من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)
دير العلث
والعلث، قرية على شاطىء دجلة، في الجانب الشرقي منها، وبين يديها من دجلة موضع صعب، ضيق المجاز، كبير الحجارة، شديد الجرية، تجتاز فيه السفن بمشقة. وهذه المواضع تسمى الأبواب. وإذا وافت السفن إلى العلث، أرست بها، فلا يتهيأ لها الجواز إلا بهادٍ من أهلها يكترونه، فيمسك السكان ويتخلل بهم تلك المواضع، فلا يحطها حتى يتخلص منها.
وهذا الدير راكب دجلة. وهو من أحسن الديارات موقعاً وأنزهها موضعاً، يقصد من كل بلد، ويطرقه كل أحد. ولا يكاد يخلو من منحدر ومصعد. ومن دخله لم يتجاوزه إلى غيره لطيبه ونزهته ووجود جميع ما يحتاج إليه بالعلث وبه.
ولجحظة، فيه:
أيها المالحان بالله جُدّاواصلحا لي الشراع والسكانا
بلّغاني، هديتما، البرداناوانزلا بي من الدنان دنانا
واعدلا بي إلى القبيصة فالزهراء، علّي أفرّج الأحزانا
وإذا ما أقمت حولاً تماماًفاقصدا بي إلى كروم أوانا
وانزلا بي إلى شرابٍ عتيقعتّقته يهوده أزمانا
واحططا لي الشراع بالدير بالعلث، لعلي أعاشر الرهبانا
وظباء يتلون سفراً من الانجيل، باكرن، سحرة قربانا
لابسات من المسوح ثياباًجعل الله تحتها أغصانا
خفرات حتى إذا دارت الكأس، كشفن النّحور والصلبانا
رقّ حتى حسبته خدّ من أبدلني من وصاله هجرانا
وللمعتمد:
يا طول ليلي بفم الصّلحأتبعت خسراني بالربح
لهفي على دهر لنا قد مضىبالقصر والقاطول والشلح
بالدير بالعلث ورهبانهبين الشعانين إلى الدّنح
وكان للمعتمد شعر جيد وشعر غير موزون، وربما قال الأبيات، فيصح بعضها ويفسد باقيها. وكان يعطيه المغنين، فيعملون عليه ألحانا، فيغيب عيبه في التقطيع والألحان، إلا على خاصة الناس.
قالت بدعة: كان المعتمد يوجه شعره إلى عريب لتصوغ له الألحان. فكانت تقول: ويلي! كم أغني في حروف ألف، با، تا، ثا؟ قال الصولي: أنشدني عبد الله بن المعتز من شعره الموزون:
الحمد لله ربيملكت مالك قلبي
فصرت مولى لملكيوصار مولىً لحبي
ومن شعره، لما أكثر الموفق نقله، من مكان إلى مكان:
ألفت التباعد والغربهففي كل يوم أطا تربه
وفي كلّ يوم أرى حادثاًيؤدي إلى كبدي كربه
أمرّ الزمان لنا طعمهفما إن نرى ساعةً عذبه
وهذا شعر جيد صحيح في معناه.
ومن شعره الموزون:
بُليت بشادن كالبدر حسناًيعذّبني بأنواع الجفاء
ولي عينان دمعهما غزيرٌونومهما أقلّ من الوفاء
وذكر الصولي، إن المكتفي أخرج إليهم مدارج مكتوبة بالذهب من شعر المعتمد. فكان فيها من الموزون:
طال والله عذابيواهتمامي واكتئابي
بغزال من بني الأصفر لا يعنيه ما بي
أنا مغرىً بهواهوهو مغرىً باجتنابي
وإذا ما قلت: صلنيكان لا منه جوابي
وكان فيها أيضاً:
عجّل الحبّ بفرقهفبقلبي منه حرقه
مالكٌ بالحبّ رقيوأنا ملك رقّه
إنما يستروح الصبّإذا أظهر عشقه
وللمعتمد، شعر غنت فيه شارية، في طريقة الرمل:
تأنّيت بالحب دهراً طويلاًفلم أر في الحب يوماً سرورا
ومما غنت فيه من شعره:
يا نفس، ويحك ما لكأني لأُنكر حالك
وله:
أصبحت لا أملك دفعاً لماأُسام من خسفٍ ومن ذلّه
تمضي أُمور الناس دوني ولايشعر بي في ذكرها قلّه
إذا اشتهيت الشيء ولّوا بهعني، وقالوا: ها هنا علّه
قال: طلب المعتمد ثلثمائة دينار، يصل بها عريباً، وقد حضرت عنده، فلم توجد! فطلب مائتي دينار، فلم توجد..! فبكى، وقال
أليس من العجائب أن مثلييرى ما قلّ ممتنعاً عليه؟
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعاًوما من ذاك شيءٌ في يديه!
إليه تُحمل الأموال طُراًويمنع بعض ما يجبى إليه!
وكان، لما فوض الأمور إلى أخيه أبي أحمد، واستروح إلى كفايته للقيام بها، وتفريغه للهو والشرب واللعب، وترك النظر في شيء من أمر المملكة أو المسئلة عنه، طمع أبو أحمد، واستبد بالأمر، وغلب على المملكة. ورام المعتمد بعد ذلك تغيير الحال، فعزه وأعوزه وامتنع عليه وطمع الناس جميعاً فيه، إذ رأوه مغلوباً على أمره، ورأوا لا ضر ولا نفع في يده.
وذكر إسحق بن روح، أن مفلحاً وجهه إلى المعتمد، وقال: قل له: قد سمعت هزاراً جارية أمير المؤمنين، فأعجبتني وأحببت أن أملكها؛ ورأيت بدراً الجلنار فأعجبني، فأحببت أن أملكه. فليوجه بهما أمير المؤمنين إلي. فأديت الرسالة إلى المعتمد بعد أن استأذنته فيها. فلما سمعها غضب وخرق ثيابه وقال: هكذا يفعل العبيد بالموالي، يغصبونهم على حرمهم وغلمانهم؟ وتكلم بأشياء عظيمة، فخرجنا، فردنا وقد سكن، ثم قال: مثل أبي صالح لا يرد عن طلبته. قد أمرت بحمل هزار مع كسوتها وفرشها وجواريها وجميع ما لها. فأما بدر الجلنار فقد وقع على خدمتنا وله منا موضع. فقل له يسعفنا بتركه. فعدت إلى مفلح فأخبرته بطرف من الأول وبالآخر. وكان على الخروج إلى البصرة لحرب صاحب الزنج. فقال: يا أبا إسحق، قد حصلت هزار، وإذا رجعنا من هذه الحرب، أخذنا بدراً الجلنار منه، شاء أم أبى. فخرج، فأصابه سهم فمات.
وكان المعتمد من أسمح آل العباس، وكان يمثل بينه وبين المستمعين ويقال ما ولي أسمح منهما. وكان جيد التدبير، فهماً بالأمور. فلما قوض أمره وغلب على رأيه، نقصت حاله عند الناس.
قال محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان: بعث بي أبي إلى المعتمد في شيء، فقال لي اجلس. فاستعظمت ذاك، فرد الأمر علي، فاعتذر بأنه لا يجوز لي. فقال لي: يا محمد، إن أدبك في القبول مني خير من أدبك في خلافي.
قال: ظلم بعض أسباب موسى بن بغا محمد بن علي الكاتب المعروف بباذنجانة، فلما مات موسى، هجاه، فقال:
مات قسّ الدير موسىلعن الرحمن موسى
فلقد كان ضعيفاًفي تُقى الله خسيسا
فسروري مطلقٌ والحزن قد صار حبيسا
فبلغ هذا الشعر المعتمد، فنقضه فقال:
مات خير الناس موسىرحم الرحمن موسى
فلقد كان جليلاًعالي القدر رئيسا
أطلق الحزن وخلّىفرحي وقفاً حبيسا
ومن شعره المرذول، قوله:
مالي وهذا الهوى ماليلو أمكنني افتديته بمالي
وهذا الحبيب ما يواصلنيفأن مع هجرانه في قتال
بدا لي على ما أرى فيحبهوكنت والله ما بدا لي
وله من هذا الفن:
من قال إني أعشق لو صوّرواالحب لكان رجلاً أحمق
أدور السطوح فلا أراهكأنني سنّورٌ أبلق
تمنيت من شوقي إليهأن أطلع عليه فأكون لقلق
هوى الناس مجتمعٌ عنديوهواهم عليهم مُفرّق
قال: فكت الراضي بخطه، تحت هذه الأبيات:
لم يقل ذا الشعر إلاجاهلٌ بالشعر أحمق
أو مصابٌ ذو جنونٍضائع الفكرة أبلق
ومن شعره:
عجبت من هذا الحب لايجارى به المحبوب
أراك يا ظالم لا تريدنيهذا والله هوىً مقلوب
أنت في حسنك يوسفوأنا في ضرّي يعقوب
لست أعني يعقوب الصفّارأنت الصفار مصلوب
وله:
عشقت إنساناً بكسكروجهه كالقمر الأزهر
فلما شكوت إليه هواهطأطأ رأسه وفكّر
هو الذهب الابريز في حسنهوهو الياقوت الأحمر
من دلّني عليه فله عنديكل ما تمنى وقدّر
لما ظننته بيدي حاصلاًلا شك تركني وشمّر
قال: ودخل يوماً الجوسق، فرأى طائراً، فصاده. فقال الموفق: ما رأيت أحسن منه، فهبه لي يا أمير المؤمنين، فأعطاه إياه. فلما حصل في يده، أفلت وجعل يصفق بجناحيه ويطير، فضحك المعتمد ضحكاً شديداً، وقال:
دخلت يوما الجوسقافاصطدت طيراً أبلقا
أخذه مني الموفّقافحين أخذه صفقا
وطار منه فرقا
قال: ولما شخص أبو أحمد إلى البصرة والجيش معه، وبقي المعتمد بسر من رأى، قال:
مهمّ مهم مهم مهموأمرٌ فظيع وأمرٌ صُرم
أيحسن أن تذهبوا كلّكمأقعد في البيت كنّي حرم
ويمضي الأمير أبو أحمدٍويضرب بالطبل كردم كدم
قال: وخرجت بثرة على قدم بدر غلامه، فأخبر بذلك، فاغتم. فلما كان بعد عتمة، خرج إلى حجرته عائداً له، وقال:
عدته بعد العتملعلةٍ حادثة على القدم
مضيت أمشي في الظلموحدي فلا خلقٌ علم
وله:
رمضان أتاك بخزم مقرفاقعدن خلف بابكنّ وتكسر
لنيتن ببستان سرهك فيهيأكل اللحم بارداً حين يشطر
والرثيثا والجند معه دقوقاوالطلعلع وقشر البيض الأحمر
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع