تجاوز إلى المحتوى

من «نسيم الصبا» لابن حبيب الحلبي (ت ٧٧٩هـ)

الفصل الثامن والعشرون: في الرثاء

مات لمن يعز علي ولد، لم يبلغ من فصاله منتهى الأمد.

وكنت أستحليه واستجليه، إذا حصل الاجتماع بيني وبين أبيه، فأكثر - وهو معذور - من الوجد عليه، فكتبت على سبيل التعزية إليه:

برغمي أن أعنف فيك دهراًقليلاً فكره بمعنفيه
وأن أرعى النجوم ولست فيهاوأن أطأ التراب وأنت فيه
للشاعر الماهر الحلبي، اقرأ القصيدة

الدنيا مد الله في عمرك وصبرك، ومحى آية الحزن من صحيفة صدرك، دار تمكر بسكانها، وتغدر بأهلها وجيرانها. كم أفنت قروناً، وأسخنت بالبكاء عيوناً، ونثرت عقداً، وأضرمت وقداً، وأخلقت جديداً، وأخذت من والد وليداً، وفرقت شمل الأحباب، وألبست الأتراب أردية التراب:

وكم قد روعت قلباًوساقت نحوه حزنا
وملت بعد أن مالتوأذوت بالردى غصنا

ولا كغصن دوحك الرطيب، وزهرة روضك الخصيب، الذي عز فقده، وهتك ستر المدامع بعده، وأحيا بموته الأسف، وشوى الأكباد على جمر التلف. ياله زائراً ما سلم حتى ودع، وهاجراً خشع القلب لصده وتصدع، وطفلاً ذهب مبرأ من الذنوب والأوزار، وعصفوراً طار إلى الجنة وتركنا نتقلب في تلهب النار، وديناراً أولعت بصرفه أيدي الزمان، ودرة نقلها الدهر إلى صدف الأكفان، وهلالاً عاجله الخسوف قبل الإبدار، ونجماً أخفاه إسفار صبح الأقدار:

يا كوكباً ما كان أقصر عمرهوكذاك عمر كواكب الأسحار
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»

وقد علم الله شوقي إليه، وشدة قلقي وحرقي عليه، وغمي لمغيبه بعد إشراقه، وفرط بثي وحزني لفراقه، وما سال من دموعي وساح، وأصاب جوارحي من الجراح:

موت الصغير مصيبة غاراتهاما تنقضي، وكميها لم يقهر
قسماً بمن يحيي رفات الخلق مافقد الهشيم كفقد روض مزهر

ولقد أجرى ماء العيون معيناً، وكنا نرجوه معيناً. أعاد أيامنا سوداً وكانت به بيضاً ليالينا. لو أن الحتف يقبل الفدا، أو أن الحمية ترد الردى، لفديناه بالأموال والأرواح، وخضنا دونه بحار السيوف والرماح، ولكنه الكأس الذي يستوي في شربه الصغير والكبير، والسبيل

المحتوم سلوكه على المأمور والأمير. فإنا لله وإنا إليه راجعون، وبحكمه راضون، ولأمره طائعون، له ما أعطى وله ما أخذ، وهو الذي يرسل سهم المنية ولولاه ما نفذ.

وأنت أبقاك الله أولى من للقضاء سلم، وسكن منبسط النفس ولو بأنياب النوائب تكلم، وقابل القدر بوجه الرضا لا الغضب، والحمد لله على كل حال إن وهب أو سلب، فالجزع لا يجدي ولا يفيد، والماضي لا يعاد إلى يوم الوعيد، والأجر موقوف على الاحتساب، والله عنده حسن الثواب، فادخره للأخرى فالدنيا متاع الغرور ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾

يا راحلاً أذهب عنا السروروكادت الأرض بنا أن تمور
ويا هلالاً بالخسوف احتفىمن قبل أن يدرك شأو البدور
إن كنت قد فارقت أهلاً فكمحولك ولدان حسان وحور
جاورت من بعدك من ساءنيليهنك الجار الذي لا يجور
ويلاه من بدر رفيع مضىتجارة العاني به لن تبور
شق الجيوب القوم لما سرىلو أنصفوا شقوا عليه الصدور
ما كنت أدري قبل دفني لهأن الدراري في الصحارى تغور
لهفي على طفل فؤادي لهنعش ودمع العين غسل طهور
لهفي على زهرة روض زهتفعوجلت بالقطف دون الزهور
لهفي على غصن ذوى قبل أنيبدو لنا من نوره الغض نور
آهاً لذاك الوجه كيف انطوتآياته الحسنى ليوم النشور
آهاً لدر قد غدا ثاوياًفي صدف اللحد جوار القبور
آهاً لمر الهجر حلو الحلىالوجد حق فيه والصبر زور
والله ما عجل يوم النوىإلا لنحظى في غد بالأجور
ما هذه الدنيا - وسحقاً لماتلهي به - إلا متاع الغرور
تمحو بكف الحتف رسم الورىلما اغتدوا في رقها كالسطور
ما تأتلي من غير خوف إلىدار البلى تنقل أهل القصور
كم من رحى للموت فيها، علىضائع أعمار البرايا تدور
أخنى علينا الدهر في أخذ منكنا نرجيه لسد الثغور
يا دهر بالإمرة كم تعتديألا إلى الله تصير الأمور

النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نسيم الصبا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.