا تكن أعجز الثلاثة وقال بشار بن برد من قصيدة مدح بها خالد بن برمك
أخالد إن المال يبقى لأهلهجمالاً ولا يبقى الكنوز مع الحمد
فأطعم وكل من عارة مستردّةولا تبقها إن العواري للردّ
المتنبي
وأحسن شيء في الورى وجه محسنوأيمن كفّ فيهم كف منعم
وأشرفهم من كان أشرف همةوأعظم اقداماً على كل معظم
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بهاسرور محب أو إساءة مجرم
بعضهم
إذا المال لم ينفع صديقاً ولم يصبقريباً ولم يجبر به حال معدم
فعقباه أن تحتازه كف وارثوللباخل الموروث عقبى التندم
محمود الوراق
تمتع بمالك قبل المماتوإلا فلا مال إن أنت متا
شقيت به ثم خلفتهلغيرك سحقاً وبعداً ومقتا
يجود عليك بزور البكاءوجدت له بالذي قد جمعتا
وأوهبته كل ما في يديكوخلاك رهناً بما قد كسبتا
وينتظم في سلك هذه الأبياتما يروى من واعظ الحكايات
يحكى إن هشام بن عبد الملك لما احتضر رأى أهله يبكون عليه فقال لهم جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم له بالبكاء وترك لكم ما كسب وتركتم عليه ما اكتسب يا سوء حال هشام إن لم يغفر الله له بعضهم
لا تجبهن بالرد وجه مؤملفلخير وقتك أن ترى مسؤلا
واعلم بأنك عن قليل صائرخبراً فكن خبراً يروق جميلا
الشريف الرضي
أحق من كانت النعماء سابغةعليه من أسبغ النعما على الأمم
وأجدر الناس أن تعنو لرقاب لهمن يسترق رقاب الناس بالنعم
الحض على انتهاز فرصة الامكانفي إسداء المرجو من الاحسان لمن كان
قال رسول الله ﷺ من فتح عليه باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عنه وقال حكيم الدنيا غرارة إن بقيت لك لم تبق لها وقال عبد الله بن شداد لابنه يا بني عليك باصطناع المعروف فإن الدهر ذو صروف والأيام ذات نوائب تقضي على الشاهد والغائب كم من ذي رغبة صار مرغوباً إليه وكم من طالب صار مطلوباً ما لديه شاعر
ليس في كل ساعة وأوانتتهيا صنائع الاحسان
فإذا أمكنت فبادر إليهاحذراً من تعذر الامكان
واغتنمها إذا قدرت عليهاحذراً من تغير الأزمان
أحزم الناس من إذا أحسن الدهر تلقى الاحسان بالاحسان
ابن النقيب الكناني
الحمد أينع ما اجتناه المجتنىوالمجد ارفع ما ابتناه المبتنى
فإذا وليت وكان أمرك نافذاًفادخر صنيعاً في الولاية وابتنى
من قبل أن يسعى لها فتفوتهوتقول عند فواته يا ليتني
ابن هندو
إذا هبت رياحك فاغتنمهافإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الاحسان فيهافما تدري السكون متى يكون
آخر
لا تقطعن عادة الاحسان عن أحدما دمت تقدر والأيام تارات
واذكر فضيلة صنع الله إذ جعلتإليك لا لك عند الناس حاجات
ومن أحسن ما قيل من الأبيات في انتهاز الفرصة بالمعروف وإغاثة المكروب والملهوف قول سالم الأنباري
تمتع من الدنيا بساعتك التيظفرت بها ما لم تعقك العوائق
فما يومك الماضي عليك بعائدولا يومان الآتي به أنت واثق
احتجاج المتحجج بالمعروفعلى السائل المجهول والمعروف
قال رسول الله ﷺ من عظمت نعمة الله عنده عظمت مؤنة الناس إليه فإن لم يحمل تلك فقد عرض تلك النعمة للزوال وقيل لعبد الله ابن جعفر وكان جواداً اقتصد في العطاء فإن من ذهب ماله ذل فقال إن الله عودني بالأفضال علي وعودته بالأفضال على عباده فأخاف أن أقطع العادة فيقطع عني المادة ثم تلاقو له تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
وقيل أحسن الناس عيشاً من حسن عيش غيره في عيشه وقيل لعبد الله ابن طاهر وكان جواداً أنفق وأمسك بعض الامساك فقال إن سمن الكيس ونبل الذكر لا يجتمعان أبداً نظمه بعض الشعراء فقال
أراك تؤمل حسن الثناءولم يرزق الله ذك البخيلا
وكيف يسود أخو فطنةيمن كثيراً ويعطي قليلا
آخر
ما اجتمع المال وحسن الثناءمذ كانت الدنيا لانسان
وأيّ هذين تخيرتهضنا به قاله عن الثاني
آخر
صون الفتى عرضه عما يدنسهوصونه ما حواه ليس يجتمع
المال يتلفه دهراً ويرجعهإليه والعرض لا يمضي فيرجع
