تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

تستر

صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل منها وصفه كاملًا.

مدينة مشهورة قصبة الأهواز، الماء يدور حولها. بها الشاذروان الذي بناه شابور، وهو من أعجب البناء وأحكمها، امتداده يقرب من ميل حتى يردّ الماء إلى تستر، وهي صنعة عجيبة مبنيّة بالحجارة المحكمة وأعمدة الحديد وملاط الرصاص، وإنّما رجع الماء إلى تستر بسبب هذا الشاذروان، وإلّا لامتنع

لأنّه على نشز من الأرض.

وإنّها مدينة آهلة كثيرة الخيرات وافرة الغلّات، وغزا بعض الأكاسرة الروم وحمل الأسارى إلى تستر وأسكنهم فيها فظهرت فيها صنائع الروم وبقيت في أهلها إلى زماننا هذا. يجلب منها أنواع الديباج والحرير والخزّ والستور والبسط والفرش.

وحكي أن أبا موسى الأشعري لمّا فتح تستر وجد بها ميتا في آبزون من نحاس، معه دراهم من احتاج إلى تلك الدراهم أخذها، فإذا قضى حاجته ردّها، فإن حبسها مرض. فكتب أبو موسى بذلك إلى عمر بن الخطّاب، فكتب في جوابه: ان ذلك دانيال النبيّ! أخرجه وغسّله وكفّنه وصلّ عليه وادفنه.

وينسب إليها سهل بن عبد اللّه التستري، صاحب الكرامات الظاهرة، من جملتها إذا مسّ مريضا عافاه اللّه، وقد سمع من كثير من أهل تستر أن في منزل سهل بيتا يسمّى بيت السباع، كانت السباع تأتيه وهو يضيفها فيه، حكى سهل ابتداء أمره قال: قال لي خالي محمّد بن سوار: ألا تذكر اللّه الذي خلقك؟ قلت: كيف أذكره؟ فقال: قل بقلبك عند تقلّبك في ثيابك ثلاث مرّات من غير أن تحرّك به لسانك: اللّه معي! اللّه ناظر إليّ! اللّه شاهدي! قلت ذلك ثلاث ليال ثمّ أعلمته. قال: قل ذلك كلّ ليلة سبع مرّات، فقلت ذلك ثمّ أعلمته. فقال: قل كلّ ليلة إحدى عشرة مرّة، فقلت ذلك ثمّ أعلمته، فوقع في قلبي حلاوة. فلمّا كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علمتك ودم عليه حتى تدخل القبر، فإنّه ينفعك في الدنيا والآخرة! فبقيت على ذلك سنين، فوجدت لها حلاوة في سرّي. ثمّ قال لي يوما: يا سهل من كان اللّه معه وناظرا إليه وشاهده لا يعصي! إيّاك والمعصية! قال: كنت أشتري بدرهم شعيرا فيخبز لي منها أفطر كلّ سحر على قدر أوقية منها بغير ملح ولا ادام، فيكفيني الدرهم سنة، ثمّ عزمت على أن أطوي ثلاث ليال وأفطر ليلة ثمّ خمسا ثمّ سبعا ثمّ خمسا وعشرين. بقيت على ذلك عشرين سنة. توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.

وحكى الأستاذ أبو عليّ الدقّاق: أن يعقوب بن ليث الصفّار مرض مرضا شديدا عجز الأطباء عن معالجته، فقيل له: إن في ولايتك رجلا يدعو اللّه تعالى للمرضى فيشفون، فلو دعا اللّه لك ترجو العافية. فطلب سهلا وسأله أن يدعو له فقال له سهل: أنّى يستجاب دعائي لك وعلى بابك مظلومون! فأمر برفع الظلامات وإخراج المحبّسين، فقال سهل: يا ربّ كما أريته ذلّ المعصية فأره عزّ الطاعة! ومسح بطنه بيده فعافاه اللّه، فعرض على سهل مالا كثيرا فأبى أن يأخذ منه شيئا، فقالوا له لمّا خرج: لو قبلت وفرّقت على الفقراء!

فقال له: انظر إلى الأرض. فنظر فرأى كلّ مكان وضع قدمه عليه صار ترابه دنانير. فقال: من أعطاه اللّه هذا أي حاجة له إلى مال يعقوب؟

وقال: دخلت يوم الجمعة على سهل بن عبد اللّه فرأيت في بيته حيّة فتوقّفت، فقال لي: ادخل، لا يتمّ إيمان أحد ويتّهم شيئا على وجه الأرض. فدخلت فقال لي:

هل لك في صلاة الجمعة؟ قلت: بيننا وبين الجامع مسيرة يوم. فأخذ بيدي، فما كان إلّا قليلا حتى كنّا في الجامع فصلّينا صلاة الجمعة، فرأى الخلق الكثير فقال: أهل لا إله إلّا اللّه كثير، لكن المخلصون قليل.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الثالث

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.