من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)
دير السوسي
وهذا الدير لطيف على شاطىء دجلة، بقادسية سر من رأى. وبين القادسية وسر من رأى أربعة فراسخ، والمطيرة بينهما. وهذه النواحي كلها متنزهات وبساتين وكروم. والناس يقصدون هذا الدير ويشربون في بساتينه. وهو من مواطن السرور ومواضع القصف واللعب.
ولابن المعتز، فيه:
يا لياليّ بالمطيرة والكرخ وجير السّوسي بالله عودي
كنت عندي أنموذجات من الجنّة، لكنها بغير خلود
والقادسية، من أحسن المواضع وأنزهها، وهي من معادن الشراب ومناخات المتطربين، جامعة لما يطلب أهل البطالة والخسارة. وبالقادسية بنى المتوكل قصره المعروف ببركوار، ولما فرغ من بنائه وهبه لابنه المعتز، وجعل أعذاره فيه. وكان من أحسن أبنية المتوكل وأجلها. وبلغت النفقة عليه عشرين ألف ألف درهم.
قال: ولما صح عزمه على إعذار أبي عبد الله المعتز، أمر الفتح بن خاقان بالتأهب له، وأن يلتمس في خزائن الفرش بساطاً للايوان في عرضه وطوله، وكان طوله مائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعاً. فلم يوجد إلا فيما قبض عن بني أمية، فإنه وجد في أمتعة هشام بن عبد الملك على طول الايوان وعرضه. وكان بساطاً ابريسماً غرز مذهب مفروز مبطن؛ فلما رآه المتوكل، أعجب به وأراد أن يعرف قيمته. فجمع عليه التجار، فذكر أنه قوم على أوسط القيم عشرة آلاف دينار. فبسط في الايوان، وبسط لخليفة في صدر الايوان سرير، ومد بين يديه أربعة آلاف مرفع ذهب مرصعة بالجوهر فيها تماثيل العنبر والند والكافور المعمول على مثل الصور، منها ما هو مرصع بالجوهر مفرداً، ومنها ما عليه ذهب وجوهر وجعلت بساطاً ممدوداً، وتغدى المتوكل والناس، وجلس على السرير، وأحضر الأمراء والقواد والندماء وأصحاب المراتب فأجلسوا على مراتبهم، وجعل بين صوانيهم والسماط فرجة. وجاء الفراشون بزبل قد غشيت بأدم مملوءة دنانير ودراهم نصفين، فصبت في تلك الفرج حتى ارتفعت. وقام الغلمان فوقها، وأمروا الناس عن الخليفة بالشرب، وأن ينتقل كل من يشرب بثلاث حفنات ما حملت يداه من ذلك المال. فكان إذ أثقل الواحد منهم ما اجتمع في كمه أخرج إلى غلمانه فدفعه إليهم وعاد إلى مجلسه. وكلما فرغ موضع أتى الفراشون بما يملأونه به حتى يعود إلى حاله. وخلع على سائر من حضر ثلاث خلع كل واحد، وأقاموا إلى أن صليت العصر والمغرب وحملوا عند انصرافهم على الأفراس والشهاري. وأعتق المتوكل عن المعتز ألف عبد، وأمر لكل واحد منهم بمائة درهم وثلاثة أثواب. وكان في صحن الدار بين يدي الايوان أربعمائة بلية عليهن أنواع الثياب، وبين يديهن ألف نبيجة خيزران، فيها أنوا ع الفواكه من الأترج والنارنج على قلته كان في ذلك الوقت والتفاح الشامي والليموه وخمسة آلاف باقة نرجس وعشرة آلاف باقة بنفسج. وتقدم إلى الفتح بأن ينثر على البليات وخدم الدار والحاشية ما كان أعده لهم وهو عشرون ألف ألف درهم، فلم يقدم أحد على التقاط شيء، فأخذ الفتح درهماً، فأكبت الجماعة على المال فنهب. وكانت قبيحة قد تقدمت بأن تضرب دراهم، عليها: بركة من الله، لاعذار أبي عبد الله المعتز بالله. فضرب لها ألف ألف درهم نثرت على المزين ومن في حيزه والغلمان والشاكرية وقهارمة الدار والخدم الخاصة من البيضان والسودان.
وكان ممن حضر المجلس ذلك اليوم، محمد بن المنتصر، وأبو أحمد وأبو سليمان ابنا الرشيد، وأحمد والعباس ابنا المعتصم، وموسى بن المأمون، وابنا حمدون النديم، وأحمد بن أبي رؤيم، والحسين بن الضحاك، وعلي بن الجهم، وعلي بن يحيى المنجم، وأخوه أحمد.
ومن المغنين: عمرو بن بانة، أحمد بن أبي العلاء، ابن الحفصي، ابن المكي، سلمك الرازي، عثعث، سليمان الطبال، المسدود؛ أبو حشيشة، ابن القصار، صالح الدفاف، زنام الزامر، تفاح الزامر.
ومن المغنيات: عريب، بدعة جاريتها، سراب، شارية وجواريها، ندمان، منعم، نجلة، تركية، فريدة، عرفان.
قال إبراهيم بن المدبر: لما طهر المعتز، اجتمع مشايخ الكتاب بين يدي المتوكل. وكان فيهم يحيى بن خاقان وابنه عبيد الله إذ ذاك الوزير وهو واقف موقف الخدم بقباء ومنطقة. وكان يحيى لا يشرب النبيذ. فقال المتوكل لعبيد الله: خذ قدحاً من تلك الأقداح واصبب فيه نبيذاً وصير على كتفك منديلاً وامض إلى أبيك يحيى فضعه في كفه. قال: ففعل. فرفع يحيى رأسه إلى ابنه، فقال المتوكل: يا يحيى، لا ترده. قال: لا يا أمير المؤمنين، ثم شربه وقال: قد جلت نعمتك عندنا يا أمير المؤمنين، فهنأك الله النعمة ولا سلبنا ما أنعم به علينا منك. فقال: يا يحيى، إنما أردت أن يخدمك وزير بين يدي خليفة في طهور ولي عهد! وقال إبراهيم بن العباس: سألت أبا حرملة المزين في هذا اليوم، فقلت: كم حصل لك إلى أن وضع الطعام؟ فقال: نيف وثمانون ألف دينار، سوى الصياغات والخواتيم والجواهر العتيدات.
قال: وأقام المتوكل ببركوارا ثلاثة أيام، ثم أصعد إلى قصره الجعفري. وتقدم بإحضار إبراهيم بن العباس، وأمره أن يعمل له عملاً بما أنفق في هذا الاعذار، ويعرضه عليه. ففعل ذلك. فاشتمل العمل على ستة وثمانين ألف ألف درهم.
وكان الناس يستكثرون ما أنفقه الحسن بن سهل في عرس ابنته بوران، حتى أرخ ذلك في الكتب، وسميت دعوة الاسلام. ثم أتى من دعوة المتوكل ما أنسى ذلك.
وكانت الدعوات المشهورة في الاسلام، ثلاثاً لم يكن مثلها. فمنها: دعوة المعتز هذه المذكورة. ومنها عرس زبيدة بن جعفر بن أبي جعفر. فإن المهدي، زوج ابنه الرشيد بأم جعفر ابنة أخيه، فاستعد لها ما لم يستعد لامرأة قبلها من الآلة وصناديق الجوهر والحلي والتيجان والأكاليل وقباب الفضة والذهب والطيب والكسوة. وأعطاها بدنة عبدة ابنة عبد الله بن يزيد بن معاوية امرأة هشام، ولم ير في الاسلام مثلها ومثل الحب الذي كان فيها. وكان في ظهرها وصدرها خطان ياقوت أحمر وباقيها من الدر الكبار الذي ليس مثله. ودخل بها الرشيد في المحرم سنة خمس وستين ومائة، في قصره المعروف بالخلد. وحشر الناس من الآفاق وفرق فيهم من الأموال أمر عظيم. فكانت الدنانير تجعل في جامات فضة، والدراهم في جامعات ذهب، ونوافج المسك وجماجم العنبر والغالية في بواطي زجاج، ويفرق ذلك على الناس، ويخلع عليهم خلع الوشي المنسوجة، وأوقد بين يديه في تلك الليلة شمع العنبر في أتوار الذهب. وأحضر نساء بني هاشم، وكان يدفع إلى كل واحدة منهن كيس فيه دنانير وكيس فيه دراهم وصينية كبيرة وفضة فيها طيب، ويخلع عليها خلعة وشي مثقل. فلم ير في الاسلام مثلها. وبلغت النفقة في هذا العرس من بيت مال الخاصة، سوى ما أنفقه الرشيد من ماله، خمسين ألف ألف درهم.
واسم زبيدة أمة العزيز. وزبيدة لقب. وكان أبو جعفر يرقصها وهي صغيرة، وكانت سمينة، ويقول: ما أنت إلا زبيدة، ما أنت إلا زبيدة. فمضى عليها هذا الاسم.
ومنها عرس المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل، بفم الصلح. وكانت النفقة عليه أمراً عظيماً. وسأل المأمون زبيدة عن تقدير النفقة في العرس، فقالت: ما بين خمسة وثلاثين ألف ألف إلى سعة وثلاثين ألف ألف. فبلغ الحسن بن سهل، فقال: كأن النفقة على يد زبيدة! أنفقنا خمسة وثلاثين ألف ألف، وكان يجري في جملة الجرايات في كل يوم على نيف وثلاثين ألف ملاح.
وكان دخولها في المدينة التي بناها بفم الصلح على شاطىء دجلة، لثمان خلون من شهر رمضان سنة عشر ومائتين.
قال: وأمهر المأمون بوران مائة ألف دينار وخمسة آلاف ألف درهم، وأوقد بين يديه تلك الليلة ثلاث شمعات عنبر وكثر دخانها. فقالت زبيدة: إن فيما ظهر من المروءة لكفاية، ارفعوا هذا الشمع العنبر وهاتوا الشمع.
قال: ولما جليت بوران على المأمون، نثر عليها حباً كباراً كان في كمه، فوقع على حصير ذهب كان تحته. فقال: لله در الحسن بن هانىء، ما أعظمه من شاعر فصيح حيث يقول:
كأن صغرى وكبرى من فواقعهاحصباء درّ على أرض من الذهب
قال: وامتنع من كان حاضراً أن يلتقط شيئاً. فقال المأمون: أكرمنها! فمدت زبيدة يدها فأخذت حبة، فالتقط من حضر الباقي.
وكان اسم بوران، خديجة. وكانت وفاتها في سنة إحدى وسبعين ومائتين، في أيام المعتمد، ولها ثمانون سنة.
ولبوران، ترثي المأمون:
أسعداني على البكا مقلتيّاصرت بعد الامام للهمّ فيّا
كنت أسطو على الزمان فلمّامات، صار الزمان يسطو عليّا
ذكر ابن خرداذبه: أن المتوكل، أنفق على الأبنية التي بناها، وهي: بركوارا، والشاة، والعروس، والبركة، والجوسق، والمختار، والجعفري، والغريب، والبديع، والصبيح، والمليح، والسندان، والقصر، والجامع، والقلاية، والبرج، وقصر المتوكلية، والبهو، واللؤلؤة: مائتي ألف ألف وأربعة وسبعين ألف ألف درهم. ومن العين مائة ألف ألف دينار. تكون قيمة الورق عيناً بصرف الوقت مع ما فيه من العين ثلاثة عشر ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وخمسة وعشرين ألف دينار.
قال: شرب المتوكل يوماً في بركوارا، فقال لندمائه: أرأيتم إن لم يكن أيام الورد لا نعمل نحن شاذكلاه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، لا يكون الشاذكلاه إلا بالورد. فقال: بلى. أدعوا لي عبيد الله بن يحيى. فحضر، فقال: تقدم بأن تضرب لي دراهم، في كل درهم حبتان. قال: كم المقدار يا أمير المؤمنين؟ قال: خمسة آلاف ألف درهم. فتقدم عبيد الله في ضربها، فضربت، وعرفه الخبر. فقال: اصبغ منها بالحمرة والصفرة والسواد، واترك بعضها على حاله. ففعل. ثم تقدم إلى الدم والحواشي، وكانوا سبعمائة، أن يعد كل واحد منهم قباء جديداً وقلنسوة على خلاف لون قباء الآخر وقلنسوته، ففعلوا. ثم عمد إلى يوم تحركت فيه الريح، فنصبت له قبة لها أربعون باباً، فاصطبح فيها، والندماء حوله. ولبس الخدم الكسوة التي أعدها، وأمر بنثر الدراهم كما ينثر الورد. فنثرت أولاً أولاً، فكانت الريح تحمل الدراهم فتقف بين السماء والأرض كما يقف الورد. فكان من أحسن أيام المتوكل وأظرفه.
وكان البرج من أحسن ابنيته. فجعل فيه صوراً عظاماً من الذهب والفضة، وبركة عظيمة جعل فرشها ظاهرها وباطنها صفائح الفضة، وجعل عليها شجرة ذهب، فيها كل طائر يصوت ويصفر، مكللة بالجوهر، وسماها طوبى. وعمل له سرير من الذهب كبير، عليه صورتا سبعين عظيمين، ودرج عليها صور السباع والنسور وغير ذلك، على ما يوصف به سرير سليمان بن داود ﵉. وجعل حيطان القصر من داخل وخارج ملبسة بالفسيفساء والرخام المذهب. فبلغت النفقة على هذا القصر ألف ألف وسبعمائة ألف دينار. وجلس فيه على السرير الذهب، وعليه ثياب الوشي المثقلة. وأمر ألا يدخل عليه أحد إلا في ثياب وشي منسوجة أو ديباج ظاهره. وكان جلوسه فيه في سنة تسع وثلاثين ومائتين. ثم دعا بالطعام، وحضر الندماء وسائر المغنين والملهين، وأكل الناس. ورام النوم فما تهيأ له. فقال له الفتح: يا مولاي، ليس هذا يوم نوم. فجلس للشرب. فما كان الليل، رام النوم، فما أمكنه، فدعا بدهن بنفسج، فجعل منه شيئاً على رأسه وتنشقه فلم ينفعه. فمكث ثلاثة أيام بلياليها لم ينم. ثم حم حمى حادة. فانتقل إلى الهاروني قصر أخيه الواثق، فأقام به ستة أشهر عليلاً، وأمر بهدم البرج وضرب تلك الحلي عيناً.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع