من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
جرجان
مدينة عظيمة مشهورة بقرب طبرستان. بناها يزيد بن المهلّب بن أبي صفرة، وهي أقلّ ندى ومطرا من طبرستان، يجري بينهما نهر تجري فيه السفن، بها فواكه الصرود والجروم، وهي بين السهل والجبل والبرّ والبحر.
بها البلح والنخل والزيتون والجوز والرمّان والأترج وقصب السكّر، وبها من الثمار والحبوب السهليّة والجبليّة المباحة، يعيش بها الفقراء. ويوجد في صيفها جنيّ الصيف والشتاء من الباذنجان والفجل والجزر، وفي الشتاء الجدي والحملان والألبان والرياحين: كالخزامى والخيري والبنفسج والنرجس والأترج والنارنج.
وهي مجمع طير البرّ والبحر، لكن هواءها رديء لأنّه يختلف في يوم مضرّ سيما بالغرباء.
وحكي انّه كان بنيسابور في أيّام الطاهرية ستّمائة رجل من بني هلال يقطعون الطريق، فظفروا بهم ونقلوا ثلاثمائة إلى جرجان وثلاثمائة إلى جرجانيّة بخوارزم. فلمّا تمّ عليهم الحول لم يبق ممّن كان بجرجان إلّا ثلاث أنفس، ولم يمت ممّن كان بجرجانيّة إلّا ثلاثة.
وبجرجان من العناب الجيّد والخشب الخلنج الذي يتّخذ منه النشّاب والظروف والأطباق، ويحمل إلى سائر البلاد. وبها ثعابين تهول الناظر ولا ضرر لها.
وذكر أبو الريحان الخوارزمي انّه شوهد بجرجان مدرة صار بعضها قارا والبعض الآخر بحالها.
بها عين سياه سنك؛ قال صاحب تحفة الغرائب: بجرجان موضع يسمّى سياه سنك، به عين ماء على تلّ يأخذ الناس ماءها للشرب، وفي الطريق إليها دودة، فمن أخذ من ذلك الماء وأصاب رجله تلك الدودة يصير الماء الذي معه مرّا فيبدّده، ويعود إليها يأخذ مرّة أخرى، وهذا عندهم مشهور.
ينسب إليها كرز بن وبرة كان من الأبدال، قال فضيل: إذا خرج كرز بن وبرة يأمر بالمعروف يضربونه حتى يغشى عليه، فسأل ربّه أن يعرّفه الاسم الأعظم بشرط أن لا يسأل به شيئا من أمور الدنيا، فأعطاه اللّه ذلك، فسأل أن يقوّيه على قراءة القرآن، فكان يختم كلّ يوم وليلة ثلاث ختمات.
حكى أبو سليمان المكتب قال: صحبت كرز بن وبرة إلى مكّة، فكان إذا نزل القوم أدرج ثيابه في الرحل واشتغل بالصلاة، فإذا سمع رغاء الإبل أقبل،
فتأخر يوما عن الوقت، فذهبت في طلبه فإذا هو في وهدة في وقت حارّ، وإذا سحابة تظلّه فقال: يا أبا سليمان، أريد أن تكتم ما رأيت! فحلفت أن لا أخبر أحدا في حياته. وحكي انّه لمّا توفي رأوا أهل القبور في النوم، عليهم ثياب جدد، فقيل لهم: ما هذا؟ قالوا: ان أهل القبور كلّهم لبسوا ثيابا جددا لقدوم كرز بن وبرة!
وينسب إليها أبو سعيد إسماعيل بن أحمد الجرجاني. كان وحيد دهره في الفقه والأصول والعربيّة، مع كثرة العبادة والمجاهدة وحسن الخلق والاهتمام بأمور الدين والنصيحة للمسلمين، وهو القائل:
إني ادّخرت ليوم ورد منيّتيعند الإله من الأمور خطيرا
قولي بأنّ إلهنا هو أوحدونفيت عنه شريكه ونظيرا
وشهادتي أنّ النّبيّ محمّداكان الرّسول مبشّرا ونذيرا
ومحبّتي آل النّبيّ وصحبهكلّا أراه بالثّناء جديرا
وتمسّكي بالشّافعيّ وعلمهذاك الّذي فتق العلوم بحورا
وجميل ظنّي بالإله وإن جنتنفسي بأنواع الذّنوب كثيرا
إنّ الظّلوم لنفسه إن يأتهمستغفرا يجد الإله غفورا
فاشهد إلهي أنّني مستغفرلا أستطيع لما مننت شكورا
هذا الذي أعددته لشدائديوكفى بربّك هاديا ونصيرا!
قبض أبو سعيد في صلاة المغرب عند قوله: وإيّاك نستعين، وفاضت روحه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.
وينسب إليها القاضي أبو الحسن عليّ بن عبد العزيز الجرجاني. كان أديبا فقيها شاعرا، وهو القائل:
يقولون لي: فيك انقباض! وإنّمارأوا رجلا عن موقف الذلّ أحجما
يرى الناس من داناهم هان عندهمومن أكرمته عزّة النّفس أكرما
وينسب إليها الإمام عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني. كان عالما فاضلا أديبا عارفا بعلم البيان، له كتاب في إعجاز القرآن في غاية الحسن ما سبقه أحد في ذلك الأسلوب. من لم يطالع ذلك الكتاب لا يعرف قدره ودقّة نظره ولطافة طبعه، واطّلاعه على معجزات القرآن.
وبها مشهد لبعض أولاد عليّ الرضا، العجم يسمّونه «كور سرخ»، النذر له يفضي إلى قضاء الحاجة، وهذا أمر مشهور في بلاد العجم، يحمل إليها أموال كثيرة ويصرف إلى جمع من العلويّين هناك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع