تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

نصيبين

مدينة عامرة من بلاد الجزيرة بقرب سنجار. وهي كثيرة المياه والأشجار والبساتين، مسوّرة ولها قهندز. ذكر أن لها ولقراها أربعين ألف بستان، ظاهرها في غاية النزاهة وباطنها يضادّ ظاهرها. وهي وخمة لكثرة مياهها وأشجارها مضرّة سيّما بالغرباء، فإنّه قلّما تخطئ سهامها في الغرباء. وحكي أن بعض التجّار أراد دخول نصيبين، وكان به عقابيل المرض وصفرة اللون، فتمسّك بكمّه بعض ظرفاء نصيبين وقال: ما أخليك تدخل حتى تشهد على نفسك شاهدين عدلين انّك ما دخلت نصيبين إلّا على هذه الصفة، كيلا يقال أمرضته نصيبين!

وروي عن رسول اللّه، ﷺ، انّه قال: رفعت لي ليلة أسري بي مدينة فأعجبتني فقلت لجبريل: ما هذه المدينة؟ فقال: نصيبين. قلت:

اللهم عجل فتحها واجعل فيها بركة للمسلمين!

ومن خاصّية نصيبين أنّها لا تقبل العدل البتّة بل سوق الظلم بها قائم، ولو كان واليها كسرى الخير، ولهذا قال بعض الشعراء:

نصيب نصيبين من ربّهاولاية كلّ ظلوم غشوم!
فباطنها منهم في لظىوظاهرها من جنان النّعيم!

وعقارب نصيبين ممّا يضرب بها المثل؛ حكى أحمد بن الطيّب السرخسي أن أنوشروان حاصر نصيبين، فامتنع أهلها ولم يستطع فتحها، فأشار إليه بعض الحكماء ان يحمل عقارب طيرانشاه، وهي قرية من أعمال شهرزور كثيرة العقارب، في جرار، وتحمل إلى نصيبين وترمى إليها بالعرّادة، ففعل ذلك فانتشرت العقارب في جميع المدينة، ولدغت أهلها فأصابوا منها بلاء عظيما وتقاعدوا عن القتال ففتحها أنوشروان، وذلك أصل عقارب نصيبين.

وحكي أن عامل معاوية بنصيبين كتب إلى معاوية أن جماعة كثيرة من المسلمين الذين كانوا معه أصيبوا بالعقارب، فكتب إليه معاوية يأمره أن يوظّف على كلّ أهل خير من المدّة عدّة عقارب في كلّ ليلة، ففعل ذلك، فهم يأتون بها وهو يأمر بقتلها حتى قلّت.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الرابع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.