تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

قسطنطينيّة

صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل منها وصفه كاملًا.

دار ملك الروم، بينها وبين بلاد المسلمين البحر الملح، بناها قسطنطين بن سويروس صاحب رومية، وكان في زمن شابور ذي الأكتاف، وجرى بينهما محاربات استخرج الحكماء وضعها. لم يبن مثلها قبلها ولا بعدها، والحكاية عن عظمها وحسنها كثيرة، وهذه صورتها:

والآن لم تبق على تلك الصورة، لكنها مدينة عظيمة. بها قصر الملك يحيط به سور دورته فرسخ، له ثلاثمائة باب من حديد، فيه كنيسة الملك، وقبّتها من ذهب، لها عشرة أبواب: ستّة من ذهب، وأربعة من فضّة. والموضع الذي يقف فيه الملك أربعة أذرع في أربعة أذرع، مرصّع بالدر والياقوت، والموضع الذي يقف فيه القس ستّة أشبار من قطعة عود قماري.

وجميع حيطان الكنيسة بالذهب والفضّة، وبين يديه اثنا عشر عمودا، كلّ عمود أربعة أذرع، وعلى رأس كلّ عمود تمثال، إمّا صورة آدمي أو ملك أو فرس أو أسد أو طاووس أو فيل أو جمل. وبالقرب منه صهريج، فإذا

أرسل فيه الماء امتلأ، يصعد الماء إلى تلك التماثيل التي على رؤوس الأساطين، فإذا كان يوم الشعانين، وهو عيدهم، في الصهريج حياض ملؤها حوض زيتا وحوض خمرا وحوض عسلا، وحوض ماء وردا وحوض خلّا، وطيبوها بالمسك والقرنفل، وحوض ماء صافيا. ويغطى الصهريج بحيث لا يراه أحد فيخرج الماء والشراب والمائعات من أفواه تلك الصور، فيتناول الملك وأصحابه وجميع من خرج معه إلى العيد.

وبقرب الكنيسة عمود طوله ثلاثمائة ذراع وعرضه عشرة أذرع، وفوق العمود قبر قسطنطين الملك الذي بنى الكنيسة، وفوق القبر تمثال فرس من صفر، وعلى الفرس صنم على صورة قسطنطين، على رأسه تاج مرصع بالجواهر، ذكروا أنّه كان تاج هذا الملك، وقوائم الفرس محكمة بالرصاص على الصخرة، ما عدا يده اليمنى فإنّها سائبة في الهواء، ويد الصنم اليمنى فإنّها في الجوّ كأنّه يدعو الناس إلى قسطنطينية، وفي يده اليسرى كرة، وهذا العمود يظهر في البحر من مسيرة بعض يوم للراكب في البحر، واختلفت أقاويل الناس فيها: فمنهم من يقول في يد الصنم طلسم يمنع العدوّ عن البلد، ومنهم من يقول: على الكرة التي بيده مكتوب: ملكت الدنيا حتى صارت بيدي هكذا، يعني كهذه الكرة، وخرجت منها مبسوط اليد هكذا. واللّه أعلم.

ومن عجائب الدنيا ما ذكره الهروي، وهو منارة قسطنطينية، وهي منارة موثقة بالرصاص والحديد، وهي في الميدان إذا هبّت رياح أمالتها جنوبا وشمالا وشرقا وغربا من أصل كرسيها. ويدخل الناس الخزف والجوز في خلل بنائها فتطحنها.

وبها فنجان الساعات: اتّخذ فيه اثنا عشر بابا، لكلّ باب مصراع طوله شبر على عدد الساعات، كلّما مرّت ساعة من ساعات الليل أو النهار انفتح باب وخرج منه شخص، ولم يزل قائما حتى تتمّ الساعة، فإذا تمّت الساعة دخل ذلك الشخص وردّ الباب، وانفتح باب آخر وخرج منه شخص آخر على هذا المثال.

وذكر الروم انّه من عمل بليناس الحكيم، وعلى باب قصر الملك طلسم وهو ثلاثة تماثيل من صفر على صورة الخيل، عملها بليناس للدواب لئلّا تشغب ولا تصهل على باب الملك.

قال صاحب تحفة الغرائب: في حدّ خليج قسطنطينية قرية فيها بيت من الحجر وفي البيت صورة الرجال والنساء والخيل والبغال والحمير وغيرها من الحيوانات، فمن أصابه وجع في عضو من أعضائه يدخل ذلك البيت، ويقرب من مثل صورته ويمسح بيده مثل العضو الوجع من الصورة، ثمّ يمسح العضو الوجع فإن وجعه يزول في الحال.

وبها قبر أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول اللّه، ﷺ.

حكي أنّه لمّا غزا يزيد بن معاوية بلاد الروم، أخذ معه أبا أيوب الأنصاري، وكان شيخا همّا، أخذه للبركة فتوفي عند قسطنطينية، فأمر يزيد أن يدفن هناك ويتّخذ له مشهد. فقال صاحب الروم: ما أقلّ عقل هذا الصبي! دفن صاحبه ههنا وبنى له مشهدا، ما تفكّر في أنّه إذا مشى نبشناه ورميناه إلى الكلاب! فبلغ هذا القول يزيد بن معاوية قال: ما رأيت أحمق من هذا، ما تفكّر في أنّه إن فعل ذلك ما نترك قبرا من قبور النصارى في بلادنا إلّا نبشناه، ولا كنيسة إلّا خربناها! فعند ذلك قال صاحب الروم: ما رأينا أعقل منه ولا ممّن أرسله! وهذه التربة عندهم اليوم معظّمة، يستصحبون فيها ويكشفون سقفها عند الاستسقاء إذا قحطوا فيغاثون.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم السادس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.