تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

الفسطاط

هي المدينة المشهورة بمصر، بناها عمرو بن العاص؛ قيل: انّه لمّا فتح مصر عزم الإسكندريّة في سنة عشرين، وأمر بفسطاطه أن يقوّض فإذا يمامة قد باضت في أعلاه فقال: تحرّمت بجوارنا، اقرّوا الفسطاط حتى ينقف وتطير فراخها، ووكل به من يحفظه ومضى نحو الإسكندريّة وفتحها، فلمّا فرغ من القتال قال لأصحابه: أين تريدون تنزلون؟ قالوا: يا أيّها الأمير نرجع إلى فسطاطك لنكون على ماء وصحراء! فرجعوا إليها وخطّ كلّ قوم بها خطّا بنوا فيها وسمّي بالفسطاط.

وبنى عمرو بن العاص الجامع في سنة إحدى وعشرين، يقال: قام على إقامة قبلته ثمانون صحابيّا، منهم: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة ابن الصامت، وأبو الدرداء، وأبو ذرّ الغفاري. وهذا الجامع باق في زماننا.

كتب القرآن جميعه على ألواح من الرخام الأبيض بخطّ كوفي بيّن في حيطانه

من أعلاها إلى أسفلها، وجعل أعشار القرآن وآياته وأعداد السور بالذهب واللازورد، فيقرأ الإنسان جميع القرآن منها وهو قاعد، ثمّ استولى الفرنج عليها وخرّبوها. فلمّا كانت سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة قدم صلاح الدين وأمر ببناء سور على الفسطاط والقاهرة، فذرع دورتها فكانت فرسخين ونصفا، وكان بها طلسم للتماسيح؛ قال أبو الريحان الخوارزمي: كان بجبال الفسطاط طلسم للتماسيح، وكانت لا تستطيع الإضرار حولها، وكان إذا بلغ حولها استلقى وانقلب على ظهره، وكان يلعب به الصبيان فكسر ذلك الطلسم وبطل حكمه.

وبالفسطاط محلّة تسمّى الجزيرة، لأن النيل إذا زاد أحاط الماء بها وحال بينها وبين معظم الفسطاط فاستقلّت هي بنفسها. وبها أسواق وجامع وبساتين وهي من متنزّهات مصر؛ قال الساعاتي الدمشقي:

ما أنس لا أنس الجزيرة ملعباللأنس تألفها الحسان الخرّد
للشاعر ابن الساعاتي، من قصيدة «ما أنس لا أنس الجزيرة ملعباً»
يجري النّسيم بغصنها وغديرهافيهزّ رمح أو يسلّ مهنّد
ويريك دمع الطّلّ كلّ سفيقةكالخدّ دبّ به عذار أسود

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الثالث

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.