تجاوز إلى المحتوى

من «نسيم الصبا» لابن حبيب الحلبي (ت ٧٧٩هـ)

الفصل التاسع والعشرون: في الحكم

العلم نعم السمير، والعقل بشير بالخير يشير. اجتهد في طلب العلوم، تنفرد بما يرفعك إلى النجوم. المجد يبذل اللها، والفضل بالأدب والنهى. من صادق العلماء زها بدره، ومن رافق السفهاء وهي قدره. العلم ثمرته الإنصاف، والزهد نتيجته العفاف. التقوى أفضل حلة، والمروءة

أجل خلة. الحق سيف قاطع، والحلم درع مانع. الزم الحجا فهو ألطف سائس، ولا تعدل عن العدل فهو أحفظ حارس. العقل أحسن المواهب، والجهل أقبح المصائب.

العقل أحسن معقل فاهرع إلىأبوابه العليا تنل كل العلا
واعلم بأن الشيء يرخص كثرةًوالعقل إن كثرت حواصله غلا

من رضي بالقدر، وقي شر الحذر، اليأس يعز الأصاغر، والطمع يذل الأكابر، حاسب نفسك تسلم، ولا تقتحم الأخطار تندم. من سره الفساد في الأرض ساءه طول التعب يوم العرض. لا تقل إلا ما يطيب عنك نشره، ولا تفعل إلا ما يسطر لك أجره. السعيد من اتعظ بماضي أمسه، والشقي من ضن بخبره على نفسه. لا تغرنك صحة بدنك اليسيرة، فمدة العمر - وإن طالت - قصيرة. من لم يعتبر بالمساء والصباح، لم يرتدع بقول اللوام والنصاح. من قنع برزقه استغنى، ومن صبر نال ما يتمنى.

إذا الرزق عنك نأى فاصطبرومنه اقتنع بالذي قد حصل
ولا تتعب النفس في جلبهفإن كان ثم نصيب وصل

من أنس بالآخرة، فاز بالملابس الفاخرة. ومن رفع حاجته إلى الله نجحت، ومن تمسك بغيره خسرت تجارته وما ربحت. من لم تفسد شهوته دينه، وصل إلى الأماكن المكنية. أبصر الناس من نظر إلى عيوبه، ولجأ إلى ربه في التجاوز عن ذنوبه. أرفع الأعمال ما أوجب شكراً، وأنفع الأموال ما أعقب أجراً. الدنيا ظل زائل، والشيبة ضيف راحل. من غالب الحق غلب، ومن استهان بالدين سلب. لا تخل نفسك من فكرة، تدني من طرفك وقلبك قراراً وقرة. عد عن طاعة هواك، واحذر من مخالفة مولاك:

لا تتابع هواك ياذا المعاصيواجتنب ذلة الهوى والهوان
أحمق الناس من أطاع هواهوتمنى على الإله الأماني

من وثق بالله أغناه، ومن خرج عن حكمه عناه. من لزم شأنه دامت سلامته، ومن حفظ

لسانه قلت ندامته. الصمت يرفع لك المنار، ويخلع عليك ثوب الوقار. الزمان لا يبقي على حال، والدنيا طبعها الغدر والملال، تفتن بزهرتها الذاوية، وتخدع بزينتها المتلاشية. لا تفن عمرك في المعاصي، وخذ حذرك من مالك النواصي. إياك وكثرة

الكلام، فإنها تنفر عنك الكرام. ما سعد من شقي صاحبه، وما عزت من ذلت أقاربه. من لزم شكر الإحسان استدام عدم الحرمان. لا تودع سرك غير صدرك، ولا تتكلم بما يحوجك إلى إقامة عذرك:

تفرد بحفظ السر وحدك لا تثقإلى أحد فيه ولو كان من كانا
فإنك أن أودعت سرك عاقلاًيزل وإن أودعته جاهلاً خانا

من بسط يده بالجود، خرج من العدم إلى الوجود. من علا علم شيمته، غلا مقدار قيمته، استر براً يظهر من يديك، وانشر معروفاً يسدى إليك. من أحسن إلى جاره أطلع قمر الحمد في داره دارة، ومن جاد لطلب الجزاء فليس بكريم، ومن صفح لعدم القدرة فليس بحليم. أحسن الخلق ما حثك على المكارم، وأوضع الطرق ما كفك عن المحارم. عي تسلم بميلك إليه، خير من نطق تندم عليه. من قل عقله كثر قوله، ومن زكا أصله تواتر طوله. توق جناية اللسان، ولا تأمن من سطوات الزمان، واستعذ من شر أفعى أفعالك، وتحل بالصدق في جميع أحوالك.

الصدق يورث قائليه مهابةسر نحوه نعم الطريق طريقه
واحفظ به عهد الصحاب فإنهمن قل منه الصدق قل صديقه

لا تعج عن سبيل الصواب، ولذ بجناب رب الأرباب، واسع

إلى باب من بيده الملك وهو على كل شيء قدير، واخش من يعلم السر وأخفى، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾

النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نسيم الصبا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.