تجاوز إلى المحتوى

من «أخبار الصين والهند» لأبي زيد السيرافي (ت بعد ٣٣٠هـ)

حديث ملك القمار وزيره وقصته مع ملك الزايج

فقيل انّ هذا الملك تقلّد الملك على القمار في قديم الأيام، وهو حدث متسرع، وانّه جلس يوما في قصره وهو مشرف على واد يجري بالماء العذب ك (دجلة) العراق، وبين قصره والبحر مسيرة يوم، ووزيره بين يديه، إذ قال لوزيره- وقد جرى ذكر مملكة المهراج وجلالتها وكثرة عمارتها وما تحت يده من الجزائر- في نفسي شهوة كنت أحبّ بلوغها، فقال له الوزير- وكان ناصحا وقد علم منه السرعة- ما هي أيّها الملك، قال: كنت أحبّ أن أرى رأس المهراج ملك الزايج في طست بين يديّ، فعلم الوزير أنّ الحسد أثار هذا الفكر في نفسه، فقال: أيّها الملك ما كنت أحبّ أن يحدّث الملك نفسه بمثل هذا إذ لم يجر بيننا وبين هؤلاء القوم لا في فعل ولا في حديث ترة، ولا رأينا منهم شرّا، وهم في جزيرة نائية غير مجاورة لنا في أرضنا، ولا طامعين في ملكنا، وليس ينبغي أن يقف على هذا الكلام أحد ولا يعيد الملك فيه قولا، فغضب ولم يسمع من الناصح، وأذاع ذلك لقوّاده ومن كان يحضره من وجوه أصحابه، فتناقلته الألسن حتّى شاع واتّصل بالمهراج وكان جزلا متحرّكا محنّكا، قد بلغ في السنّ مبلغا متوسّطا، فدعا بوزيره، وأخبره مما اتّصل به، وقال له: ليس يجبّ مما شاع من أمر هذا الجاهل وتمنّيه ما تمناه بحداثة سنّه وغرّته وانتشار ذلك من قوله أن نمسك عنه، فانّ ذلك مما يفتّ في عضد الملك وينقصه ويضع منه وأمره بستر ما جرى بينهما، وأن يعدّ له ألف مركب

من أوساط المراكب بآلاتها، ويندب لكلّ مركب منها من جملة السّلاح وشجعان الرّجال من يستقلّ به، وأظهر انّه يريد التنزّه في الجزائر التي في مملكته، وكتب إلى الملوك الذين في هذه الجزائر وهم في طاعته، وجملته بما عزم عليه من زيارتهم والتنزه بجزائرهم حتى شاع ذلك، وتأهب ملك كل جزيرة لما يصلح للمهراج، فلمّا استتب أمره وانتظم دخل في المراكب وعبر بها وبالجيش الى مملكة القمار وهو وأصحابه أهل سواك دائم، يفعل الرجل منهم ذلك في اليوم مرّات، وسواك كلّ واحد منهم معه لا يفارقه أو مع غلامه، فلم يشعر به ملك القمار حتّى هجم على الوادي المفضى إلى دار ملك القمار، وطرح رجاله فأحدقوا به على سبيل غرّة فأخذه واحتوى على داره، وطار أهل المملكة من بين يديه، فأمر بالنداء بالأمان، وقعد على السّرير الذي كان يجلس عليه ملك القمار، وقد أخذه أسيرا فأحضره وأحضر وزيره، فقال لملك القمار: ما حملك على تمنّي ما ليس في وسعك ولا لك فيه حظ لو نلته، ولا أوجبه سبب يسهّل السبيل إليه، فلم يحر جوابا، ثمّ قال له المهراج: أمّا انّك لو تمنّيت مما تمنّيته من النظر إلى رأسي في طست بين يديك إباحة أرضي وملكها أو الفساد في شيء منها لاستعملت ذلك كلّه فيك، لكنّك تمنّيت شيئا بعينه، فأنا فاعله بك وراجع إلى بلدي من غير أن أمدّ يدا إلى شيء من بلادك ممّا جلّ ودقّ لتكون عظة لمن بعدك ولا يتجاوز كلّ قدره وما قسم له، وأن يستغنم العافية من لبسته، ثمّ ضرب عنقه.

ثمّ أقبل على وزيره، فقال له: جزيت خيرا من وزير، فقد صح عندي انّك أشرت على صاحبك بالرأى لو قبل منك، فانظر من

يصلح للملك من بعد هذا الجاهل فأقمه مقامه.

وانصرف من ساعته راجعا إلى بلاده من غير أن يمدّ هو ولا أحد من أصحابه يده إلى شيء من بلاد القمار.

فلمّا رجع إلي مملكته قعد على سريره وأشرف على غديره ووضع الطست بين يديه وفيها رأس ملك القمار، وأحضر وجوه مملكته وحدّثهم بخبره والسّبب الذي حمله على ما أقدم عليه، فدعا له أهل مملكته وجزوه خيرا، ثم أمر بالرأس فغسل وطيّب وجعله في ظرف وردّه إلى الملك الذي قام بالأمر ببلاد القمار من بعد الملك المقتول.

وكتب إليه: أن الذي حملني على ما فعلناه بصاحبك بغيه علينا وتأديبنا لأمثاله، وقد بلغنا منه ما أراده بنا، ورأينا ردّ الرأس إليك اذ لا درك لنا في حبسه ولا فخر بما ظفرنا به منه.

واتّصل الخبر بملوك الهند والصّين فعظم المهراج في أعينهم وصارت ملوك القمار من بعد ذلك كلّما أصبحت قامت وحوّلت وجوهها نحو بلاد الزايج فسجدت وكفّرت للمهراج تعظيما.

وسائر ملوك الهند والصّين يقولون بالتناسخ ويدينون به، وذكر بعض من يوثق بخبره انّ ملكا من ملوكهم جدّر فلمّا خرج من الجدري نظر في المرآة فاستقبح وجهه فأبصر ابنا لأخيه، فقال له: ليس مثلي أقام في هذا الجسم علي تغيره وانّما هو ظرف للرّوح متى زال عنه عاد في غيره فقم بالملك فانّي مزيل بين جسمي وروحي إلى أن انحدر في جسم غيره، ثم دعا بخنجر له

مشحوذ قاطع فأمر به فحزّ رأسه ثمّ أحرق.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٩م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الكتاب الثاني من أخبار الصين والهند

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.