تجاوز إلى المحتوى

من «نسيم الصبا» لابن حبيب الحلبي (ت ٧٧٩هـ)

الفصل الثالث والعشرون: في رمي البندق

برزت يوماً مع رفيق رقيق، يسر بمنادمته سر الصديق. لا يخرج عن الواجب. ولا يحجبه عن ذكر الجليل حاجب. رفيع المقام، صادق الكلام. ينطق بالحكمة وفصل الخطة، وهو لدائرة الفضل بمنزلة النقطة. يجتني من الرياض أزهار

الرياضة، ويعتني بما يشرح الصدر ويزيل انقباضه. ويحب معالي الأمور، ويتقدم إلى كل مقدمة تنتج السرور. ويتمسك بما كان داعياً إلى المروة، باعثاً على امتثال: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾

قد ألف لخطبة الطير كل خطب مهول، واعتاد خوض المنايا فأيسر ما تمر به الوحول، إلى روضة أنيقة تهدي الأنق، وتضيء في جوانبها وجه الملق. والغيم ممدود الرواق، والطل دمعه يراق، والجو مسكي الإهاب، والشمس قد توارت بالحجاب.

والأرض وشي والنسيم معنبروالماء راح والطيور قيان

فنزلنا بفنائها، وشممنا الأرج من أرجائها، واجتلينا محاسن أزهارها، وطربنا لسماع نغمات أطيارها، وقبلنا هناتها وهباتها، ورعينا على كلا الحالين كلأها مع نباتها، ورأينا بها عصبة من الرماة، وفرقة تفرق منهم الأبطال والكماة فألمنا بحضرتهم، وانتظمنا في سلك زمرتهم، فلما أنست بذراهم، وآنست نار قراهم، شاهدت قوماً نفوسهم أبية، ومقاماتهم علية. في وجوهم سيما القبول، ومعهم وصول بالوصول، يرعون حق الذمام، ويقتفون آثار الكرام، ويرفلون في حلل العفاف، ويسلكون سبل الإنصاف، ويحفظون الحديث عن القديم، ويثبتون الصحيح وينفون السقيم، ويوقرون الكبير، ويرضون من العيش باليسير، ويعتمدون حسن الوفاق، مع

الرفاق، ويعرضون عن أهل العرض لعلمهم أن ما عندهم ينفد وما عند الله باق.

أهل الصبابة إن قالوا وإن سمعواوللسماع - كما للقول - إعراب
كل يحاول ما يبغي الفلاح بهفالمبتغى واحد، والناس أضراب

فلو رأيتهم وقد أتوا إلى الخطة والتفوا، وحملوا غير متحاملين واصطفوا، وخطروا في تلك المطارف، يؤمهم القديم إلى جهة المواقف، مسرعين إلى الأخذ بالثارات، متدرعين الغبار لشن الغارات:

لعاينت قوماً في مقامات عزهموقوفاً، وكلاً منهم قد ترسما
جفوا في الظلام النوم كي يتقدمواومن سهر الليل الطويل تقدما

جماعة طريق حرمهم للنزيل قبلة، وحسن شيمهم للعقول عقلة. كم فيهم نقي خد أخجل الدمى ورشيق قد جبل طرفه على سفك الدما:

شغل الطيور بحسن منظر وجههفتوقفت فأصابها بالبندق
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «ومخلق الخدين من صبغ الحيا»

وكم لهم من دعرة وشطارة، يقولون ما أهون الحرب على النظارة، ونكتة غريبة يأتي بحرها بالعجب، ومصطحب شريف وما أدراك ما المصطحب؟ ما ألطف سجاياهم الطاهرة، وأطيب أوقات وجوههم الناضرة:

في غدوة ومصبح ورواجعومصوغ وخوارج وعشاء

بأيديهم قسي قدودها رشيقة، وملابسها مدبجة أنيقة، من الطين اللازب نجمها، ومن الدمقس المفتل لحمها. أجاد خرمها الصناع، وهذبت كماة الرماة منها الطباع. كأنها حواجب مقرونة، أونونات معرقة موضونة، أو أهلة مشرقة النور، أو مناجل لحصاد أعمار الطيور.

حوامل إذا دنا نتاجهاتقذف من أكبادها كواكبا

ومعهم للرمي بنادق، أسرع في الإصابة من الفيالق، كأنها كرات دورية، لا بل كواكب درية، تمر بهم عساكر الطيور المختلفة، وهي تختال في برودها المفوفة ولم تدر أن أيدي المنون إليها ممتدة، وأن سيوف الحتوف لها معدة. إن هبطت مسبقة أصابتها عيون أوتارها المبصرة، وإن نهضت محلقة فكرات قسيهم عنها غير مقصرة، فتسقط عليهم سقوط الندى، وتهوي إليهم مجيبة لداعي الردى:

تهوي إليهم وتأتيمن كل فج عميق
يا حسن بدر منيريسعى لصب مشوق

فبينما هم في وجه عشاؤه أضاء بنور التهاني، ولمعت فيه بارقة بروق الأماني، والليل قد أرخى أستاره، وأبرز من النجوم درهمه وديناره، والأنهار سارية وسارحة، والأطيار في الملق سابحة وسائحة:

نزه الطرف يا أخا الظرف ليلاًفي طيور أحسن بها من طيور
فوق وجه الماء تسعى وترعىكنقوش قد خيلت في ستور

