من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
الصّين
صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل منها وصفه كاملًا.
بلاد واسعة في المشرق ممتدّة من الإقليم الأوّل إلى الثالث، عرضها أكثر من طولها، قالوا: نحو ثلاثمائة مدينة في مسافة شهرين. وانّها كثيرة المياه كثيرة الأشجار كثيرة الخيرات وافرة الثمرات، من أحسن بلاد اللّه وأنزهها، وأهلها أحسن الناس صورة وأحذقهم بالصناعات الدقيقة، لكنّهم قصار القدود عظام الرؤوس، لباسهم الحرير، وحليهم عظام الفيل والكركدن، ودينهم عبادة الأوثان.
وفيهم مانويّة ومجوس، ويقولون بالتناسخ ولهم بيوت العبادات.
من عجائب الصين الهيكل المدوّر؛ قال المسعودي: هذا الهيكل بأقصى بلاد الصين وله سبعة أبواب، في داخله قبّة عظيمة البنيان عالية السمك، وفي أعلى القبّة شبه جوهرة كرأس عجل يضيء منها جميع أقطار الهيكل، وان جمعا من الملوك حاولوا أخذ تلك الجوهرة فما تمكّنوا من ذلك، فمن دنا منها قدر عشرة أذرع خرّ ميتا، وإن حاول أخذها بشيء من الآلات الطوال، فإذا انتهت إليها هذا المقدار انعكست. وكذلك إن رمى إليها شيئا، وإن تعرّض أحد لهمدم الهيكل مات، وفي هذا الهيكل بئر واسعة الرأس، من أكبّ عليها وقع في قعرها، وعلى رأس البئر شبه طوق مكتوب عليه: هذه البئر مخزن الكتب التي هي تاريخ الدنيا وعلوم السماء والأرض، وما كان فيها وما يكون، وفيها خزائن الأرض لكن لا يصل إليها إلّا من وازن علمه علمنا، فمن قدر عليه علمه كعلمنا، ومن عجز فليعلم أنّه دوننا في العلم.
والأرض التي عليها هذا الهيكل أرض حجريّة عالية كجبل شامخ لا يرام
قلعه، ولا يتأتى نقبه، وإذا رأى الناظر إلى تلك الهيكل والقبّة والبئر وحسن بنيتها، مال قلبه إليها وتأسف على فساد شيء منها.
ومن عجائب الصين ما ذكر صاحب تحفة الغرائب ان بها طاحونة يدور حجرها التحتاني، والفوقاني ساكن، ويخرج من تحت الحجر دقيق لا نخالة فيه، ونخالة لا دقيق فيها، كلّ واحد منهما منفرد عن الآخر.
وبها قرية عندها غدير فيه ماء في كلّ سنة يجتمع أهل القرية ويلقون فرسا في ذلك الغدير، والناس يقفون على أطرافه، كلّما أراد الفرس الخروج من الماء منعوه، وما دام الفرس في الماء يأتيهم المطر، فإذا أمطروا قدر كفايتهم وامتلأ الغدير، أخرجوا الفرس وذبحوه على قلّة جبل، وتركوه حتى يأكله الطير، فإن لم يفعلوا ذلك في شيء من السنين لم يمطروا.
وبأرض الصين الذهب الكثير والجواهر واليواقيت في جبل من جبالها، وبها من الخيرات الكثيرة من الحبوب والبقول والفواكه والسكر، وفي جزائرها أشجار الطيب كالقرنفل والدارصيني ونحوها، قالوا: القرنفل تأتي بها السيول من جبال شامخة لا وصول إليها وبها من الهوام والحشرات والحيّات والعقارب شيء كثير، ولا تظهر بالصيف لأنّها ملتفّة بأشجارها، تأكل من ثمارها وأوراقها وتظهر في الشتاء.
ولأهل الصين يد باسطة في الصناعات الدقيقة، ولا يستحسنون شيئا من صناعات غيرهم، وأيّ شيء رأوا أخذوا عليه عيبا، ويقولون: أهل الدنيا، ما عدانا، عمي إلّا أهل كابل، فإنّهم عور! وبالغوا في تدقيق صنعة النقوش حتى انّهم يصوّرون الإنسان الضاحك والباكي، ويفصلون بين ضحك السرور والخجالة والشماتة. وإذا أراد ملكهم شيئا من المتاع، يعرضه على أرباب الخبرة ولا يتركه في خزائنه إلّا إذا وافقوا على جودته.
وحكي أن صانعا اتّخذ ثوبا ديباجا عليه صورة السنابل وقعت عليها العصافير، فعرضها الملك على أرباب الخبرة واستحسنوها إلّا صانع واحد؛ قال: العصافير
إذا وقعت على السنابل أمالتها، وهذا المصوّر عملها قائمة لا ميل فيها. فصدّقه الحاضرون وتعجّبوا من دقّة نظره في الصنعة.
ومن خواص بلاد الصين انّه قلّما يرى بها ذو عاهة كالأعمى والزمن ونحوهما، وان الهرّة لا تلد بها.
وقال محمّد بن أبي عبد اللّه: رأيت في غياض الصين إنسانا يصيح صياح القردة، وله وبر كوبر القرد، ويداه تنالان ساقيه إذا بسطهما قائما. ويكون على الأشجار يثب من شجرة إلى شجرة وبينهما عشرة أذرع.
وقال ابن الفقيه: بالصين دابّة المسك، وهي دابّة تخرج من الماء في كلّ سنة في وقت معلوم، فيصطاد منها شيء كثير، وهي شديدة الشبه بالظباء، فتذبح ويؤخذ الدم من سرّتها، وهو المسك، ولا رائحة له هناك حتى يحمل إلى غيرها من الأماكن.
وبها الغضائر الصيني التي لها خواصّ، وهي بيضاء اللون شفّافة وغير شفّافة، لا يصل إلى بلادنا منها شيء، والذي يباع في بلادنا على أنّه صيني معمول بلاد الهند، بمدينة يقال لها كولم، والصيني أصلب منه وأصبر على النار، وخزف الصين أبيض؛ قالوا: يترشّح السمّ منه، وخزف كولم أدكن.
وطرائف الصين كثيرة: الفرند الفائق والحديد المصنوع الذي يقال له طاليقون، يشترى بأضعافه فضّة، ومناديل الغمر من جلد السمندل، والطواويس العجيبة، والبرادين الغرّة التي لا نظير لها في البلاد.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع
