تجاوز إلى المحتوى

من «نسيم الصبا» لابن حبيب الحلبي (ت ٧٧٩هـ)

الفصل الثاني والعشرون: في الحرب والسلاح

منع الجزية أهل الصليب، في عام عاموا منه في بحر عجيب، فأشار الأمير بالتأهب للنزال، وأمر بتحريض المؤمنين على القتال. فأخذوا في الاستعداد. وجدوا في تحصيل الجياد.

فأحببت الدخول في زمرة المجاهدين، ورفضت قاعدة الذين قالوا: ﴿ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ﴾. فلما كملوا عدداً وعُدداً وتحروا في أهبتهم رشداً، ساروا إلى جهة العدو المخذول، وطيور السعد تحوم عليهم ولا تحول. ياله من جحفل تحفل بالشوس، وكتيبة تميل إلى خضرتها النفوس، وجيش عرمرم، وخميس لهب أسلحته يتضرم، وعسكر جرار، وفيلق يتلو: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ﴾. يهول المنظر، مثار العثير. قوي القلب والجناحين، كم ليدها الطولى من جناحين. يدني بعيد الآجال، وينفر حتى الوعل والآجال. النصر من جملة آياته، والظفر معقود براياته:

محلى بالسيوف وبالعواليوبالحلق الموانع والقسي
وفيه عيون درع ناظراتإلى الأعداء من طرف خفي
ببحر الحرب منه سابحاتتملك حسنها قلب الكمي
ألا لا تخش فيه ليل نقعفكم قد حاز من وجه مضي

ينطوي على غضنفر كاسر، وعقاب يصول من النصال بمناسر، وذفر مشيع، وباسل عمر خصمه مضيع، وبطل ثبت الغدر، وأحمش لامنجى منه ولا وزر وشهم أيام عداه مدلهمة، وقدم صمة، وما أدراك ما الصمة؟

من كل مرهوب السطا رحب الخطاعرد المطا ليث تأبط ارقما
يبدو هلالاً في سماء عجاجهويريك من زرق الأسنة أنجما

أكرم بهم شجعة برزوا للكفاح، واشتملوا على أنواع من السلاح:

فمن سيف يفري بحده، ويأنف من المقام في غمده. أمضى من أمس، واشرق من الشمس. ينتقل من القراب إلى الرقاب، ويدب النمل منه على الذباب. يروع ويروق، ويخفي بلمعه البروق، يتمايل كالخمائل، وينجلي في حلي الحمائل. يجتهد في إهلال النفوس، ويبتسم حيث الأجل عبوس:

ومنهد إن قابلته فريسةينقض من جو القراب كأجدل
مصغ إلى حكم الردى، فإذا مضىلم يلتفت، وإذا قضى لم يعدل
للشاعر البحتري، من قصيدة «أهلا بذالكم الخيال المقبل»

الموت كامن في غربه، والحتف قريب من قربه. إن جرد عاينت عيون الجراد، ورأيته مطبوعاً على الجدال والجلاد. وإن سل حكم بقطع الأرزاق، وطفق مسحاً بالسوق والأعناق. يرتعد لا من الخوف، ويجل فعله الماضي عن السين وسوف. لم يبرح كارعاً من موارد الوريد، تالياً: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾.

حسام، وبتار، جراز، وصارمرسوب، وقرضاب، صنيع، ومخذم
قشيب، وصمصام، وعضب، ومرهفقضيب ومأثور، ونصل مصمم
نهيل، وهزهاز، وأبيض، قاطعرسول المنايا في الدماء محكم

ومن رمح مثقف، أسمر اللون مهفهف. لدن القوام،

يبدل الكلام بالكلام له نصل مطعان، وسنان غير وسنان. صدق صادق مارق في المارق. يفرق الجموع ولا يفرق، ويصيب العدا بناظره الأزرق. يستوفي النفوس وهو عامل، ويضرب حاصل الكماة ولا يجامل. لهذمه ألمع من الشهاب، وكعبه أيمن من طلعة الكعاب، فعله حميد، وظله مديد. سلب اللطف من الأغصان، وتعلم الرعدة من جنان الجبان. خطار عظيم الخطر، خطي لا يخطئ في قص الأثر. طويل يقصر الأعمار، قناة تجري بدم الأذمار:

وأسمر من رشف كأس الدمايهتز بالشكر اهتزاز الطروب
يبسط في الإشراق بسط الردىويقبض الأرواح عند الغروب

ومن قوس حنانة، سحائب سهامها هتانة، تطلع كالهلال في سماء الرهج، وتسبح في الهواء سبح النون في اللجج. ضروح تسكن الضريح، عطوف لكن لا على الجريح، تبهر بأبهرها العيون، وتبلغ المنى برسل المنون. لها يد تمنح جميل الأيادي، ورجل تسعى في قتل الأعادي. تضم شمل أولاد نوافر، يصلن بلا أنياب، ولا ظوافر. ذوو أجنحة تروع السباع، مثنى وثلاث ورباع.

عطوى مروح، تريح المنبضين لهاهتانة لفراق السهم مرنان
أولادها تدرك الأغراض عن كثبوناظر السيف قد أخفته أجفان

ومن ترس عنتر، يفل به حد الأبتر. جنة واقية، ومنة باقية. جوب يجوب حرة الحرب، ولا يمل من ملاقاة الطعن والضرب. بريء من الختل والختر، معروف بالحماية والستر.

لله جَنة جُنةلا يجتليها من طغى
من حل تحت ظلالهاأنجته من نار الوغى

ومن بيضة حسن ملبسها، وزاحم الفلك قونسها، وصفها بديع، وحرم حماها منيع. الرؤوس بها محفوظة، والنفوس بعيونها ملحوظة، تعلو على المفارق، وتطرق لهيبتها أجفان الطوارق.

يا رائد الحرب تقنع، واقتنعبمغفر أحسن به من مغفر
سامي الذرا عالي الجناب مانعذمامه يوم الوغى لم يخفر

ومن درع ستور، روض وشيها منثور، مضاعفة دلاص، منجية يوم لات مناص، فضفاضة مسرودة، ألوية النصر بها معقودة. كأنها سراب بقيعة، أو حباب يطفو على شريعة، أو سلخ أفعوان، أو لهب نار لم يشب بدخان. تنظر بعيون الجنادب وتصبر على وخز العوالي والقواضب.

يا رُب سابغة حبتني نعمةكافاثها بالسوء غير مفند
للشاعر أبو الحسن السلامي، اقرأ القصيدة
أضحت تصون عن المنايا مهجتيوظللت أبذلها لكل مهند
للشاعر أبو الحسن السلامي، اقرأ القصيدة

ومن أشياء يطول ذكرها، ويعز على البليغ البارع حصرها.

ثم إنهم جدوا في الرحيل وتمسكوا بالنص واتبعوا الدليل. إلى أن وصلوا إلى بلد الأعداء سيس، وأرهبوا بجمعهم الراهب والقسيس. فسارعوا إلى النزول، وغصت بهم الوعور والسهول. وصابحوهم بما أشقى مساءهم. وناوحوهم بما دمرهم وساءهم. ونادوهم بألسنة الحمام، وناجوهم برسائل السهام، ونصبوا آلات الحصار لكسرهم، وأعدوا ما استطاعوا من القوة لقتلهم وأسرهم، وأحاطوا بأسوار المدينة، وصدموها بمن في آذانهم وقر عن الوقار والسكينة. فكم تكن إلا ساعة من نهار، حتى تحرك البناء وانهار، وسال السور بعد أن ماج، وهوت بكواكب المنجنيق منه الأبراج. فدخلوا البيوت من غير الأبواب، وجرعوا أعداء الدين مذاب العذاب، وحصل أهل الشرك في شرك القبضة، وعجزوا عند قص أجنحتهم عن النهضة، وتمشت في مفاصلهم حميا السيوف، وصفاح الرغام وجوههم على رغم الأنوف:

لله در فوارس كم أقبلوانحو الحروب، ونافسوا في وصلها
قوم إذا دخلوا معالم قريةلعداتهم جعلوا أعزة أهلها

ثم عاجوا لاقتلاع قلعتها، ومالوا إلى محو أسطار بقعتها. فقدموا

إليها النقابة، وحسروا عن وجه الاجتهاد نقابه. وباتوا يطلقون فيها ألسنة المعاول، ويعرضون عن رأي من قال:

وأين الثريا من يد المتناول

فأصبحت على الخشب معلقة، ثم عادت بذات الوقود محرقة. فلم تمض عليها إلا لمحة غافل، حتى صارت الأعالي منها أسافل، وأحيط بطاغيتهم وفرسانه، وقبض على أعوانه وأعيانه. ونزعت التيجان، ونكست الصلبان. وبل غليل السيف، وارتفع الحتف والحيف، وهدمت البيع والكنائس، واستخرجت الذخائر والنفائس، وأسر النساء والأطفال، وبلغ الطالب من الأموال منتهى الآمال. وأعز الله جنده، وأنجز من التأييد وعده، ومن بعوائد ألطافه الخفية، وجعل هام الملحدين لحوداً للمشرفية. وما النصر إلا من عنده وهو المتصدق بجزيل رفده على عبده.

ثم إن العساكر عادوا إلى أوطانهم غانمين سالمين، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.

النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نسيم الصبا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.