عن لصاحبي إوزة فضية اللون، بينها وبين المرزم في الحسن بون. كأنما خاضت في اللهب، وكرعت من ماء الذهب، تسبق الريح في المطار، وترتفع إلى أن تغيب عن

الأبصار فرماها، في حال بعدها عن العيون، وصرعها عاجلاً أسرع ما يكون، فحسنت له الجفة وباركت فيه، وأظهر من سر الظفر ما كان يخفيه، وخرج فرحاً بتحصيلها مائداً وحملها من كان له شاهداً، ورمى لمن قبله وسبقه، وفي بحر الحمد والشكر غرقه. ثم تواتر الرمي من كل نبيه ونبيل، وتفرقوا من ذلك الوجه على وجه جميل:

كم طائر للأرض أمسى واقعاًبنجم قوس للسماء قد سما
من حيث لا يشعر يأتيه الردىفاعجب له من صامت تكلما
لم يدر من أين أصيب قلبهوإنما الترامي درى كيف رمى
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «ظن غداة الخيف أن قد سلِما»

فلما شاهدت من أحوالهم ما راقني، ومن نوالهم ما قيدني عن غيرهم وعاقني، أثنيت على من بهم عرفني، وبالطيب المسكي من أنفاسهم عرفني. وقمت ناشراً وصف المواقف والأطيار قائلاً على سبيل التشوق والتذكار:

ياصاح قم نسعى إلى الأملاقفنحوها قد ذبت من أشواقي
الله ما أحلى حلى أوقاتهاوأملح الولدان في جناتها
والجو يجلى في ثياب دكنيستلب اللب بفرط الحسن
السحب قد تتابعت وفودهاوانفرطت على الربا عقودها
وروضة الأنس يفوح طيبهاوينثني في دوحها رطيبها
ونغمات الطير بالألحانتغني عن الجنوك والعيدان
أحسن بها يا سعد من أطيارتلوح كالأنجم للأبصار
تخالها إذا سجا جنح الغسقكأسطر خطت على وجه الملق
من وارد وصادر، وواضعوناهض، وطائر، وواقع
أبيض كالصبح إذ تبلجاوأسود محلولك يحكي الدجا
وأخضر مدبج اللباسوأزهر يزهو على النبراس
مختلفات في الحلى والشكلعن حصرها يعجز أهل الفضل
لكنها جليلها معروفوهو لدى أربابه موصوف
فهاكها بعد عشر أربعكعمر بدر التم حين يطلع
قد جمعت أوصاف كل طائرمبينات المجد والمآثر
فالتم يبدو في لباس يققكأنه مركب من ورق
في الرأس منه نقطة تحكي السبجمن الرماة نحوه تصبو المهج
والكي شيخ أبيض جلبابهمعلق في عنقه جرابه
منقاره كحربة من أسلوظهره محدب كالجبل
وللإوز نغمة الأوتارإذا بدت تختال في المطار
فضية منقارها من عسجديا سعد في حبي لها كن مسعدي
واللغلغ المسكي كالإوزفي الحسن والوصف وفرط العز
لكن له مثل اللجين غرهتدني لمن يصرعه المسره
وحبذا الأنيسة الملونةلباسها المنقوش ياما أحسنه
يبكي عليها الصب بالدموعلأنها عزيزة الوقوع
خذ يا أخا الرمي صفات الحبرجيحكي القطا في لونه المدبج
يألف أيام الربيع الزاهرهفيجتبي ويجتلي أزاهره
والنسر راميه شديد الأسهملأنه عال كنسر الأنجم
أقرع ذو مخالب حداديذكر عصر تبع وعاد
وبعده وصف العقاب الكاسرهتلك التي للوحوش تغدو آسره
مغبرة ظافرة، أظفارهابالصيد أدنى الردى منقارها
قم نجتلي الكركي تحت الشفقفقد بدا في ثوب خز أزرق
ومد جيداً ياله من جيدوأطرب الأسماع بالتغريد
إذا بدا الغرنوق في الفضاءشبه بالغمامة الدكناء
كأنه الكركي في لباسهسوى سواد عنقه وراسه
والضوع مبيض شبيه الفلقأطراقه مصبوغة بالعلق
يختال في الحمرة والبياضكخد من قد زاد في الإعراض
ومرزم يا حسنه من مرزمكأنه قد خاض في بحر الدم
أبيض وضاح طويل العنقراميه قد فاز بفضل السبق
وتلوه السبيطر المسمومأبيض ضخم وصفه معلوم
يسكن في الأماكن العليهوطعمه الحية والسحليه
وأقبل العناز بعد الجمعأسود ذا صدر كضوء الشمع
قد جمع الضدين صبحاً ودجامن يرمه يعد من أهل الحجا
وهذه تكملة الأطيارأعني طيور الواجب المختار
ترفل في محاسن الملابسوتنجلى في الطرس كالعرائس
كأنما تنظرها حقيقهسابحةً في غدرها الأنيقه
لا زلت ترمي الطير والأعاديبأسهم ذي ألسن حداد
ودمت تلقى السعد في مسيركاحتى تعد الكل من طيوركا
ما سهر الليل رماة البندقوقبل الطير خدود الملق

النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نسيم الصبا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.