تجاوز إلى المحتوى

من «نسيم الصبا» لابن حبيب الحلبي (ت ٧٧٩هـ)

الفصل السادس والعشرون: في الشكر والثناء

شكر المنعم واجب، والثناء على المحسن ضربة لازب. فاشكر

من وضع الخير لديك، وكن مثنياً على من أحسن إليك، حيث أجاب سؤالك، وحقق آمالك، وصدق ظنك، وأضحك سنك، وأتحفك بكرائم كرمه، وأطلع في أفقك نعائم نعمه، ولبى دعوتك، وروض عدوتك، ورعى جانبك، وبلغك مآربك، وقوى معينيك وأيد معانيك، وأسكنك من العليا قباباً، وفتح لك إلى دار السعادة أبواباً:

وأولاك الجميل بغير مطلوعن وجه الندى رفع الحجابا
وبل ثراك بالجدوى فحقعليك تصير التقريظ دابا

إن قصر عن المكافأة بنانك، فيطل بنشر الشكر لسانك، فبه تدوم النعم، وهو داعية الجود والكرم. كثرته تبعث على بذل الألوف، وقلته تزهد في اصطناع المعروف. فاجتهد في إقامة شعاره، واحتفل برفع علمه وإعلاء مناره، وإياك والتقصير في حق من شملك بفضله الغزير، وقم بواجب من قلدك المنة، ولا تجعل الاعتذار بعجزك من غير حرص جنة.

أطلق لسانك بالثناء على الذيأولاك حسن غرائب ورغائب
واشكره شكر الروض حياه الحياكيما تقوم له ببعض الواجب

أيها المتطول بأياديه، المتفضل بما غمر من غواديه، الجائد بأمواله، الزائد نيل نواله، المرتدي بأثواب الجلال،

المبتدئ بالعطاء قبل السؤال، لو استطعت تمثيل حمدك ومدحك، واعتدادي بإفضالك العميم ومنحك، لأبرزته في صورة تروق النواظر، وأفرغته في قالب يسر القلوب والخواطر. لقد أترعت مواردي ومناهلي، وحملتني من حقائب الجود ما أثقل كاهلي، وأرحت سري بهبات هباتك، وقطعت أملي إلا من موارد صلاتك:

كم من يد بيضاء قد أسديتهاتثني إليك عنان كل وداد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لا زلت أبيض غرة وأياد»
شكر الإله صنانعاً أوليتهاسلكت مع الأرواح في الأجساد

إلام تنشر علي ملابس العوارف؟ وحتام تهدي إلي نفائس اللطائف؟ وتلحظ بعيون العناية، وتمد ظل الرعاية، وتصل أسباب الصنائع، وتأتي من الإحسان بما عهده محفوظ، ونشره ضائع، من غير خدمة سابقة، ولا حرمة لهدى العواطف سائقة.

طالما غنيت بالغناء من خيرك، وألهمتني لهاك عن الاجتماع بغيرك، وقابلتني عطاياك بجبرك، ومنحتني سماحتك من كنزها الوافر بخالص تبرها:

فلأشكرنك ما حييت وإن أمتفلتشكرنك أعظمي في قبرها

صيرت لساني كليلاً بعد حدته، وأعدت قلمي جافاً بعد غزارة مدته. فها أنا لا أطيق أداء بعض حقك، ولا يخرجني فرط برك عن عهدة رقك. وكلما فرغت من شكر يد كثر

مددها، وصلتها بأياد جزيلة أعد منها ولا أعددها. فلا تحدث لي بعدها زيادة، وارفق بعبدك فقد ملك العجز قياده:

أنت الذي قلدتني نعماًأوهت قوى شكري فقد ضعفا
لا تسدين إلي عارفةحتى أقوم بشكر ما سلفا
للشاعر ابن جيا، من قصيدة «أنت امرؤ أو ليتني منناً»

وماذا عسى مادحك أن يقول، يامن فتن بحسن مناقبه العقول؟ المتكلم يقصر عن وصفك باعه، والبليغ يعجز عن حصر فضلك يراعه. والعالم يغرق في بحرك، والناظم يلقط جواهر نثرك، على أن كلاً منهم لو استعار الدهر لساناً، واتخذ الريح في نقل أخبارك ترجماناً، أدركه الملال ولم يصل إلى غايتك، وأعياه الكلال دون الوقوف عند نهايتك. فالله يتولى من مكافأتك ما هو أبلغ من شكر الناس، ويمتع الأولياء ببقاء ذاتك التي جلت عن النعت والقياس.

النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نسيم الصبا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.