أبو تمام من أبيات
ولم يجتمع شرق وغرب لقاصدولا المجد في كف امرئ والدراهم
ولم أر كالمعروف يرعى حقوقهمغارم في الأقوام وهي مغانم
وقال ابن عباس لا يزهدنك في المعروف كفر من كفره فإنه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه شاعر
إني إذا أمكنتني ساعة سعةزينت بالبذل أوصافي وأحوالي
أما شكور فزين لي إعانتهأو الكفور فعرضي صنت بالمال
آخر
يد المعروف غنم حيث كانتتحملها شكوراً وكفور
ففي شكراً لشكور لها جزاءوعند الله ما جحد الكفور
آخر
وأفضل ما دخرت على اللياليصنائع عند مصطنع شكور
ومن المفاخر التي لا نزاع فيها ولا خلاف بسط الوجه وبذل القرى للأضياف أول من شرع سنة قرى الأضياف سيدنا إبراهيم الخليل ﵇ كان إذا لم يجد من يأكل معه يخرج إلى الطرقات ليأتي بمن يأكل معه ثم تبعته العرب على سنته وأول من وضع الموائد على الطرق سيدنا عبد الله بن عباس وكانت نفقته في كل يوم خمسمائة دينار قال شاعر يمدح من هذه صفته
ابلج بين حاجبيه نورهإذا تغذى رفعت ستوره
وفي مثله يقول الشاعر في خالد بن برمك
تأبى خلائق خالد وفعالهأن لا يجيب لكل أمر غائب
وإذا حضرنا الباب عند غذائهأذن الغذاء لنا برغم الحاجب
وقال بعضهم
أبيت خميص البطن غر ثان طاوياوأوثر بالزاد الرفيق على نفسي
وأمنحه فرشي وأفترش الثرىوأجعل قرّا لليل من دونه لبسي
حذار مخازاة الأحاديث في غدإذا ضمني وحدي إلى صدره رمسي
آخر
ضاحك ضيفي قبل انزال رحلهويخصب عندي والزمان جديب
وما الخصب للأضياف أن تكثر القرىولكنما وجه الكريم خصيب
آخر
أو قد فان الليل ليل قرّوالريح ما سرّك ريح صر
عسى يرى نارك من يمّرإن جلبت ضيفاً فأنت حر
آخر
يسترسل الضيف أنساً في منازلنافليس يعلم خلق أينا الضيف
والسيف إن قسته يوماً بناشبهالم تدر من عزمنا من ذا هو السيف
آخر
قالت سليمى لحاك الله من رجلما تحفظ العهد والميثاق والذمما
وحرمة الضيف ما إن خنت عهدكموقد حلفت يميناً برّة قسما
لو يعلم الضيف عندي قدر منزلهلتاه حتى يرى لا يرجع الكلما
أقول للأهل والقربى وقد حضرواقفوا قليلاً فإن الضيف قد قدما
آخر
لحا الله من يمسي بطينا وجارهلفرط الخوى محنى الضلوع خميص
لعمرك ما ضيفي عليّ بهينوإني على ما سره لحريص
إبراهيم بن هرمة
يبيتون في المشتى خماصاً وعندهممن الزاد فضلات تعد لمن يقرى
إذا ضل عنهم ضيفهم رفعوا لهمن النار في الظلماء ألوية حمرا
وتبعه ابن المعتز فقال
وليل يودّ المصطلون بنارهولو أنهم حتى الصباح وقودها
رفعت به ناري لمن يبتغي القرىعلى شرف حتى أتاها وفودها
آخر
ومستنبح بعد الهدوّ برقدةبشقرا مثل البحر باد وقودها
فقلت له أهلاً وسهلاً ومرحباًبوارد نار منجد من يرومها
فإن شئت أويناك في الحي مكرماًوإن شئت بلغناك أرضاً ترومها
آخر
لا تبعدن قومي وإن كانوا خوىفلنعم مأوى الضيف والجيران
الضيف فيهم لا يحوّل رحلهوالجار مضمون من الحدثان
آخر
الضيف أكرم ما استطعت محلهوتلقه بتودد وتهلل
واعلم بأنّ الضيف يوماً مخبربمبيت ليلته وإن لم يسئل
وصية كريم بالسودد عليم قال بعض البلغاء سودد بلا جود كملك بلا جنود وقالوا جود الرجل يحببه إلى أضداده وبخله يبغضه إلى أولاده وما
أصدق من قال
إذا لم يكن للمرء فضل ولم يكنيدافع عن اخوانه لم يسوّد
وكيف يسود القوم من هو مثلهمبلا منة منه عليهم ولا يد
وقال بعض الحكماء ثواب الجود خل ومكافأة ومحبة وثواب البخل حرمان واتلاف ومذمة وقال علي بن أبي طالب ﵁ إن للنعمة أجنحة فإن أمسكت بالاحسان قرت وإلا فرت وقال محمد بن الحنفية ﵁ إن أفضل المال ما أفاد شكراً وأورث ذكراً وأوجب أجراً ولو رأيتم المعروف لرأيتموه حسناً جميلاً وقال المأمون لان أخطئ معطياً أحب إلي من أن أصيب مانعاً
العرف زينة ذي النهى وذخيرةيلقى جوائزها بكل مكان
ما ضاع معروف أتيت إلى امرئفغدا وراح يذيعه بلسان
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع