من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
(١١) حسن التعليل
يعني أن الأديب يدعي لوصف علة مناسبة غير حقيقية، ولكن فيها حسن وطرافة، فيزداد بها المعنى المراد الذي يرمي إليه جمالًا وشرفًا، كقول المعري في الرثاء:
وما كلفة البدر المنير قديمةولكنها في وجهه أثر اللطم
يقصد أن الحزن على «المرثي» شمل كثيرًا من مظاهر الكون؛ فهو لذلك يدَّعي أن كلفة البدر (وهي ما يظهر على وجهه من كدرة) ليست ناشئة عن سبب طبيعي، وإنما هي حادثة من «أثر اللطم على فراق المرثي». ومثله قول الشاعر الآخر:
أما ذكاء فلم تصفَرَّ إذا جنحتإلا لفرقة ذاك المنظر الحسن
يقصد أن الشمس لم تصفر عند الجنوح إلى المغيب للسبب المعروف، ولكنها «اصفرت مخافة أن تفارق وجه الممدوح». ومثله قول الشاعر الآخر:
ما قصر الغيث عن مصر وتربتهاطبعًا ولكن تعداكم من الخجل
ولا جرى النيل إلا وهو معترفبسبقكم فلذا يجري على مهل
يُنكر هذا الشاعر الأسباب الطبيعية لقلة المطر بمصر، ويلتمس لذلك سببًا آخر، وهو «أن المطر يخجل أن ينزل بأرض يعمها فضل الممدوح وجوده»؛ لأنه لا يستطيع مباراته في الجود والعطاء، ولا بد في العلة أن تكون ادعائية، ثم إن الوصف أعم من أن يكون ثابتًا فيقصد بيان علته، أو غير ثابت فيراد إثباته.
فالأول: (أ) وصف ثابت غير ظاهر العلة، كقوله:
بين السيوف وعينيها مشاركةمن أجلها قيل للأجفان أجفان
وقوله:
لم يحك نائلك السحاب وإنماحُمَّتْ به فصبيبها الرُّحْضَاء
وقوله:
زعم البنفسج أنه كعذارهحُسْنًا، فسلوا من قفاه لسانه
فخروج ورقة البنفسج إلى الخلف لا علة له، لكنه ادعى أن علته الافتراء على المحبوب.
(ب) أو وصف ثابت، ظاهر العلة، غير التي تذكر، كقول المتنبي:
ما به قتلُ أعاديه ولكنيتقي إخلاف ما ترجو الذِّئاب
فإن قتل الأعادي عادة للملوك؛ لأجل أن يسلموا من أذاهم وضرهم، ولكن «المتنبي» اخترع لذلك سببًا غريبًا، فتخيل أن الباعث له على قتل أعاديه لم يكن إلا ما اشتهر وعُرف به، حتى لدى الحيوان الأعجم من «الكرم الغريزي، ومحبته إجابة طالب الإحسان» ومن ثم فتك بهم؛ لأنه علم أنه إذا غدا للحرب رجت الذئاب أن يتسع عليها رزقها، وتنال من لحوم أعدائه القتلى، وما أراد أن يخيب لها مطلبًا.
والثاني: وصف غير ثابت، وهو:
(أ) إما ممكن، كقول مسلم بن الوليد:
يا واشيًا حسنت فينا إساءتهنجَّى حذارك إنساني من الغرق
فاستحسان إساءة الواشي ممكن، ولكنه لما خالف الناس فيه عقبه بذكر سببه، وهو أن حذاره من الواشي منعه من البكاء، فسلم إنسان عينه من الغرق في الدموع.
(ب) وإما غير ممكن، كقول الخطيب القزويني:
لو لم تكن نية الجوزاء خدمتهلما رأيت عليها عقد منتطق
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع