تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

نيسابور

مدينة من مدن خراسان، ذات فضائل حسنة وعمارة، كثيرة الخيرات والفواكه والثمرات، جامعة لأنواع المسرّات، وعتبة الشرق، ولم يزل القفل ينزل بها. وانّها كانت مجمع العلماء ومعدن الفضلاء. وكان عمرو بن الليث الصفّار يقول: أقاتل على بلدة حشيشها الريباس، وترابها البقل، وحجرها الفيروزج.

وإنّما قال ذلك لأن بها ريباسا ليس في جميع الأرض مثله، قد يكون واحدها خمسة أرطال وأكثرها رطلان أو ثلاثة. وهي صادقة البياض كأنّها الطلع، وإنّما عنى بالبقل الطين المأكول الذي لا يوجد مثله في جميع الأرض. يحمل إلى أداني الأرض وأقاصيها لتحفة الملوك، وربّما بيع رطل منه بمصر بدينار واحد، وبالغ محمّد بن زكرياء في خواصّ هذا الطين ومنافعه. وقال أبو طالب المأموني:

خذ لي من البقل فذاك الذيمنها خلقنا وإليها نصير
كأنّه للعين لمّا بداأحجار كافور عليها عبير
للشاعر أبو طالب المأموني، اقرأ القصيدة

وبها معادن الفيروزج. ذكروا أن تلك المعادن آبار ظهر فيها العقارب فامتنع الناس عنها، ولمّا دخلها إسماعيل بن أحمد الساماني، وكان ملكا عادلا، قال:

يا لها من مدينة لو لم يكن بها عيبان! قيل: ما هما؟ قال: كان ينبغي أن تكون مياهها التي في باطن الأرض على ظاهرها، ومشايخها الذين على ظاهرها في باطنها.

وكانت نيسابور من أحسن بلاد اللّه وأطيبها. خرج الغزّ على السلطان سنجر ابن ملكشاه السلجوقي، وكسروه وأسروه وبعثوا جمعا إلى مدينة نيسابور، وذلك في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، فقاتلهم أهل نيسابور أشدّ القتال لأنّهم كانوا كفّارا نصارى، فجاءهم ملك الغزّ وحاصرهم حتى استخلصها عنوة، وقتلوا كلّ من وجدوه وخربوها وأحرقوها، فانتقل الناس إلى الشاذياخ وعمروها

وسوّروها حتى بقيت مدينة طيّبة أحسن من المدينة الأولى، وصارت المدينة الأولى متروكة، وصارت مجامع أهلها مكان الوحوش ومراتع البهائم، فسبحان من لا يعتريه الزوال وكلّ ما سواه يتغيّر من حال إلى حال!

ينسب إليها الإمام العلّامة رضى الدين النيسابوري، قدوة العلماء وأستاذ البشر. كان أصله من نيسابور ومسكنه بخارى، وكان على مذهب الإمام أبي حنيفة، وكان في حلقة درسه أربعمائة فقيه فضلاء، وانّه سلك طريقا لم يسلكه من كان قبله. وكان علم المناظرة قبله غير مضبوط فأحدث له ضبطا وترتيبا، وبذلك فاقت تلامذته جميع علماء زمانهم. وله على كلّ من يسمّى باسم الفقيه منّة، لأن الفقهاء بعده على طريقه وترتيبه.

وينسب إليها الأستاذ قدوة المشايخ أبو القاسم القشيري صاحب الرسالة القشيرية، كان وحيد دهره علما وورعا. حكي انّه إذا دخل على نظام الملك الحسن بن عليّ بن إسحاق، قام من مكانه وقعد بين يديه، وإذا دخل عليه إمام الحرمين يقوم له ويقعده بجنبه، فسئل نظام الملك عن ذلك فقال: لأن أبا القاسم القشيري إذا دخل عليّ يذمّني فيما أعمله. وأمّا إمام الحرمين فإنّه يمدحني فيما أعمله. فيا للّه من شيخ إذا دخل على وزير المشرق والمغرب يذمّ أفعاله ولا يبالي بسلطنته! ويا للّه من وزير من ذمّه في أفعاله أكرم عليه ممّن مدحه!

وحكي أن الملك لمّا صار لطغرلبك السلجوقي واستوزر أبا نصر الكندري، كان السلطان معتزليّا والوزير شيعيّا، أمرا بلعن جميع المذاهب يوم الجمعة على رؤوس المنابر. فعند ذلك فارق الأستاذ أبو القاسم مملكة طغرلبك وقال: لا أقيم في أرض يلعن بها المسلمون! وإمام الحرمين أيضا ذهب إلى أرض الحجاز.

وتوفي أبو القاسم سنة خمس وستّين وأربعمائة.

ينسب إليها من الحكماء عمر الخيّام. كان حكيما عارفا بجميع أنواع الحكمة سيما نوع الرياضيّات. وكان في عهد السلطان ملكشاه السلجوقي سلّم إليه مالا كثيرا ليشتري به آلات الرصد ويتّخذ رصد الكواكب، فمات السلطان

وما تمّ ذلك.

