تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

النّعمانيّة

بليدة بين بغداد وواسط، كثيرة الخيرات وافرة الغلّات، ولها قرى ورساتيق. بناها النعمان بن المنذر بن قيس بن ماء السماء. سكنها زمانا رافئ الحال فارغ البال في أيّام الأكاسرة إلى أن قضى اللّه تعالى ما شاء.

وصلت ذات مرّة إليها فنزلت في جامعها، فاجتمع علينا من النمل الكبير الأسود شيء كثير، فقال بعض أهلها: نصف البلد هكذا، والنصف الآخر لا يوجد فيه شيء منها.

وحكي أن النعمان كان له صاحبان: أحدهما عديّ بن يزيد العبادي. والآخر الربيع بن زياد. والربيع كان أقرب إليه حتى كان يأكل معه في قصعة واحدة، فحسدهما الحاسدون. أمّا الربيع فرموه بالبرص لأن النعمان كان شديد التنفّر من البرص. كتبوا إليه: يا ابن الملوك السادة الهبنقعه، الضاربين الهام تحت الخيضعه، مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه! ان استه من برص ملمّعه، وانّه يدخل فيه إصبعه. كأنّه يطلب شيئا ضيّعه! فأبعده النعمان وتنفّر منه أشدّ التنفّر، فقال الربيع: أبيت اللعن! لا تسمع كلام الأعداء وقل لمن يبصرني ويجرّبني! فقال النعمان:

شرّد برجلك عنّا حيث شئتولا تكثر عليّ ودع عنك الأقاويلا
فقد رميت بداء لست غاسلهما جاوز النّيل يوما شطّ ابلبلا
قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبافما اعتذارك عن قول إذا قيلا؟

وأمّا عديّ بن زيد فقد سعوا به حتى أبعده النعمان، وكان ابنه زيد بن عديّ كاتبا لكسرى في المكاتبات العربيّة، فذكر لكسرى حبس أبيه، فبعث كسرى إلى النعمان يأمره بالإفراج، فلمّا وصل الرسول بعث عديّ إلى الرسول يقول:

أبصرني قبل أن تمشي إلى النعمان حتى لا يقول النعمان انّه مات! فقال الرسول:

أخاف من مؤاخذة كسرى، فإنّه ما بعثني إلّا إلى النعمان. فلمّا أدّى الرسول الرسالة قال النعمان: عدي من زمان مات! وأمر بقتله.

وعرف الحال زيد بن عدي فطلب فرصة لينتقم من النعمان، وكان كسرى مشغوفا بالنساء، أيّ امرأة حسناء ذكرت عنده يرسل إلى تحصيلها، فكان يجري في مجلسه ذكر النساء. قال زيد بن عدي: ان لعبدك النعمان بنات في غاية الحسن والجمال، إن اقتضى رأي الملك يبعثني إليه أخطب بناته للملك! فبعثه كسرى مع بعض خواصّه من العجم، فقال النعمان: إن للملك في مها العجم لمندوحة عن سودان العرب! فقال زيد للعجمي: احفظ ما يقوله حتى تقول لكسرى! فلمّا عاد إلى كسرى قال: ما معنى هذا الكلام؟ قال زيد: يقول الملك له بقر العجم، ما له ولكحلاوات العرب؟ فتأذى كسرى من هذا وبعث إليه يطلبه، فهرب النعمان في البرية، فما كان حيّ من الأحياء يحويه خوفا من كسرى.

وكلّما أتى عليه الوقت ذهب ماله وقلّ عدده، فرأى أن يأتي كسرى تائبا.

فلمّا وصل أمر كسرى بنصب القباب وإخراج جميع جواريه يرقصن في غناء عجمّي معناه: من له كلّنا أيّ حاجة له إلى البقر؟ فلمّا دخل دهليز كسرى قبض عليه وأمر بإلقائه تحت أرجل الفيل؛ قال الشاعر:

فأدخل بيتا سقفه صدر فيلةبساباط والحيطان منه قوائمه

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الرابع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.