تجاوز إلى المحتوى

من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)

دير مرمار

وهذا الدير بسر من رأى، عند قنطرة وصيف. وهو دير عامر كثير الرهبان. حوله كروم وشجر. وهو من المواشع النزهة والبقاع الطيبة الحسنة.

وللفضل بن العباس بن المأمون، فيه:

أنضيت في سر من رى خيل لذاتيونلت فيها منى نفسي وشهواتي
عمّرت فيها بقاع اللهو منغمساًفي القصف ما بين أنهارٍ وجنّات
بدير مرمار إذ نحيي الصبوح بهونعمل الكاس فيه بالعشيات
بين النواقيس والتقديس آونةًوتارةً بين عيدان ونايات
وكم به من غزالٍ أغيدٍ غزليصيدنا باللحاظ البابليات

وذكر الفضل هذا، أنه خرج ذات يوم مع المعتز للصيد. قال: فانقطعنا عن الموكب أنا وهو ويونس بن بغا. فشكا المعتز العطش. فقلت له: يا أمير المؤمنين، إن في هذا الدير راهباً أعرفه له مودة حسنة خفيفة الروح. وفيه آلات جميلة. فهل لأمير المؤمنين أن نعدل إليه؟ قال: افعل. فصرنا إلى الديراني، فرحب بنا وتلقانا أجمل لقاء، وجاءنا بماء بارد فشربنا. وعرض علينا النزول عنده وقال: تبتردون عندنا ونحضركم ما تيسر في ديرا فتنالون منه؟ فاستظرفه المعتز وقال انزل بنا إليه. فنزلنا. فسألني الديراني عن المعتز ويونس بن بغا. فقلت هما فتيان من أبناء الجند. فقال: بل مفلتان من أزواج الحور! فقلت: هذا ليس من دينك ولا اعتقادك! قال: هو الآن من ديني واعتقادي! فضحك المعتز. ثم جاءنا بخبز وأشاطير وما يكون مثله في الديارات، فكان من أنظف طعام وأطيبه وأحسن آنية. فأكلنا وغسلنا أيدينا. فقال لي المعتز: قل له بينك وبينه: من تحب أن يكون معك من هذين ولا يفارقك؟ قال: فقلت له، فقال: كلاهما وتمراً فضحك المعتز حتى مال على حائط الدير من الضحك. فقلت: للديراني: لا بد من أن تختار. فقال: الاختيار في هذا دمار! ما خلق الله عقلاً يميز بين هؤلاء. ثم لحقنا الموكب، فارتاع الديراني. فقال له المعتز: بحياتي، لا تنقطع عما كنا فيه، فإني لمن ثم مولىً ولمن ها هنا صديق. فجلسنا ساعة، وأمر له المعتز بخمسين ألف درهم. فقال: والله لا قبلتها إلا على شرط. قال: وما هو؟ قال: يكون أمير المؤمنين في دعوتي مع من أحب. قال: ذاك إليك. فاتفقنا ليوم جئناه فيه على ما أحب. فلم يبق غاية، وأقام بمن كان معه، وجاء بأولاد النصارى فخدمونا أحسن خدمة. فسر المعتز سروراً ما رأيته سر مثله. ووصله في ذلك اليوم بمال كثير، ولم يزل يطرقه إذا اجتاز به ويأكل عنده ويشرب مدة حياته.

قال: وكان المعتز سمح الأخلاق، واسع النفس، له أدب وفهم، ويقول شعراً صالحاً. وكان يحب يونس بن بغا ولا يصبر عنه. وكان هو ويونس بن بغا من أحسن الناس وجهاً وأجملهم، ولم يكن في خلفاء بني العباس أحسن وجهاً من الأمين والمعتز، وكان يضرب بهما المثل في الحسن والجمال.

قالت عريب: كنت لمحمد الأمين وصيفة في عداد الوصائف، ألبس قباء ومنطقة وأقوم على رأسه وربما سقيته. وسني إذ ذاك سبع عشرة سنة. وكان أحسن خلق الله، لم نر ذكراً ولا أنثى مثله جمالاً وحسناً مع حسن خلق. قال أحمد بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي، وهو ابن مولاهما: أين كان المعتز منه؟ فقد رأيناه ولم نر الأمين. قالت: كان المعتز فيه لمحة منه، وأما مثله فلم يكن.

قال: وكان إلف المعتز ليونس بن بغا إلف الصبا. فلم يكن يفارقه، ولا يصبر عنه. وله فيه أشعار كثيرة، فمن ذلك:

إني عرفت دواء الطب من وجعيوما عرفت دواء المكر والخدع
جزعت للحب والحمّى صبرت لهاإني لأعجب من صبري ومن جزعي
من كان يشغله عن إلفه وجعٌفليس يشغلني عن حبكم وجعي

وكان المعتز يشرب على بستان مملوء بالنمام، وبين النمام شقائق النعمان، فأقبل يونس بن بغا وعليه قباء أخضر، فقال المعتز:

شبّهت حمرة خده في ثوبهبشقائق النعمان في النمام

ثم قال: أجيزوا. فبدر بنان المغني، فقال:

والقدّ منه إذا بدا متثنّيابالغصن في لين وحسن قوام

فقال: غنّ فيه الآن. فعمل فيه لحناً وغناه إياه.

قال: وشرب المعتز يوماً ويونس بن بغا بين يديه يسقيه والجلساء والمغنون بين يديه. وقد أعد الخلع والجوائز، فدخل بغا، فقال: يا سيدي، والدة عبدك يونس في الموت، وهي تشتهي أن تراه فأذن له، فخرج. وفتر المعتز وتغير ثم نعس فنام، ونام الجلساء وتفرق المغنون. فلما كان وقت المغرب وعاد المعتز إلى مجلسه عاد يونس وبين يديه الشمع. فلما رآه المعتز دعا برطل فشربه وسقاه مثله. ثم عاد الندماء وغناه المغنون ورجع المجلس إلى أحسن مما كان فيه، فقال المعتز:

تغيب فلا أفرحفليتك لا تبرح
وإن كنت عذّبتنيبأنك لا تسمح
فأصبحت ما بين ذين لي كبدٌ تجرح
على ذاك يا سيديدنوّك لي أصلح

ثم قال: غنوا فيه فجعلوا يفكرون. فقال المعتز لسليمان بن القصار الطنبوري: ويلك! ألحان الطنبور أصلح وأخف، فغن فيه أنت، فغناه فيه لحناً، فدفع إليه دنانير الخريطة وهي مائة دينار مكية فيها مائتان، مكتوب على كل دينار مها: ضرب هذا الدينار بالجوسق لخريطة أمير المؤمنين المعتز بالله. ثم دعا بالخلع والجواهر لسائر الناس.

قال: واصطبح المعتز يوماً ويونس بن بغا. وما رثي وجهان قط مثلهما حسناً. فما مضت ثلاث ساعات حتى سكرا، فقال المعتز:

ما إن ترى منظراً إن شئته حسناًإلا صريعاً تهاوى بين سكرين
سكر الشباب وسكرٍ من هوى رشاتخاله والذي يهواه غصنين

ثم أمر فتغنى فيه بعض المغنين.

ومن شعره في يونس، وفيه لحن في طريقة الرمل:

علّموني كيف أجفوك على رغم من انفى
وجفائي لك يا يونس مقرونٌ بحتفي
غير أن الله قد يعلم ما أُبدي وأخفي
فوقاني الله فيك الدهر أن يأتي بصرف

قال هرون بن عبد العزيز بن المعتمد: حدثني سعيد بن يوسف كاتب أبي، قال: كنت أتقلد خزائن الكسوة، وكان إذا أمر المعتز ليونس بشيء أخذت له أجل ما في الخزائن وأحسنه. وكان يبرني فلا أقبل بره. وربما دخل الخزانة فنجرته ومازحته. فقلت له يوماً يا سيدي، أنا عبدك وموفر لمالك، وأنت تشرف مسرور المعتصمي بالتحية الحسنة مما يكون بين يدي أمير المؤمنين، وأنا فلا تشرفني بمثل ذلك. فقال: الليلة نوبتك! فلما كان في الليل، بعث إلي بوصيف الخادم ومعه صينية ذهب فيها خوخ. فقل في نفسي ثم كبر إذ كان من مجلس الخليفة. فأخذت واحدة فنظرتها، فإذا هي قد شقت، وأخرج ما فيها وجعل مكانه ند معجون على مقدار ما كان فيها. فأجرت ما في جميعه، فكان شيئاً كثيراً.

وللمعتز في يونس وقد خرج وعاد:

الله يعلم يا حبيبي أننيمذ غبت عني هائمٌ مكروب
يدنو السرور إذا دنا لك منزلٌويغيب صفو العيش حين تغيب

وكانت البيعة للمعتز، يوم الخميس لثلاث خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وخلع لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين. وقتل بعد الخلع بخمسة أيام، وسنه أربع وعشرون سنة وستة أشهر وأربعة عشر يوماً.

قال: وكانت قبيحة حرضت المعتز على الأتراك، وقالت: يا بني، أقتلهم في كل مكان. وأخرجت إليه قميص أبيه المتوكل مخضّباً بدمائه. فقال: يا أماه! إرفعيه وإلا صار القميص قميصين.

وذكر أحمد بن حمدون، قال: بنى المعتز في الجوسق في الصحن الكامل بيتاً قدرته له أمه ومثلت حيطانه وسقوفه، فكان أحسن بيت رئي. قال: فدعانا المعتز إليه، فكنا في أحسن يوم رئي سروراً. وخلف الستارة مغنية تغني أحسن غناء ليس لي بها عهد. قال: فنحن في ذاك، إذ دخل علينا خادم في يده طبق عليه مكبة. فوضعه في وسط البيت، وكان في يد المعتز قدح فشربه وشربنا، ثم قال للخادم: إرفع المكبة، فإذا رأس المستعين في الطبق. فلما رأيته شهقت وبكيت. فقال لي المعتز: يا ابن الفاعلة، ما هذا؟ كأنك داخلتك له رقة. فثاب إلي عقلي وتماسكت وقلت: ما كان لرقة، ولكني ذكرت الموت! فأمر الغلام برد المكبة ورفع الطبق. فرفعه. وكأن المعتز داخلته فترة، وكذلك جميع من حضر، وافترقنا عن الحال التي كنا عليها من السرور. قال: فنحن كذلك، إذ سمعنا وراء الستر ضجة أفزعتنا، فإذا امرأة تصيح وامرأة أخرى تشتم الصائحة، والصائحة تقول: يا قوم، أخذتموني غصباً ثم تجيئوني برأس مولاي فتضعونه بين يدي. فسمعنا صوت العود قد ضرب به رأسها. قال: وكان الشاتم لها والضارب قبيحة، وكانت الجارية من جواري المستعين. قال: فانصرفنا عن المجلس أقبح انصراف وقد تنغص علينا ما كنا فيه. ولم تمض إلا أيام يسيرة حتى وثب الأتراك على المعتز فقتلوه، ثم دعى بنا لننظر إليه، فدخلنا عليه في ذلك البيت، فإذا هو ممدود في وسطه ميتاً.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الديارات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.