وحكي انّه نزل ببعض الربط، فوجد أهلها شاكين من كثرة الطير ووقوع ذرقها وتنجّس ثيابهم بها، فاتّخذ تمثال الطير من الطين ونصبه على شرفة من شرفات الموضع فانقطع الطير عنها.

وحكي أن بعض الفقهاء كان يمشي إليه كلّ يوم قبل طلوع الشمس، ويقرأ عليه درسا من الحكمة، فإذا حضر عند الناس ذكره بالسوء، فأمر عمر بإحضار جمع من الطبالين والبوقيين وجباهم في داره، فلمّا جاء الفقيه على عادته لقراءة الدرس، أمرهم بدقّ الطبول والنفخ في البوقات، فجاءه الناس من كلّ صوب، فقال عمر: يا أهل نيسابور هذا عالمكم يأتيني كلّ يوم في هذا الوقت، ويأخذ مني العلم، ويذكرني عندكم بما تعلموني، فإن كنت أنا كما يقول فلأيّ شيء يأخذ علمي، وإلّا فلأيّ شيء يذكر الأستاذ بالسوء؟

وينسب إليها أبو حمزة الخراساني. كان من أقران الجنيد وأبي تراب النّخشبي وأبي سعيد الخرّاز. قال: حججت في بعض السنين، فبينما أنا أمشي في الطريق إذ وقعت في بئر، فنازعتني نفسي أن أستغيث حتى يأتيني أحد، فخالفت النفس وقلت: واللّه لا أستغيث؛ فما استتمّت هذه الخطرة حتى أتى برأس البئر رجلان أحدهما يقول للآخر: تعال حتى نسدّ رأس هذه البئر كيلا يقع إنسان فيها. فأتيا بقصب وبارية وسدّا رأس البئر، فهممت أن أصيح ثمّ قلت في نفسي: أصيح إلى من هو أقرب منهما. فسكتّ. فبينما أنا بعد ساعة إذ جاء شيء وكشف رأس البئر وأدلى رجليه فكأنّه يقول في همهمته: تعلّق بي! فتعلّقت به فأخرجني، فإذا هو سبع، فهتف بي هاتف: أليس هذا أحسن؟ نجيناك بالمتلف من التلف!

وينسب إليها أبو القاسم المنادي.

وينسب إليها أبو الطيب سهل الصعلوكي. تصدّر للقضاء والتدريس بنيسابور واجتمع عليه فقهاء خراسان، ووضع في مجلسه خمسمائة محبرة عند إملائه.

قيل: جاء في الحديث عن رسول اللّه، ﷺ. أن اللّه تعالى على رأس كلّ مائة يبعث من يجدّد دينه. فذكر الأصحاب انّه على رأس المائة عمر ابن عبد العزيز، وعلى المائتين محمّد بن إدريس الشافعي، وعلى الثلاثمائة أبو العبّاس أحمد بن سريج، ونظم هذا المعنى بعض أهل العلم فقال:

اثنان قد مضيا وبورك فيهما:عمر الخليفة ثمّ خلف السّؤدد
الشّافعيّ الألمعيّ محمّدإرث النّبوّة وابن عمّ محمّد
وابشر أبا العبّاس إنّك ثالثمن بعدهم، سقيا لتربة أحمد

فقام رجل في مجلس أبي الطيب سهل الصعلوكي، وأنشد تلك الأبيات وألحق بها:

والرّابع المشهور سهل بعدهمأضحى إماما عند كلّ موحّد
لا زال فيما بيننا علم الهدىللمذهب المختار خير مؤيّد

فسكت الشيخ وغمّه ذلك وتوفي في تلك السنة.

حكى أبو سعيد الشحامي قال: رأيت أبا الطيب الصعلوكي في النوم بعد وفاته فقلت: أيّها الشيخ! فقال: دع الشيخ! قلت: وتلك الأحوال التي شاهدتها؟ قال: لم تغن عنّا شيئا! قلت: ما فعل اللّه بك؟ قال: غفر لي بمسائل كانت تسألها العجائز!

وينسب إليها أبو سعيد بن أبي عثمان الخركوشي. كان من مشاهير علماء خراسان بالعلم والزهد والورع وحسن الطريقة. صنّف كتبا كثيرة في العلوم الشرعيّة، وبنى مدرسة ودار مرضى، ووقف عليهما أملاكا كثيرة. وفي آخر عمره اختار الفقر، وكان يأكل من كسب يده: يعمل القلانس ويبيعها خفية حتى لا يدرى أنّها عمله.

حكى أبو الفضل محمّد بن عبد اللّه الصرام قال: رأيت الأستاذ أبا سعيد

خرج مع القوم للاستسقاء وهو ينشد:

إليك جئنا حسبنا ربّناوليس ربّ سواك يغنينا
بابك رحب فناؤه كرمإرحم على بابك المساكينا

ثمّ قال: اللهمّ اسقنا! فما أتمّ ثلاثا حتى سقينا كأفواه القرب.

وينسب إليها أبو محمّد عبد اللّه بن محمّد المرتعش. كان عظيم الشأن، صحب الجنيد، قيل له: إن فلانا يمشي على الماء! فقال: عندي من مكنة اللّه تعالى من مخالفة الهواء ما هو أعظم من المشي على الماء. توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الرابع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.