تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

صنعاء

صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل منها وصفه كاملًا.

قصبة بلاد اليمن، أحسن مدنها بناء وأصحّها هواء وأعذبها ماء، وأطيبها تربة وأقلّها أمراضا، ذكر أن الماء إذا رشّ في بيوتها تفوح منه رائحة العنبر، وهي قليلة الآفات والعلل، قليلة الذباب والهوام. إذا اعتلّ إنسان في غيرها ونقل إليها يبرأ، وإذا اعتلّت الإبل وأرعيت في مروجها تصحّ، واللحم يبقى بها أسبوعا لا يفسد.

بناها صنعاء بن أزال بن عنير بن عابر بن شالح، شبّهت بدمشق في كثرة بساتينها، وتخرّق مياهها وصنوف فواكهها.

قال محمّد بن أحمد الهمذاني: أهل صنعاء في كلّ سنة يشتّون مرّتين ويصيّفون مرّتين، فإذا نزلت الشمس نقطة الحمل صار الحرّ عندهم مفرطا، فإذا نزلت أوّل السرطان زالت عن سمت رؤوسهم، فيكون شتاء، فإذا نزلت أوّل الميزان يعود الحرّ إليهم مرّة ثانية فيكون صيفا، وإذا صارت إلى الجدي شتّوا مرّة ثانية، غير أن شتاءهم قريب من الصيف في كيفيّة الهواء.

قال عمران بن أبي الحسن: ليس بأرض اليمن بلد أكبر من صنعاء، وهو بلد بخطّ الاستواء، بها اعتدال الهواء لا يحتاج الإنسان إلى رحلة الشتاء والصيف وتتقارب ساعات نهارها.

وكان من عجائب صنعاء غمدان الذي بناه التبابعة؛ قالوا: بانيه ليشرخ ابن يحصب؛ قال ابن الكلبي: اتّخذه على أربعة أوجه: وجه أحمر ووجه أبيض ووجه أصفر ووجه أخضر، وبنى في داخله قصرا على سبعة سقوف بين كلّ سقفين أربعون ذراعا، فكان ظلّه إذا طلعت الشمس يرى على ماء بينهما ثلاثة أميال، وجعل في أعلاه مجلسا بناه بالرخام الملوّن، وجعل سقفه رخامة واحدة، وصيّر على كلّ ركن من أركانه تمثال أسد، إذا هبّت الريح يسمع منها زئير الأسد، وإذا أسرجت المصابيح فيه ليلا كان سائر القصر يلمع من ظاهره كما يلمع البرق، وفيه قال ذو جدن الهمداني:

وغمدان الذي حدّثت عنهبناه مشيّدا في رأس نيق
بمرمرة وأعلاه رخامتحام لا يعيّب بالشّقوق
للشاعر علقمة الهمداني، اقرأ القصيدة
مصابيح السّليط يلحن فيهإذا أمسى كتوماض البروق
فأضحى بعد جدّته رماداوغيّر حسنه لهب الحريق
للشاعر علقمة الهمداني، اقرأ القصيدة

وقال أميّة بن أبي الصّلت يمدح سيف بن ذي يزن في قصيدة آخرها:

فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقافي رأس غمدان دارا منك محلالا
تلك المكارم لا قعبان من لبنشيبا بماء فصارا بعد أبوالا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «ليطلب الثأر أمثال ابن ذي يزن»

وذكر أن التبابعة إذا قعدوا على هذا القصر وأشعلوا شموعهم يرى ذلك على مسيرة أيّام.

حكي أن عثمان بن عفّان، ﵁، لمّا أمر بهدم غمدان قالوا له:

إن الكهنة يقولون هادم غمدان مقتول! فأمر بإعادته، فقالوا له: لو أنفقت

عليه خراج الأرض ما أعدته كما كان، فتركه، ولمّا خربه وجد على خشبة من أخشابها مكتوبا: اسلم غمدان، هادمك مقتول. فهدمه عثمان بن عفّان فقتل.

ووجد على حائط إيوان من مجالس تبع مكتوبا:

صبرا الدّهر نال منك فهكذا مضت الدهور

فرح وحزن بعده لا الحزن دام ولا السّرور

وبصنعاء جبل الشبّ وهو جبل على رأسه ماء يجري من كلّ جانب وينعقد حجرا قبل أن يصل إلى الأرض، وهو الشبّ اليمانيّ الأبيض الذي يحمل إلى الآفاق.

ومن عجائب صنعاء ما ذكر أنّه كان بها قبّة عظيمة من جمجمة رجل.

وبها نوع البرّ حبّتان منه في كمام، ليس في شيء من البلاد غيرها، وبها الورس وهو نبت له خريطة كالسمسم، زرع سنة يبقى عشرين سنة.

وحكي أن أمير اليمن لمّا آل إلى الحبشة، بنى أبرهة بن الصبّاح بها كنيسة لم ير الناس أحسن منها، وسمّاها القلّيس، وزيّنها بالذهب والفضّة والجواهر، وكتب إلى النجاشي: إني بنيت لك كنيسة ليس لأحد مثلها من الملوك، وأريد أصرف إليها حجّ العرب. فسمع ذلك بعض بني مالك بن كنانة فأتاها وأحدث فيها، فسأل أبرهة عنه، فقالوا: إنّه من أهل البيت الذي يحجّ إليه العرب.

فغضب وآلى ليسيرنّ إلى الكعبة ويهدمنّها، ثمّ جاء بعسكره وفيلته، فأرسل اللّه تعالى عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجّيل فجعلهم كعصف مأكول.

وبها الجنّة التي أقسم أصحابها لنصرمنّها مصبحين، وهي على أربعة فراسخ من صنعاء، وكانت تلك الجنّة لرجل صالح ينفق ثمراتها على عياله، ويتصدّق على المساكين، فلمّا مات الرجل عزم أصحابه على أن لا يعطوا للمساكين شيئا، فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنّها اليوم عليكم مسكين، فلمّا رأوها قالوا

إنّا لضالّون، يعني ما هذا طريق بستاننا، فلمّا رأوا الجنّة محترقة قالوا: بل نحن محرومون. ويسمّى ذاك الوادي الضّروان، وهو واد ملعون، حجارته تشبه أنياب الكلاب، لا يقدر أحد أن يطأها، ولا ينبت شيئا ولا يستطيع طائر أن يطير فوقه، فإذا قاربه مال عنه؛ قالوا: كانت النار تتّقد فيها ثلاثمائة سنة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.