من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)
دير مريحنا
وهذا الدير إلى جانب تكريب، على دجلة. وهو كبير عامر كثير القلايات والرهبان، مطروق مقصود، لا يخلو من المتطربين والمتنزهين ولا من مسافر ينزله. ولكل من طرقه من الناس ضيافة قائمة على قدر المضاف لا يخلون بها. وله مزارع وغلات كثيرة وبساتين وكروم. وهو للنسطور. وعلى بابه صومعة عبدون الراهب، رجل من الملكية، بنى الصومعة ونزلها فصارت تعرف به. وهو الآن المستولي على الدير والقيم به وبمن فيه. وقد بنى إلى جانبه بناء ينزله المجتازون، فيقيم لهم الضيافة ويحسن لهم القرى. وقد قيل في هذا الدير أشعار ووصف طيبه ونزهته. فمن ذلك قول عمرو بن عبد الملك الوراق:
أرى قلبي قد حنّاإلى دير مريُحنا
إلى غيطانه الفيحإلى بركته الغنا
إلى ظبي من الأنسيصيد الأنس والجنا
إلى غصنٍ من البانبه قلبي قد جنّا
إلى أحسن خلق اللهإن قدّس أو غنّا
فلما انبلج الصّبحبزلنا بيننا دنّا
فلما دارت الكأسأدرنا بيننا لحنا
ولما هجع السمّار نمنا وتعانقنا
وكان عمرو هذا من الخلعاء المجان، المنهمكين في البطالة والخسارة والاستهتار بالمرد والتطرح في الديارات: وله شعر كثير في المجون ووصف الخمر. وقد ذكرنا منه ما يليق بالكتاب. فمن شعره قوله:
وحظيّة فيها العطبغاليت فيها بالعطب
أتلفت فيها ما كسبت وما جمعت من النشب
ما زلت حتى نلتهافي بيت مضطرب الخشب
ومدامةٍ كرخيةٍحمراء من ماء العنب
عاقرتها في فتيةٍليسوا على دين العرب
في معشر مهروا المجانة في اللذاذة والطرب
جعلوا المجانة سترةًللعاذلين على الرتب
تمضي الصلاة عليهموالسكر منهم في العصب
فإذا تنبه من تنبّهـ كان منها في الطلب
وإذا مضت صلواتهمصلوا جمادى في رجب
ومن شعره في المجون أيضاً:
أيها السائل عنيلست من أهل الصلاح
أنا إنسانٌ مريبٌأشتهي نيك الملاح
قد قسمت الدهر يومين. لفسق ولراح
لا أُبالي من لحانيلا أطيع الدهر لاح
ومن مجونه أيضاً:
إذا أنت لم تشرب عقاراً ولم تلطفأنت لعمري والحمار سواء
ولم تمل بيتاً من قحابٍ ولم يبتفراشك أرضاً ما عليه غطاء
ولم تك بالشطرنج عبداً مقامراًوفي النرد عند الخصل منك وفاء
ولم تك في لعب النوى متماحكاًفتسلب مالاً أو يكون نواء
ولم تتخذ كلباً وقوساً وبندقاًوبرج حمام لم يصبك رخاء
ولم تدر ما عيش ولم تلق لذةفأنت حمارٌ ليس فيك مراء
فإن أنت لم تفطن لعيش جهلتهفدونكه ما دام فيك بقاء
وإياك أن تنفك من سكرٍ طافحمساؤك صبحاً والصباح مساء
ونك من لقيت الدّهر منهم ولا يكنعليك إذا أعطوك منك إباء
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع