من «رسالة الصاهل والشاجح» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
فيقول الصاهل
ومن أين علمت بالكرم، ومن دون عينك حجاب قد شد، لو كان دون العين النابعة لما فارت، أو العين الطالعة لما أنارت؟
فيقول الشاحج
عرفت كرمك في وطئك وصوتك، لأن الرائع قموص الرجل، بحجل كانت أو بغير حجل. ولأن جئة في الصهيل تكون بعتق الفرس أبين دليل قال " الجعفي ":
أَما إِذا استدبرتَه فتسوقهرِجْلٌ قموصُ الوقْعِ عارية النَّسَا
وقال " لبيد ":
بِأَجَشِّ الصوتِ يَعبوبٍ إِذاطرقَ الحَيَّ من الغزوِ صَهَلْ
فيقول الصاهل
أنك لعالم بالعراب، فمن أين لك ذلك والأيام لك شاجنة، ونوبها عندك راجنة؟
فيقول الشاحج
فرض على المنتسب عرفان الخال، ولا سيما إذا كان صاحب الشرف دون الأب. وإذا افتخر " رقيم " بسعد، و " عمرو " بجذيمة، فإنه غير متعد.
فأخبرني، من أين مبدأ سفرك؟.
فيقول الصاهل
من مصر التي قال فيها فرعون: " أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون "؟ تلك صبرة الذهب، وأم النعيم وينبوع النصفة.
فيقول الشاحج
أكرمت أكرمت، القول ما قالت حذام. تلك الحسناء بعدت من الذام.
إن كان للنجم ظهور فإنه بالقمر مبهور. ولكل ما نبت سموق، ولكن فرعت السحوق، وإذا قيل: الدهر، دخل فيه السنة والشهر.
فإلى أين المحرد؟
فيقول الصاهل
إلى حضرة مواس آس، قد بسط آمل الناس؛ أديب آدب ما هو بجديب ولا جادب. كاد يكون عدله في الآفاق مطراً، وتأرجت البلاد بثناء عليه فهم الجو أن يكون عطراً. أقام السوق للفصاحة، وأذكى القلوب بالتذكرة، وأيقظ العيون من طول الرقدة.
فيقول الشاحج
صدق زاعم فيما زعم، إنه لكما تصف وأنعم. وهو على إدراكه جدّ العظماء، ضارب بالسّهم الفائز من سهام العلماء. وليس كذلك جماعة الملوك، لأنهم يرهبون فلا يؤدبون، وإذا كان أحدهم صغيراً، كان في الباطل واللعب مغيرا؛ حتى إذا كبر أنف فلم يستأنف.
وهذا الأمير كما نطق به الكتاب الكريم، من قوله " تعالى ": " ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين ".
فالله القادر يبلغه أفضل آمال المجدودين، إذ كان كما قال تعالت كلمته: " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ".
قد عرف خدع " الأزمان فأصبح من النوب في أمان. يعتقد أن الإنفاق أفضل من الإشفاق، وأن الدرهم إذا جعل في كيس فما يزال في تنكيس.
وإذا هو إلى المقتر دفع، نمى إلى الجو فرفع. وكذلك ينبغي أن تكون شيم الأولياء. زيادتك في در الأيتام، أبقى ذخيرةً من الدر المعتام. ودعاء الفقير أنهض بك من رغاء العقير. وبدارك مغوثة الأرملة، خير من بدرك المكملة. وشاة في يد فقيرك، خير من شاة ترد في وقيرك، إن بقاءها في الفزر، رهن بالنوب لها أو بالوزر، للذي ملكها فلم يزكها، وأرسلها في المرتع فأبسلها. إنما هي معرضة للطارق أو السارق، سيد عمد لها بالتعذيب أو جارمة عيالٍ مثل الذئب. فإذا صارت أضحيةً كانت للناسك تحية.
وذكرٌ باقٍ خيرٌ من سعد راق. إن الذكر من الغير محروسٌ، يلبث فلا يزيله الدروس. فأعط مالك ولو من ذمك، إنه إذا كثر أهمك.
وقد عزمت يا خالي، أن أستودعك رسالةً إلى حضرة هذا الأمير، لتذكر بي ولاة العدل " فإن الذكرى تنفع المؤمنين ". لعل علاوةً تحط عن فودى مثقلٍ، ونزعاً بالغرب يخفف عن خابط عضه، وراحةً ينالها المتعب في النهار والظلم، وعيناً تطلق من السجن الدائم فتبصر الوضح؛ فقد بلغ نسيس الحشاشة وافتقر إلى الكلمة رب الكلمة، واضطر عارٍ إلى سحق النمرة، وألجىء مالك النخل الواعد إلى التمرة؛ ولكل ذي عمودٍ نوى. وكذلك جرت عادة الزمن بتغيير الكينة.
فيكون منك الطول بأن تصل تظلمى إلى الحضرة، فلعلي أنصف مع المظلومين. قد ترى ما أنا فيه، لا يطلب بعد عينٍ أثرٌ، ويريك بشر ما أحار مشفر. والسناسن العارية دلت على البأساء المتوارية؛ وما ظنك بدريس الأهدام؟ وكفى برغائها منادياً. إذا " ألحت المهرية فلم يبقى عندها من سير جرية، والتلف أهون من الصلف، وموت لا يجر إلى عارٍ، خيرٌ من عيش على رق. وما عبس طأئيٌ في وجه الضيف، إلا وقد صفر وعاؤه من كل طعام. اسق رقاش إنها سقاية.
إني مع الذي ألاقيه من قلة الدعة وعنف السياق، يسوسني أجير كسلان إذا سأله الملاك: أأرويته من سويد؟ قال: نعم. أحششته بعد ذلك؟ أأوسعت له من الحسيك؟ أتفقدته من آثار الأبرار؟ قال: أجل، نعم، حوب!. ويحلف " لهم الحذاء لقد فعل، وهو بشهادة الله أكذب من الشيخ الغريب والأخيذ الصبحان، وتوهم المخفق وتخيل الوالدة، والبرق في عام سنةٍ. والله المستعان على ما بطن من أمر وما ظهر.
ومن العجائب أنه إذا كان يوم أضحى أو فطرٍ، وهم كل تفلٍ بعطرٍ، واهتم المقتر بإخضام العيلة، وسمح للنصب من البهائم بالراحة، وغسل أطماره كل قهلٍ، وضحك إلى أخيه العابس، ورجوت أني لاشتغال الزراع بصلاتهم في العيد وإصابتهم شيئاً مما صنعه الآدميون، أظفر بقسمٍ من الراحة وسهمٍ أنتفع به من الدعة، وإن كان ذلك المرجو أقصر من ظمء الحمار، فإن الظمآن يعتصر بنسيم الريح، والجائع بلوس النواة، ولا أشعر بما في الغيوب. لقد لقى أحد الشركاء في رجلٌ من جيرانه يكرم عليه، فسأله أن يعيرني ولده كي يركب مع الولدان، فأجابه إلى ذلك. فانصرف الرجل إلى ابنه بالحديث، وهو من عرمة الصبيان. فأول ما صنع أن استعار سوطاً من بعض الناس، فإن عدم ذلك أخذ قصيدةً قصيرةً يأمن كسرها عند الضرب.
وبت محدثاً نفسي بالخير، حتى إذا كان بين الفجرين قبل أن يضح منهما المستطير، أحسست ببرة الرتاج تقرع على أهل الدار. فقالوا: من؟.
قال: فلان بن فلان " أنجز حرٌ ما وعد. فقالوا: دونك.
فدخل فحلني من المربط، وذهب فركبني بأغباش الليل، ووضع في مرة سوطٍ أو صدر وبيل. فلما فرق بين الشبحين، وانتشر أضوأ الصبحين، وخرج الفتيان على دوابهم، جعل يحثني بالضرب لأحضر كإحضار الخيل الجامة والشواحج المودعة، وهو على ظهري مثوب: ويبك أما تخب؟ ويبك أما تقرب؟ هيهات هيهات! ما باللمعة حبة، ولا في الأرض المجدبة ربةٌ، ولا بالشاجنة ريةٌ، ولا عند الراعية مفرية.
وهل ترك سغب من مناص؟ إن العير عجز عن القماص؛ إن الخبب وليته الشبب فهو بوجرة أو السماوة، والتقريب أودعته السمسم فألف الجريب.
حتى إذا اليوم متع وجهد أقصى الرمق، عثرت عثرةً فإذا الغلام قد سقط على الأم البرة. فلولا أني خشيت البارىء لوطئت رأسه وطأة متثاقلٍ تلحقه بعادٍ وثمود. ولكني رهبت العاجل من العقوبة، وهبت أن تكون له أمٌ صالحةٌ فتدعو على ملك الملوك. فقام سليماً من صرعته، يعتمد كشحى بوبيله.
ومن العني والعناء ضجك الفتيان والبهائم علي. القوائم كثيرات الوفز، والثبج لا يخلو من عفز. وقد أثر الكدان في العنق أثراً أبيض يظنه من جهل برصاً، وليس كذلك. فلو أقمت الشهادة بين يدي قاضي البهائم لما أمنت ألا يقبلها، إن كان يحكم بما في كتاب الدعائم.
وانصرف غير شاكر ولا مشكور. فلما ردني إلى المربط، لم يلبث أن جاء الزارع فحلني للعمل. فيا لك يوماً ما أطول! كان عند غيري كإبهام القطاة، وغاداني بحمى نطاة.
وفي أي شقوة لا أضع معلى القداح؟ ألست في عنبرة الشتاء يأخذ عباءتي الأجير فيتدفأ بها في الليل، فأمارس قرة الأشهبين؟ وإذا نظرت الباقع الموسومة بعين أو عينين، وصار الحائل من الأمكنة نظير الحولاء، وأصبح أثر الأعمى الدار كالعبقرية ما حماه من الشقر " أبو قابوس "، ورعت الكودان الشقر ما يشبه نبت المعرفة من الشقراء، وذلك من النصي المعلول، فحوافري من العفر غبر، إنما تقع بغبراء منعها القدم والسنبك من النبات، وجحافلي من عض المصر متقريات، وأعمامي من القمر الوحشية وربائط الأهل، كأن جحافلها من الخضرة مسبدات المقتبلين.
وإذا لاح الشرطان في السدفة، واختلفت أصوات المطوقات، وهاجت أشجان المتشوقات، وذكرت الشيخ الدالف بعصور الفتيان والشمطاء الهمة بعيش الفتيات، ذكرتني أزمان أنا فلو خلف المقرفة أرتضع ضاويين مثل القرطين. ولا أحفل بوضع القرطان. أهض البهارة بسنابكي، وأفضل الحوذانة لا أبالي، وأخلف المرجقوشة وهي تذمني، وأطفيء عيون العبهر بهزل مني، ولا أكرم نور الأقحوانة لمشاكلته الأشنب من الثغور. آونة لا تعرف وسماً عنقي، ولم تعقر الطلقة ظهري، ولم يؤثر الدأب في إهابي. لا أقف بذراً بيطر، ولا أفرح بنزول القطر. فأما الآن فأنا أسر بالغادية من الشاب المعرس بالهدي غير الصلفة. لأنني أنال الراحة إذا الغيث قلد البلاد. وإذا رمقت أحد الفرغين أو الرشاء، دعوت الله أن يريحني من ذات الفورغ ورشاء أحصد فبلغ القتال. وإنما يبكر إلي العامل في الغبش فألمح طوالع النجوم. ولو كنت من أهل الإيمان ورصفاء الطوية لقد أجيبت الدعوة. ولكني أحلف فإذا حنثت لم أكفر، وأخاف أن يحسب ذلك طرفاً من الكفر " وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ": أقسم لا رمت المعلف ولو كسر عليّ القشبار، فإذا جاء السائس وأخذني بالوبيل ألقيت الألية وخرجت ذا إران.
ولعل السامع ينسبني إلى الكفر من أجل مناسبة أبي زياد، اتباعاً لقول الناس في الرجل إذا ضربوا به المثل: هو أكفر من حمار. قال الشاعر:
وغرتني صلاةُ أَبي خُبيبٍيُصلي وهو أَكفرُ من حمارِ
وإنما يعني بذلك " ح بن مويليك بن مالك بن نصر بن الأسد "، وقد قيل إنه رجل من قوم عاد. فأما الحمار الدابة فما الذي أوجب له الكفر وما برح مطية الصالحين؟ وإذا أضنى قرص المغنيات في الهجر إلى غشيان المجنونة، جلدني العسيف جلد العاهر أو القاذف، وقد علم الله براءتي من القراف. وإني لأعرف الطيرة في وجهه وهو فال.
وقد عزمت أن أنظم هذه الصفة في بيتين من الشعر أو ثلاثة، فإنه أسرع إلى حفظ المرسل، وأخصر تكلفاً من اللفظ المهمل. والموزون أذهب لما في صدر المحزون. وما سجع، دونه وإن رجع. والقول المبثوث كالبعير الأورق لا ينبعث وهو محثوث.
وحملني على ذلك، ما قد ظهر على ألسن الناس من أن " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " أعز الله نصره تعالى قد رفع من قدر الشعراء، يعلي مجيدهم ويكرمه، ويعطي المقصر ولا يحرمه، وينقد المنظوم السائر نقد الصيرفي ماله، ويعرف مشكله معرفة السعدي ماله.
ولقد تحدث الناس بأن رجلاً من النظمة مدحه ثم لفظ عصبه من قبل أن تخرج إليه الجائزة. فأمر بإعطائها ورثته. فأشبه فعله في ذلك ما فعله " النعمان بن المنذر " ب " شقيق " لم تمنعه المنية من الظن الحقيق. وفد على " اللخمى الجبر " فجعل حباءه على القبر، حتى جاء آخذ الحباء من أهل الدفين.
وكيف يحجز - أعز الله نصره - عن الحزامة وقد حلب الزمان أسطره وقرأ من كتاب القدر أسطره، وأراه فهمه وفطنته أن المكرمة إذا شهدت لها القافية فهي ببقائها وافية، والمجد إذا حاطته القصيدة لم تعصف به النوب كأنه أصيدة؟ وإذا ضمن حديثاً روى، سلم لصدقه الغوي. ما سار عن " الكندي " وسرى، أبقى على الغير من أبنية كسرى:
والشعر يستنزلُ الكريم كما اسْتَنْزَل رعدُ السحابةِ السَّبَلاَ
فما بالي يا خالي، لا أعرف فيك بشاشة للمسألة؟ لا تكن من الذين إذا طلبت منهم الحاجة سكتوا، وإذا سئلوا في الشيء المعرض نكتوا. اسق نغبة من صفنك يقيض لك ربك من يملأ مزادتك؛ وأطعم المقوي ثمرة من دجوبك يحفظ ربك حائشك؛ وأعن حاطبك بالشبم يعظم نارك، وانصر المظلوم بالكلمة تنثر باليد واللسان؛ واغد البائن أكن معليك، وكن السابق أدع مصليك. وأعر الجازر مدية يطعمك من أطايب الجزور، وأعط المورد مرساً يور غنمك؛ ولا تضيعن حق الرحم فإنه لا يجهل: إن العامري ليحس للسعدي، وإن الرجل من بلى ينتصر للفتى من ولد مرة بن عوف، وما بينهما إلا صهر البلوية. وحسبك بما يعتقده بنو النجار في بني عبد المطلب؛ وزهرة برسول الله ﷺ أحق من بني أمية. وإن أحياء قضاعة لتعطف على أحياء مدركة، والذي أوجب ذلك ولادة " ليلى " طابخة وأخاه. عند إلياس بن مضر.
وقبلك أحبت كلب بن وبرة " عبد العزيز " ورئمت قيس " بشر بن مروان " وإن القبط لتلزمهم النصرة لولد إسماعيل، من قبل " هاجر " ﵉.
والخال أثبت نسباً من العم، لأن الرجل يشك في نسبه من قبل أبيه، ولا يشك في نسبه من قبل أمه.
على أن سوء الحظ يرمي الحقوق بالعقوق.
وإن اصطنعتني بيد، جازيتك بثناء مخلد، قال الشاعر:
ارفعْ صديقَكَ لا يَحُرْ بِك ضعفُهيوماً فتُدركه العواقبُ قد نَمَى
يَجْزيك أَو يُثنى عليكَ وإنَّ مَنْأثْنى عليك بما فعلت فقد جَزى
وكأني بقلة الجد قد شنعت صوتي في أذنك، وأساءت نقبتي في نظرك، وضعفت حواري في لبك، والقدر نوعان: جد وحد، فالجد يرعى النعم وربه نائم، ويحفظ بيت المكثر وقعيدته غائبة، ويحوط اللاعب وإن لمس بيده الأراقم، ويطعم الهجرس فريس الضيغم، والغراب الأبقع قنيص الباز الأشهب، ويقيم الحرة على رأس الأمة، ويجعل حجل الخدلة في ساق الكرواء، وسوار الغيل الناعم في ذراع المدشاء، ويكسو الوادع وإن غفل عن طلاب الشرف، محاسن المشمر في طلاب المجد والكرم. وينسب إلى البيطن أمطار الشرطين، وإلى الثريا نوء السماك.
والحد، يخرج الأكلة من فم الغرثان حتى يلقيها في جول القليب، ويقلد المخدرة ذات العفة قلائد الرواد المومس، ويجعل ثوب الخرص حليف الإعدام طعمة للغاضية من النيران؛ ويوهم النابل أن قرنه مملوء بالنبل وأنه قد خرس من أجل الكثرة، فإذا عيث يرجع لم يصادف من أهزع؛ ويرد الواردة عن الماء الخضرم تشتكي لهاث الحرة؛ ويعلم الوالدة عقوق الطفل الصغير، ويسلك بالدليل الخريت وادي تؤلة وطريق العنصلين؛ ويوهم صاحب الواعد أن المرجبة حضلت فيرسل عليها الجذوة.
ولا يغرنك ما تراه في الكفل والأقراب من الجلب والندوب، فإن المطر إذا جاد الأرض ضحكت بعد عبوس وخرجت إلى النعمة من البؤس.
فيجوز والله قدير، أن ينطق الصاهل - وهو " تعالى " منطق كل الحيوان فيقول: اطرقي يا ماعلة، وأطري فإنك ناعلة. وانغلي في الشاكلة فإن عليها برجداً، وأوضعي في الجرد تحتك أجداً. دعواك من قلة رعواك، ومن أدعى فبئس ما سعى: إن كان صادقاً فالشاهد لنفسه لا يقبل وإن كان كاذباً فالكذب خبل وخبل:
لم تدعى الأمر لمه
ووكل بلاء بالكلمه
إن كنت يميناً فالحنث إزاءها قائم، وإن كانت عدة فكأن الخلف عليها دائم، وإن كانت سوفية فأخلق بها ألا توجد وفية. لو ادعت العضاه أن ثمرها البرم، لوقع في نفوس بعض الشجر شك في ذلك؛ أو زعم اليربوع أن الراهطاء ملك يمينه لأمكن في قضاء الله أن ينازعه فيها عضل أو قزلاء؛ ولو خطر في نفس الدرة وهي في المحارة أنها الغريبة من الدر، جاز أن يحولها الله القادر حيواناً لا ينتفع به، أو نطفة ليست بالمروية.
ويكفيك عيباً للمدعين، أن رسول الله ﷺ جعل البينة على المدعي، وحسبك بتلك ظنة.
زعمت أني خالك؟! وأين الآفق من اللئيم ولدته غافق؟ وما بين الشربة والصربة من سهمة؟ وما قرابة البيدانة إلى الريدانة؟ ليست الرقلة عمة للشيحة ولا خالة. ما للجبس الهدان وتنسبا في عبد المدان! إن حليف الزارة قد يقرب من الفزارة ولا يكون السبد أخا لبد. فلا تغرنك الأسماء، قبل الشائم كانت السماء. ما العكرمة هتفت بدهل، ك " عكرمة " ولد أبي جهل، ولا الطلحة رعتها الإبل في الروحات، ك " طلحة الطلحات "، ولا السلمة غضبها راع، ك " سلمة " أخي القراع، ولا الثمامة ضعف عودها، مثل " ثمامة " نفس تنجر وعودها، ولا العبس المشموم عند البكرات، من " عبس " التي هي إحدى الجمارت. إنما السمة علم يهدي المكلم به والمكلم. ليس " قتادة " راوي الأخبار مثل القتادة هناتها كالإبار، ولا العوسجة ذات المصع مثل " عوسجة " فتى المصاع، ولا العرفجة صاحبة نار الزحفتين مثل عرفجة ماض منصاع. ولا الرمثة بقلت وأدبت، كرمثة الرجل إذا الفوارس نجبت؛ ولا " عفارة، صاحبة ميمون " من العفارة أتتك بالنور المخزون، ولا " عتر " من: عاد، كعتر نبت في مكان متعاد. أحسبت " النمر " وهو عكلي، مثل النمر جريحه من البر كلي. أم عندك أن " ثعالب جلهمة " كثعالب صادفت مرهمة، فوبرها بالقطر بليل، وكلها إلى قوت العيلة خليل؟ أم ظننت أن " ذئباً، جد سطيح " كذئب يهتبل بجد نطيح؟ أم " أسداً وهو أخو كنانة " كأسد حمى البنانة؟ أ " ثعلبة أو قيس " كأم التتفل حليف الكيس؟ أم " عمرو بن معد يكرب " مثل عمر ثنت وقرب ليس ورد ظهر في ربيع الأزمان، كورد قهر في ربيع الغدران. ربما سمى الرجل بحراً وهو شحيح، أو داء يرهب وجسمه صحيح. أدرع الرود خلقاً أو جديداً، مثل ما نسجه " داود " حديداً؟ أعير في الورقة حقير، كعير في الهامة له توقير؟ ما العنتر إذا أكثر ترنماً، ك " عنتر " في قطيعة يريد مغنماً. أذباب السيف قطع في القراب، كذباب الصيف نعت بالإطراب؟ ما " أسامة بن زيد " أين ذهب، كأسامة في طرفاء ذعر وأرهب؟ ذلك تقى سري، وهذا الآخر هو القسوري.
أغرك أن جاهلاً من القوم كان يدعو أمك فرساً؟ ليت لسانه من قبل ذلك أشعر خرساً. حن شجير في الربابة، وضبح درص في الغابة. كيف تنسب الحواءة إلى السخبرة، والوبر المتوقل إلى وبرة؟ وفي الشجر دوح وسواه، وما أميل الرمل كلواه. وقد فرق أهل المعرفة بين أمك وخالك وبين الخيل العراب، فسموا أمك رمكة وأخاها كودناً. وإن في ذلك لما يوضح أمرك.
وإذا دعا العيد سيد القوم عمه، فغير آمن أن يرجع لطيم الوجه. وإذا الأمة أرادت أن ترضع ولدها من ثدي الحرة السيدة، جاز أن يرد أملها بالنجه.
ما ظنك ب " جليلة، أخت جساس " يدعوها ابن الراعية: يا خالة؟ وما قولك في " بنت الخرشب أم الكملة " يهتف بها ابن العبد المجدع: يا أمه؟ أيرضى " كليب وائل " أن يكون خالاً لابن المحتطبة؟ أم يقر " بنو بدر على أن يكونوا للحبشة أسرة؟ انظر في ذلك فرب جناية لم تأت بكناية.
وأما شكيتك ما تلقاه من أحداث الزمان، فإن أقدار الله جرت على الأذلال. وهل يملك أحد رد الأقدار؟ ما تقول في القمر لو شكا الدأب في ليل ونهار؟. أصرف مذ عنه إلى سواه إلا أن يقضى ربك نقض المرة وتغير الفلك؟ ولو شكا " ثبير أو نعمان " ما يلاقيه من حرور القيظ وأريز الشتاء، هل كان إلى دفع ذلك عنهما سبيل للمخلوقين؟ ولو زعم القراح أنه يلقى شدة من الكراب والدبل، هل وجد آوياً له من ذلك؟ أرأيت القتادة لو ذكرت أن الشوك يبعث إليها الألم، هل قدر آس أن يداويها من ذلك حتى تنبت وليست بالشاكة؟ هذه " عين أثال وغمازة " لو شكتا ورد الوحش خبطهما بالحوافر، هل زوي عنهما ذلك بحيلة من البشر؟ وأي شيء من أصناف الحيوان لا ينصب ويقصب؟ ألا تعلم أن بني آدم ملوك الأرض، لا يعدمون هما آباً وسهماً من سهام القدر صائباً؟ في كل صدر من الناس شجون، ولكل نطفة أجون.
فأما نحن معاشر الجبهة، فترمى بوادينا الغمرات وتشهد على ظهورنا الغارات. وقلما اطرد فريقان من العرب إلا وأجلى النقع الثائر عن قتيل منا وعقير. وبذلك سلفت العادة من قديم الزمن. ألم يبلغك المثل في يوم " شعب جبلة " وهو قول القائل: " كالأشقر إن تقدم نحر وإن تأخر عقر "؟ وقال " الجرمي " في " يوم الكلاب ":
فِدًى لكما رِجْلَيَّ أُمِّي وخالتيغداةَ الكلابِ إِذ تُحَزُّ الدوابرُ
كم بين معيشة في دعة، وكبد بالأسنة متصدعة! وإن كانت الشواحج في شقاء فإنها لا تهلك أوان اللقاء. إنما تحضر الهيجاء معينة على حمل الأثقال، فلا يعمد إليها الطاعن بإرقال؛ ولا تبيت من شهود الغارة وجلة، مبطئة كانت أو متعجلة. وإنما يفرق من اعتراك القوم فرس يلقى الصوارم بهاديه، ويعاين الشجب فيراديه. هل حدثت بواحد من أصحابك هلك بطعنة أو ضربة؟ فأنتم من ذلك مثل حمام الحرم إنما يأتيها الموت بيد القضاء فتموت حتف الآنف؛ فأما نحن فنباشر الشوكة إذا واجهنا الفئة، ولا نأمن حدها عند المنصرف. ورب ميت منا في الشأو المغرب، كظه الدأب والغاية إلى أن فاظ.
وقد افتخر " الجعدي " فقال:
وإِنا لَحَيُّ ما نعوِّدُ خَيْلَناإذا ما التقينا أَن تَحيدَ وتنفِرا
ونُنكِرُ يومَ الروع أَلوانَ خيلِنامن الطعنِ حتى نَحسَب الجوْنَ أَشقرا
فليس بمعروفٍ لنا أَن نردَّهاصِحَاحاً ولا مُستَنكرا أَن تُعَقَّرا
وقال " عامر بن الطفيل " وعقر فرسه:
ونعم أَخو الصعلوكِ أَمسِ تركتُهبتُضروعَ يَمْرِى باليدين ويَعسِفُ
وقال " عروة بن الورد ":
أَقِيه بنفسي في الحروب وأَتَّقيبهادِيه، إِني للخَليلِ وَصُولُ
فمتى أصاب أحداً من رهطك سنان بشر، أو قتل في كر وفر؟ وهل حدثت عن بعض أسرتك أن مهنداً أفرى عنقه، أو أصاب المفصل فطبقه؟ وأكل أبناء أبيك محرم في الملة، فقد أمن كلها حد المدية وغليان المرجل، وأن تهرأ بضيعه الإرة. ونحن لسنا كذلك، بل كانت العرب تأكل لحومنا في الجاهلية، وتركها الشرع الوارد، على تلك السكنة. أليس " حاتم " والمثل به مضروب في الكرم، عقر فرسه لامرأة طرقته معها أيتام؟ ولعل " اليحموم " وهو لركاب " النعمان " ما فقد أذية من الدهر، وإنه لطرف الملك، فما ظنك بطرف المتصعلك؟ وبنو آدم، كما علمت، لا يحفظون الخلة ولا يراعون الخدمة. أليس أعمامك وأبوك من أعظم دوابهم نفعاً وأقلها شماساً ونفراً؟ يركبهن الشيخ الهرم والطفل المتعرم وهما آمنان من السقطة وسوء العاقبة، وتردها للحاجة الكبيرة المهترة والكعاب المتسترة، ما لقيت في ذلك عنتاً ولا عنفاً. وقد يكون بعضها عند المقتر أبي السلفان، فإذا كان الأفق كالمريب من بياض الضريب، وكان ذلك في عين البائس المعود أقبح من الوضح في عين المتهود، حطب عياله عليه فجاءهم بأجدال الشجر وجزل القطيل، فأوسعهم من جمر يتلهب، ودون في صرف القر الذهب. فإذا حطبهم الكفاية عدل بالعضد إلى المبتاعين فباع بالدرهمين مرة أو الدرهم، وجعله في الأمر الأهم: من شراء جابر بن حبة والمضيء بن الضروة وإذا كان زمن الرقاع نقل إلى مكان الشغلة ما هذ بمخالب العالمين من لغيف وأرنيف وإذا ركى القوم نكز، جلب عليه الشرب الناقع فأروى الدردق وشرب منه الصادون، ومن رغب في غسل وطهور. وهو في ذلك إذا عثر على بعد لعنه، وإن كان مكثباً تناله اليد، وكزه بالمطرق أو طعنه. وليس في الحنادس المظلمة بتارك له من استعمال فيما عد بقليل من المصلحة، أو يمتهنه في بعض الأرجاء، حتى يكون ما كسبه المجترح من الحبوب طحناً يقدر على استعماله باشر أو باكل، هو لجشب الطعام آكل.
ولم يكف ولد الإنسان ما أحلوا بأسرتك من الكد والهون، حتى أتبعوا ذلك قبيح المقال، فضربوا المثل بهن في الذل، وقرنوا إليهن في التشبيه من يستغبون من الرجال. وقال قائلهم على وجه الدهر:
إِنَّ الهوانَ، حِمارُ الأَهلِ يَعرفُهوالطِّرْفُ يُنكرُه والجَسْرةُ الأُجُدُ
وقال الشاعر:
وما المولَى وإِن عَرُضَتْ قَفاهبأَحْمَلَ للملاوِم من حِمَارِ
وشر من ذلك ما فعله " الدارمي " من السوءة الباقية على الأيام: لما سب " جريراً " وقومه، قذفهم بالذي يكنى عنه فقال:
لعلك في حدراءَ لُمْتَ على الذيتخيرت المِعْزَى على كلِّ حالبِ
عطيةَ، أَو عبدٍ سواه كأَنهعطيةُ زوجٍ للأَتانِ وراكبِ
إلى غير ذلك مما ثبت في الصحف ودون، وتناقلته الرواة في عصر بعد عصر.
وتلك الآبدة، لا وسم في العلباء وتوقيع في الملبد، ونعوذ بربنا من خزي الأبد.
سب صاحبك وكل خيزبته، ولا تذكر في ذلك معرفته. اضرب عسيفك واغصبه قبضه، واحذر أن تقذف ربضه. جعل في النساء ما ليس هو من أمر النساء. يغفر لك ظلم الأيام ولا يغفر قبيح الشتام. من قذف بكلمة في المنطق أخف من حصاة الخذف، فهي أثقل من الهضبة عظمت عن نزع وقذف. إذا عرفت من عبدك ملأمة، فلا تعيبن امرأته الأمة.
لا تصبر الأجمال الوانية إن قيل إن الناقة زانية. ولكن الأنيس إذا عرفوا ذلة ذليل طمعوا، وإذا لقوا بالعزة نقضوا الذي أجمعوا، لا تفرق رءوس العيدان من وطء الناقذ ولا الهدان؛ والقمر لا يلحق به الغمر. ولا تشد الرحالة على ثبج بحر زاخر، ولا تناط الخزامة بأنف جمل قفاخر؛ ولا يلعب صبي بالصل ولا بالمرمة بنت الظل؛ إنما توطأ مغاريد القاع ويخزم أنف جمل وقاع، ويجترأ على ظهر ذلول، ويلعب الطفل بولد العكرشة، ما أهون دمه من مطلول.
وفي الحرملة طمع الأرملة. والصدق أنبأ عنك صاحبك، ونهاه أن يناحبك.
والإنس لا تحفظ محارم الإنس فما ظنك بغير ذلك؟ العرب غزت الروم فقلدت بناتها الكروم، وما ذلك لكرم المسبية بل لحاجة في الصدر خبية. والروم غزت العرب فلقيت البأس والحرب. وإذا كان الإنسى لا يعرف قرابة إنسى فهل ترجوه للحفاظ راعية ذبح بالبسى؟ وإذا رأيت النمر لا يبر النمر فلن يبر الظبي الخمر. وإذا أضحى الأسد غير مشفق على الشبل فما يشفق على أولاد الإبل. وإذا نشأت الحجر العربية ترمح عن الظبي المهر، فهل ترضع جآذر الصوار الزهر؟ وإذا غدت السعدانة لا تغر جوازل أختها الفقيدة، فالنسر وإن ضرب به المثل في البر، أجدر أن لا يلتفت إلى غربج للورقاء المصيدة. إن الصورة توجب مودة مصورة، واختلاف الصور لا يلام أهله على الزور. ألا ترى ما فعله بنو آدم في أولاد " الجديل " وغيره من فحول الإبل؟ حملتهم في كل سفر فلم يرعوا ذلك لبنات " العيد ". وقضوا على ظهورها ما صعب من مآرب النفوس، فما عرفوا تلك العارفة لطليح معكوس. تحمل الرجل ناقة مالعة ما هي في سيره والعة، ويكون قصده بها أرض الحرم آملاً أن تغفر ذنوبه، وقد كثرت في الآثام عيوبه، فتلقى تحته من الظمإ ومراس الخنتار ما يهون عليها الشجب.
تحمل المزادة المروية وكبدها صادية، وتصمت عن اقتضائه بالمأربة والحاجة بادية. حتى إذا أتهم بها المغذ، خطىء فرمي صيداً، فعقر تلك الناجية فيداً فيداً. فلا إله إلا الله، يتحرج ابن آدم من إلحاق المخشي بحيوان وحشي، فيغسل حوبه فيما يزعم بقتل حيوان قد صحبه وفعل معه خيراً واستوجبه: حمل رحله وزاده حتى آب من السفر بلاده. فأي أقرب وسيلة: أربداء تصاحب حسيلة، أم وجناء أذهبت نقيها لسيرك وكان لبنها من ميرك، وقتها فيما غبرك من الدهر مثل ما تقوت عيلتك؟.
ومن عجائب فعال الإنس أنهم إذا أرادوا سلوك بلد معطشة ظمئوا الإبل عشراً حتى إذا لم يترك الظمأ لها أوردوها الرفه، ثم سلكوا بها المفاور فإذا " عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " الماء بقروا بطونها فشربوا الفظ. وقد وصفوا ذلك وتناقلوه، فقال " علقمة بن عبدة ":
وقد أُصاحبُ أَقواماً طعامُهمُخُضْرُ المَزادِ ولحمٌ فيه تَنشِيمُ
وقال الشاعر:
سَقَيناهن رِفْهاً بعد عِشْرٍوأَوْكرنا المزادَ من الكُبودِ
وقطَّعنا مشافِرَها وخِفناتجرُّرَها، فما اجترتْ بِعُودِ
وأنشد " أبو عمران الكلابي ":
أَوْناً فقد إِنَّا على الطُّلُحِأَيْناً كأَيْنِ الحافرِ المُوَكَّحِ
نرمي بها كلَّ تنوفيةغبراءَ مثل الأَنجمِ اللُّمَّحِ
مَزادةُ الراكب فيها إِذالم ينتضِ المخصفَ لم تُفتح
وقال الشاعر:
ضمِنَتْ لهم أَرماقَهم إِسآدُهاوجُرومُها كأَهِلَّةِ النحل
ورَدوا بأَرشية الحديد ففرَّجواعن ثائر الجنَبات كالغِسْلِ
وشربوا دماءها فصداً في الجدب، وأكلها فقراؤهم ميتة، وقالوا في المثل: " لم يجزم من فزد له " - يريدون: فصد له، فسكنوا الصاد على لغة ربيعة، ثم أبدلوا منها الزاي - فسبحان الله، قضوا عليها من قبل التلف أموراً، وجعلوا بطونهم لها من بعد قبوراً! وليس ذلك من كرامتها عليهم. كان لبعض لأعراب جمل فكان يعمل عليه ويتعبه، فتنبل، فجعل يأكل لحمه ويقول:
إِن السعيدَ من يموتُ جَمَلُه
يأكلُ لحماً ويَقِلُّ عمَلُه
ثم رئي بعد أيام، وقد ساءت حاله لفقد كد ذلك الجمل، وهو يقول:
من يشإِ الرحمنُ يُقَلِّلْ خيْرَه
ما وجد الموتُ بعيراً غيره
ومت صبر شيء من البهائم على عنت بني حواء، ما صبرته الإبل: أنضوها سيراً، وقروها في التنوفة سباعاً وطيراً. قال " أبو زبيد الطائي " يذكر مساحي حفر بها قبر:
لها صواهلُ في صُمِّ السِّلامِ كماصاح القَسِيَّاتُ في أَيدي الصياريف
كأَنهن بأَيدي القومِ في كَبَدٍطيرٌ تعيفُ على جُنٍ مَزاحيفِ
وقال " ذو الرمة ":
ومثلُكِ أَو خيرٌ تركتُ رَذِيَّةًتُقَلِّب عينيها إِذا طار طائرُ
وأشنع من ذلك كله، ما ذكره " الفزاري جويرية بن أسماء " مفتخراً به، من أن ذئباً تعرض له في السفر فعقر له راحلته، وقال يتكثر بذلك:
ولقد أَلَمَّ بنا لنقريهبادِي الشقاء محارَفَ الكسبِ
يدعو الفنا إن نال عُلْقتَهمن مَطْعَمٍ غِبّاً إِلى غِبِّ
وطوَى ثَميلتَه فأَلحقهابالصلبِ بعد لدونةِ الصلْب
يا ضلَّ سعيُكَ ما صنعتَ بماجمَّعت من شبٍّ إِلى دبِّ
فجَعلتَ صالحَ ما احترشتَ وماجمَّعت من نَهْبٍ إِلى نَهْبِ
وأَظَنَّهُ شغْبٌ يُدلُّ بهفلقد مُنِيتَ بِغَايَةِ الشغْبِ
إِذ ليس غير مَنَاصلٍ نعصى بهاورحالِنا وركائبِ الركبِ
فاعمِدْ إِلى أَهل الوقير فإِنمايَخشى شَذاكَ مُقرقصُ الزَّرْبِ
أَحَسِبْتَنا ممن تُطيف بهفاخترتَنا لِلأَمْنِ والخِصْبِ
وبغيرِ معرفةٍ ولا نَسَبٍإِنَّا وشعبَكَ ليس من شعبِ
لما رأَى أَنْ ليس نافعُهجِدّاً، تهاوَن صادقَ الإِرْبِ
وأَلَحَّ إِلحاحاً بحاجتِهشكوى الضريكِ ومزجَرَ الكلب
ولَوى التكلُّحَ يشتكي سغَباًوأَنا ابنُ قاتلِ شدةِ السغبِ
فرأَيتُ أَن قد نِلتُه بأَذىمن عَذْمِ مَثْلَبةٍ ومن سَبِّ
ورأَيتُ حقّاً أَن أُضَيِّفَهإِذ رامَ سَلْمِي واتقى حَرْبي
فرمقتُ مُعتاماً أزاوِلُهابمهنَّدٍ ذي رونقٍ عضْب
فعرضتُه في سَاقِ أَسمنِهافاحتاذ بين الحاذِ والكعب
فتركتُها لعيالِه جَزَراًعمداً، وعلَّق رحْلَها صحبي
فهذا أحق بمطيته من السري تعذيباً، ثم قراها بعد العنت ذيباً.
أليس في حكم الشرع أن راحتله أوجب عليه حقاً من السيد، كما أن مناسبه أوجب عليه حرمة من البعيد؟ ولو أنه ضيف إنسي، لعذر أنه جنسي.
وأما المثيرات الكوارب، فاستعملوهن ثم أكلوهن! وإنك لترى الحنتر من بني آدم يملك الصغير من أولاد النخة فيشفق عليه إشفاقه على الولد، حتى إذا أمكن أن يعمل عليه، أدناه للأرعوة والغبقة والعيان، فابتغى من رزق الله عليه ريع أرضه في كل الربوع. حتى إذا أسن وعلم أنه لم يبق عنده غناء في العمل، جمع له سفير الضرف والسروع.
وإذا تنفس عرنين البرد جعله في بيت كنين وأوسع له من العلف. وليس ذلك من كرامة أبي المزاحم - أعني الثور - شد في مثل القطب وجمع له جماح العطب، ولا نزعت فروة أبي الطيب - أعني الجمل - من خيفة الكرب عليه، إنما ذلك لإفراء جنبيه. ولا ربطت أم الكيك فلبك لها أجود نقي، شفقة عليها من عيش شقي، ولا توديعاً لرجلها من ذهبا ومجي، ولا أحمى لها وطيس القوم لتدفأ به من قر الشتاء؛ وإنما غر الطائر بحبة ملتقطة لتصبر عنقه في السطة. وليس من رهبة المآثم على العترفان جمع له سبع من الحلائل أو ثمان؛ واسأل خلط الجرار لم عطف على ابن المعزة ظئران. لو دري ضب العرارة ما الذي قصد بثمرات يطرحن له عند الأمرات، لأقسم أه لا يذوق ثمراً حيرى الدهر. وليس من خوف الجوع على السمكة جعل لها طعم في الشبكة. وإنما أوثر المهر بصبوح وغبوق، ليفيء على أهله كرائم النوق. وقل ما جاءك إحسان ساعفك به الإنسان إلا وهو يأمل جزاء عليه أكثر مما نالك منه وأسر. جاد ناسك بالبرة ليسمح له بملء الجرة. وتتبع الراعي بالصبة أنيق الكلإ فأمعن طلباً، لترويه بعد حلباً. وأضاف الرجل مضيف لأمرين: إما لثناء يكتسبه، وإما دفعاً لمذمة تجدبه. على أنه لا تخلوا البسيطة من قوم يكرمون بالطبع وينفعون العالم لغير نفع.
ثم أعود إلى ذكر الثور: فلما شرج لحم أبي المزاحم بالني، أبرز إلى سوق عامر فدعى له الفعفعاني فأمر الصلت على مريه، واقتسم اللحم غني وفقير، واقتدروه على مقدار الشهوات، ونسيت الصحبة وقديم العهد، وما لقيه من طول نصب وجهد.
وأما بنات بعرة وبنات خورة، فحسبك بما لقين: كم أشكل ابن آدم الثائجة على قرير، فباتت عينها ضد قريرة من غير جريرة؛ وكم روع بذات الحزأة من أم منحلان، وليس في سر النفس لكن صرح به في العلان! واحتذى أدمة هذه الأجناس فوطيء بها أمعز حزيزاً، واتخذ من جليمها دفئاً في الشبم حريزاً! وكم غرب صنع منها وسلم، وصفن للسفر دائم الحزم.
ولم يكفه ما فعل في البهائم الأهلية حتى عمد للوحش الباهلة. يا نار، أما يقتصر شرارك على أن يحترق به جارك، حتى يسافر إلى أبعد؛ ما أعظم أذاتكّ لولا ضوء لك ظهر في العنك لا نتقم خالقك منك. ماله وللثور الوحشي، ملمع الرأس بالجدد موشى! بات ليلة على العراء بعد ما رتع نهاره في الثداء، وبات المطر يبله ويصرده، ينشر عليه الفطر وبرده، وأمنيته المبتغاة الملتمسة عند الله أن يضح له ضياء الصبح. قد احتفر عند أرطاة وسدرة. يكاد ينطق بشكوى القرة. حتى إذا أعقب ذنب السرحان صديع. وظهر فأوضح من الفجر بديع، رمق بعينيه الغيوب ولا يرهب هنالك السيوب، فبدا له موسد كلاب هو طول الأبد للقنص في طلاب. فراع الشبب ما رآه من ضوار تبتدر مقلدات، يجرين في الجشع على العادات. ففزع فزعاً بالطبع، وانصرف عن ذلك الربع. يقطع رمالاً بعد رمال، والسلامة له أقصى الآمال. وغريت به ذوات العذب معذبات، مسرعات في الطلق مهذبات، يأخذن بنساه والساق، وهو بنطفة الأسلة من حمام وساق. فأدركته عند ذلك حمية الغضب، فانعطف بإقدام غير المقتضب. يذود البائس برمحين، ما نزل به من الحين. فوهب الله له النصر فانتظم بروقيه خائفة، وبإهابه منهن كلوم؛ أظالم الشبب أم مظلوم؟ لقد رمى بزول نكر، لا يزال منه حتى يهلك على ذكر، فهو يرقب طلوعها في كل غداة ويعتقد لها أشنأ معاداة. ويحدث نفسه بالهرب من أرض إلى أرض، وأين المعقل من التلف وهو كالفرض؟ فما يفتأ مروعاً من الصبح، يعد حسن الفجر من القبح.
وأما الأرطي، فدينها في ذلك على دين الأخنس، وهي في العناء المنصب من الأنس. يفعل بها ما فعل بالذيال، ولا يشفق على ظلاً من إعيال فلا تأمن هي وحلها الشبوب، نبلاً ربها للصيد ربوب. وقد أكثرت الشعراء في ذلك فقال " أبو ذؤيب ":
والدهرُ لا يبقى على حَدَثانِهشَبَبٌ أَفَزَّتْه الكلابُ مُروَّعُ
شغَبَ الكلابُ الضارياتُ فؤادَهفإِذا يرى الصبحَ المصَدَّق يفزع
ويَعوذُ بالأَرْطَى إِذا ما شَفَّهقَطْرٌ، وراحتْه بَلِيلٌ زَعْزَعُ
فغَدا يُشرِّقُ مَتْنَه فبدا لهأُولى سوابِقِها قريباً توزَعُ
فانصاع من فَرَقٍ وسدَّ فروجَهغَضْفٌ ضَوَارٍ: وافِيان وأَجْدَعُ
ينهشَنْه ويذودُهن ويحتميعبل الشَّوَى بالطُّرَّتين مُوَلَّعُ
فَحَنا لها بمُذَلَّقَينٍ كأَنمابهما من النَّضْحِ المُجَدَّح أَيَدعُ
حتى إِذا ما الثورُ أَقصدَ عُصْبةًمنها وقام شريدُها يتضرع
وبدا له ربُّ الكلابِ بِكفِّهبِيضٌ رِهَابٌ رِيشُهنَّ مُقَزَّعُ
فرمَى لِيُنقِذَ فَرَّها فهوَى لهسهمٌ فأَنقذ طُرَّتَيه المِنزَعُ
فكبا كما يكبو فنِيقٌ تارِزٌبالخَبْتِ إِلا أَنه هو أَبرَعُ
فكأَن سَفُّودَينِ لمَّا يقتراعَجِلاَ له بشِواءِ شَرْبٍ يُنزَعُ
فإن سلم من النوابح أخو الربل، فما يؤمنه بعد ذلك من النبل.
قال " زهير ":
فجالتْ على وحْشِيِّها وكأَنهامُسَرْبلَةٌ في رازقيِّ مُعَضدِ
وتنفُضُ عنها غيبَ كلِّ خميلةٍوتَخشَى رُماةَ الغوثِ من كلِّ مَرْصَدِ
ولم تَخشَ وشكَ البَيْنِ حتى رأَتْهمُوقد قعدوا أَنفاقَها كلَّ مَقْعَدِ
وثاروا لها من جانبيها كليهماوجالت، وإِن يُجشِمْنَها الشَّدَّ تَجهدِ
تَبُذُّ الأُلَى يأتينها من ورائهاوإن تتقدمْها السوابقُ تُصطَدِ
فأَنقذها من غمرة الموتِ بعد مارأَت أَنها إِن تنظر النَّبْلَ تُقصَدِ
نَجَاءٌ مُجِدٌّ ليس فيه وتيرةٌوتذبيبُها عنها بأَسحمَ مِذْوَدِ
وهذا في شعر العرب أكثر من أن تقام الأدلة عليه.
وإنما جئت به كما يشير المحدث إلى أم شملة، ويريك راكب ليله الساهرة.
وأما الجربة من العانات، فما تدفع شرور الصادة بمساناة. بينا هي ترتع في روضٍ أنقٍ وتكرع في غديرٍ ليس برنق، أتيح لها - والقدر أتاحه - فارس يقصر لقاحه، على قباء من الخيل المضمرة، ليست في شرب الرسل بمغمرة يسقيها المحض ويشر السمار، لتقيد له الأوابد ولا ضمار؛ أو سابح في الطلق غمر، أعانت به الأقضية على إدراك الأمر. فربه يهين الإبل ويكرمه، ويحرم عياله ولا يحرمه. وإنما يأمل به أموراً ليس هو إذا بلغها مقموراً: يعده لطلب ثأر يحسب أخذه أسنى الآثار، أو غارة يصبح بها عدواً، فيلطع مع الأشقر غدواً، أو نجاء في المأزق من سيف وسنان، إذا جشأت النفس الكاذبة لرعب الجنان؛ أو صيد يشبع به أطفالاً، ولا يوجد رأيه فيما صنع فالاً. حتى إذا أنفض عياله وفنى قوته لولا احتياله، عرضت له في آخر السبرة أتن وعلج، وما يطرح بقدره الفلج. فركب فرسه واثقاً به فحمله على العير وقبه، فطعنه في الفائل أو القرب، فروى من دمه صادي الترب.
وربما كان ابن أخدر في عذاة قد بعد بها عن الأذاة، حتى إذا العطش حرقه وأمره بالمورد ليطرقه، ورد آملاً برد الماء يطفيء به ما استعر من لهب الأظماء. وقد سبقه إلى الشريعة أخو قوس ما يلتمس بها من أوس.
بصر بها في المنبت وكأنها حظوة نبال، فوقعت الحظوة بها في البال، فجعل يتعهدها على انفراد، ويحمل إليها رياً في الشعوب ليصل بها إلى المراد. ويخاف أن يصل إليها غيره فتسنح له بشر طيره. وهي في شقب بين جبلين جارة نبع أعيا الثقلين. حتى إذا علم أنها تصلح لما رجاه، عمد لعودها بالكرزن فنجاه. وما برح إليها ينغل، والسفن مراراً ينفل، حتى نال البغية وثوبه شبارق، وقد خرق كله خارق. فجذل بها يستأنس مناه، وأيقن أنه ظفر بغناه. ومظعها ماء لحائها زماناً وأشعرها من الندى الساقط أماناً، ثم أنحى بعد ذلك عليها الطريدة، فجاءت من ذات الأوتاد فريدة. ثم قرن بها مربوعاً فكانت للأجل ينبوعاً، واتخذ لها سهاماً صيغة، تظل يده بها الأنفس مريغة. وحملها بعد وذهب فاتخذ لها بيتاً من صفيح لعله يظفر بغير السفيح. فهو في دجى ليست بالمنجلية، صاحب نفس بالأهوال متخلية، قد دمر وما تدميره؟ إنما ذلك ليحسن عذيره. يخاف أن تجد ريحه قمر واردة، فترجع من الجزع وهي الشاردة. وله في ذلك المنهل جارة، إذا شحط عنها فالشحط تجارة. يسمع لها كشيشاً في الحندس وفحيحاً، ويردد من الخيفة والفرق نحيحاً. بعداً لها في الأرض من مجاورة؛ يروعه في الظلم زمالها، ولا تحدي للظعن حمالها. تأكل في مشتاها تراباً، وتهتبل في المصيف آراباً، تنفخ كدأب الملهوف، إن ذلك لتر من الهوف.
وعنده قيان رمد، وهن لما كره حقاً عمد، يشربن دمه ولا يسقينه، وينفين عنه المهجع ولا يقينه، وكيف يهجع البائس على حذاره؟ أم كيف يئوب إلى أهله باعتذاره؟ حتى إذا الحقب وردن، وسوس فدعا ربه يسأله أن يكشف كربه، ويشبع من الوشيق سلقعاً لا يعرف غير الصيد شبعاً. فرمى والله رزقه، فصادف نضيه فريصاً خرقه. وذعرت الوحش الظامئة فانصرفت عن عين طامية. فكر بين المدرك أجله، والصادر ولم يقض منهله. وربما أحسسن بالقانص فنفرن، خائفات من التلف وما تغمرن.
وهذا القصص قائم به الشاهد من الشعر الأول. ولا ريب أنه يفعل إلى اليوم، إذ كان خلقاً للصعاليك، وما حظره عليهم الإسلام ولا تبعهم فيه ملامٌ. قال " صخر الغي " يصف حمارين:
ولا عِلْجانِ ينتابان رَوضاًنضيراً نبتُه، عُمّاً تؤاما
كلا العلجين أَصعَرُ صَيعَريٌّتخالُ نَسِيلَ مَتنيه الثَّغَاما
فباتا يأْمُلان مياهَ بَدْرٍوخافا رامِياً عنه فخاما
فَرَاغا ناجِيَين وقام يرميفآبَتْ نَبلهُ قِصَداً حُطاماً
كأَنهما إِذا علَوا وَجِيناًومقطَعَ حَرَّةٍ بعثا رِجَاما
يُثيرانِ الجنادِلَ كابِياتٍإِذا جارا معاً وإذا استقاما
فباتا يحُييان الليلَ حتىأَضاءَ الصبحُ منبلجاً وقاما
فإِمَّا ينجوا من خوفِ أَرضٍفقد لَقيا حُتوفَهما لزاما
وقد لَقِيا مع الإِشراقِ خَيْلاًتسوفُ الوحشَ تحسَبُها خياما
بكلِّ مُقلِّصٍ ذكَرٍ عَنُودٍيَبُذُّ يدَ العَشَنَّقِ واللجاما
فشامَتْ في صدورِهما رماحاًمن الخَطِّيِّ أُشرِبَت السماما
وقال " امرؤ القيس ":
رُبَّ رامٍ من بني ثُعَلٍمُخرِجٍ كفَّيْه من سُتَرِهْ
عارضٍ زوراءَ من نَشَمٍغيرَ باناةٍ على وتَرِه
فأَتتْه الوحشُ واردةًفتَمتَّى القَزْعُ في يَسَرِه
فرمَاها في فرائصِهامن إِزاءِ الحوضِ أَو عُقُرِه
بِرَهيشٍ من كِنانتِهكتلظِّى الجمرِ في شَرَرِه
راشه من ريش ناهضةٍثم أَمهاه على حَجَرِه
فهْو لا تَنمِى رمِيَّتُهمالَهُ، لا عُدَّ من نَفَرِه
وقال " الرعي " وذكر صائداً:
وفي بيتِ الصفيح أَخو عيالقليلُ المالِ يغتبقُ السَّمَارا
يَبِيتُ الحَيَّةُ النضناضُ منهمكانَ الحِبِّ يستمعُ السِّرارا
فصادَفَ سَهْمُه أَحجارَ قُفٍّكسَرْنَ الفُوقَ منه والغِرارا
فجالا جولةً لو لم يكوناذَوَيْ أَيْدٍ تَمَسُّ الأَرضَ طارا
وأما الأوعال العاقلة فقعدوا لها بالأسهم يقيناً ليس بتوهم، يرمون الشواكل ويجعلونها مآكل، ويطرفان من أشجار الجبال حيث لا يفرق من الليث الرئبال، ويردان ما جادت به السحب في إخاذ وقلات، وينصلتان المنبأة المستمعة أيما انصلات. قال " النمر بن تولب " وذكر الوعل:
بِإِسْبِيلَ أَلقَتْ به أمُّهعلى رأْسِ ذي شُرَفٍ أَقْتَما
إِذا شاءَ طالَع مسجورةًترى حولها النبعَ والسَّأسَما
تكونُ لأَعدائه مَجْهَلامُضِلاًّ وكانت له مَعْلَما
سقَتْه الرواعِدُ مِن صَيِّفٍوإِنْ من خريفٍ فلن يَعدَما
أَتاح له الدهرُ ذا وَفْضةٍيُقلِّبُ في كَفِّه أَسهُمَا
فأَهوَى إليه بِحَشْرٍ لهولن يرهبَ المرءُ أَن يَكْلِمَا
فأَخرج من نَبْلِه أَهْزَعاًفشَكَّ نواهِقَه والفَمَا
فظلَّ شبيباً كأَن الوَلوعَ كان بغِرَّتِه مُتْئِما
أَتى حِصْنَه ما أَتى تُبَّعاًوأَبْرهةَ المَلِكَ الأَشْرَما
وقال " ساعدة بن جوية ":
تاللهِ يَبقى على الأَيام ذو حَيَدٍأَدفَى صَلودٌ من الأَوعالِ ذو خدَمِ
من دونِهِ شعَفٌ قَرٌّ وأسفلَهجِيٌّ تنَطَّقُ بالظَّيَّانِ والعُتُمِ
يرودُ فيها نهاراً ثم مَورِدُهطامٍ عليه فروعُ القانِ والنَّشم
موَكَّلٌ بِشُدوفِ الصَّومِ يَرقُبهامن المغارب مخطوفُ الحَشَى زَرِمُ
ثم يَنوشُ إِذا آدَ النهارُ لهمع الترقُّبِ من نِيمٍ ومن كتَمِ
حتى أَتيح له رامٍ بمُحدِلةجَشْءٍ وبِيضٍ نواحيهن كالسَّجَمِ
دَلَّى يديه له قصراً فأَلزمَهنَفَّاحَةً غيرَ إِخطاءٍ ولا شَرَمٍ
فجال منه بأَعلى الرَّيْدِ ثم كباعلى نَضِيٍّ خِلالَ الجوفِ منحطمِ
وقال آخر يصف رجلاً متصعلكاً:
لا مالَ إِلا العِطافُ تُؤزِرُهأمُّ ثمانينَ وابنةُ الجَبَلِ
لا يرتقى النَّزُّ في ذلاذِلِهولا يُعَدِّي نَعلَيه من بَلَلِ
عُصْرَتُه نُطفةٌ إِلى لَصَبٍمما تناهَى له من السبَلِ
ومُضْغَةٌ من بَناتِ شاكِلَةٍلو لم يُرِغْها بالقوسِ لم تُنَلِ
والنعام، ركب عليها الفارس فإذا سنانه وارس. حمل على خيط راتعلها في النهار الماتع، ونعم في خصيب العشرق، فعاد كله بجرض الشرق فرق بين ربداء وظليم، ولم يكن في المقارنة بمليم. وطعن أم الرأل فهوت بين الأجرال. وكانت صاحبة أدحى قد نأت عن أهل الحي. وتلك الودائع، شهد الله، في ضمائر الزعر المتأبدات، أنفس من الغرائب البحرية عند الغيد المتقلدات. وربما راحت وهي زعلة تواجه إليه ريحاً ومطراً وقد وضعته في المقفرة سطراً، كما قال " ابن أحمر ":
فما بيضاتُ ذي لِبَدٍ هِجَفٍّسُقِينَ بِزاجلٍ حتى رَوِينا
وُضِعْنَ وكُلُّهن على غِرارٍهجانَ اللونِ قد وُسِقَتْ جَنيناً
وقد يصادف ثفلها جاني كمأة أو راع، فيفجعها غير مراع. فتجزع لذلك الأمرين، والهاً تحرب بزهاء العشرين. كيف لها، والله عليم، أن يجعل خالقك ريشها نبلاً فترمى بها من سعر فؤادها تبلاً؛ ومنقارها النابي جرازاً أو لهذماً، لتخلف حبل من عادته جذمها؟ قال:
فيوماً على بُقْعٍ دِقاقٍ صدورُهويوْماً على سُفعِ المدامع رَبْرَبِ
وقال " ذو الرمة ":
وبيضاء لا تَنحاشُ مِنا وأمُّهاإِذا ما رأَتنا زِيلَ منا زَوِيلُها
نَتُوجٍ ولم تُقرَفْ لما يُمتَنَى لهإِذا نُتِجتْ ماتتْ وحَيَّ سَليلُها
وقال " الشماخ ":
وبيضاءَ من سوداءَ قد صِدْتُ صاحبيولادةَ صِعْوَنَّينِ حُمْشٍ شَوَاهُما
وقال آخر:
وبيضاءَ قد رفَّعتُ عنها بقَفْرةٍسماوةَ صَعْلٍ كالخِباءِ المُقوَّضِ
هجومٍ عليها نفسَه غير أنهمتى يُرْمَ في عينيه بالشبْحِ ينهضِ
وأما أدم الظباء الراتعة وعفرها، فما أنجاها من بني آدم نفرها. كم جرة تنصب لأدماء حرة، وحبالة جعلت الظبي وشيقاً في بالة؟ واتخذوا أهبها للخير مواطن: ففيها تسطر كتب الله عزت كلمته، فهل تصيب من أجل ذلك نوارها رحمته؟ وفيها تكتب صدقات النساء وأوصار الأمم في العاجل والنساء. ما رق الصائد لطرف ما هو من الكحل بخلي، وجيد حسن وإن عطل من الحلي. والكلاب لصيدها معدة، وإذا توسد فإنها مرمدة، وقد يجمعون - والله عليم - لأذاتها المعلمة من الكلاب والطير، فلا إليه إلا الله، ما لقيت النافرة من الضير! إن بعد بها عن الناب الشد، فإنها بالصقر تحد. والعقاب الشغواء اتخذها بعض الناس، لتروع أظبى الكناس.
وأما الخزز والعكرشة والسمسم - ويحه! - والثرملة، فلقين أصناف البرجين مما كلب ولد الإنسان. كان: الخزز في أنيق أرض، مرازماً في العيش بين خلة وحمض، فبكر عليه القانص بأجر أو بارز، وكلب يرتبط أباز. وكانت العكرشة حابلاً أو خروساً قاعداً عن الولد عروساً، فجاءها الضاري والجارح بما يسلب حليلة من حليل ويذهل الخليل المشفق عن الخليل.
فإما أن تغدو أيماً وإما أن يكون ولدها موتماً.
وأما الصيدن، فما ينقذه من ذلك أريب احتيال، ولا يفلت من القنص بالإيال. خرج يكتسب لصغار، فحيل بينه وبين الغار. وقد تكون الثرملة مرضعاً فيعود السوذق لها مبضعاً.
وكل ذلك بقدر من الله. وليس ابن آدم فيما فعله بالذميم، إنما أجرى من الشيم إلى ما هو مباح حل، وأطلقه للعبد الإل.
وقد عمد إلى ذوات الجناح، بمثل ما قصد به ذوات الأربع من الجناح. فأعد لخشاشهن ما يلحق بن أظفار المنية من المنسر أو المخلب، والشرور أردأ المجتلب. كم فجعوا فرخاً بحمامة كانت تنزل على السمامة، فتركوا جوزلها وهو مضاع، إذا سمع حساً ينضاع! وكم منعوا الحاضنة من النتلة، فاجتثوا أصلها من غير عتلة! وأما الضب، فما وأل بطول التجربة، من أيد للأجل مقربة. وقد حذر الحسلة من الحرش، فما ودى ذبيحها بأرش، ولا عصمه أمثال مضروبة هي إليه فيما تزعم العرب منسوبة، وأكلوا مكنه من غير تحرج، وحالوا بين الضبة وبين التبرج. وصادوه حائلاً وساحياً، وحفرت الكدية على ضاحياً ووجدوا في عنقه أطواقاً بيضاء شهدت له بذهاب الحقب وبقائه من بعد قبيضاً. ما تركوه لاهياً بالعترة ولا العرارة والعرفجة خالياً من الشرارة.
وقال " أبو وائل شفيق بن سلمة ": " ضب مكوى أحب إلى من دجاجة سمينة " فإذا قال مثل ذلك أحد التابعين، فما ظنك بأشابة راثعين؟ قال الشاعر:
ذكرتُكِ ذكرةً فاصطدتُ ضَبّاًوكنتُ إِذا ذكرتُكِ لا أَخيبُ
وقال الشاعر:
بَشِّرْ يرابيعَ المَلاَ وضِبابَهاأَنْ قد غدا حَمَلُ بنُ زيدٍ ثاويا
قد كان يُذلِقُها ويُعْجِلُ بعضَهاعَبْطَ المنِيَّةِ رائحاً ومغاديا
وأنشد " أبو السراج " في كتاب المعاني:
تناولتُه من بيتِه أَحْرَشَ القَراأَرَشَّتْ عليه المُدجِناتُ الهواضِبُ
تخاطَأَه المقدارُ حتى أَصبتُهوخُرطومُه في منقعِ الماءِ راسبُ
وأنشد " الشيباني " أبياتاً وفيها إقواء وخرم في غير البيت الأول، والأبيات:
أَرَّى بكَفَّيه وأَقعس رأْسَهوحَظْرَبَ نَفخاً مَسْكُه فهو حاظِبُ
فلما وجدتُ القَبْصَ يزدادُ فترةًوأَيقنتُ أَن الضبَّ لا بد ذاهبُ
قُمتُ وعِيدانُ السليخةِ قد جذَتْجُذُوَّ المرامي بين بادٍ وغائبِ
وآخَرُ أَبْدَى عن ضُلوعيَ خَدْشُهومستمسِكٌ نضنضتُه فهو ناشب
ودَبَّ على صدري دبيباً فليتنيمع البُرْصِ الزرْقِ العيونِ الحناظبِ
خليل عراب بين حَزْمَينِ يرتعيأَعاشيبَ مَوْليٍّ سقَتْه الهضائبُ
وقالوا في الحث على أكل الضب:
إِنك لو ذُقتَ الكُشَى بالأكبادْ
لَما تركتَ الضبّ يعدو بِالوَادْ
وقالوا:
أَطْعِمْ أَخاكَ من عَقَنقَل الضَّب
إِنك إِنْ لا تُطعِمَنْه يَغضَب
وقالوا:
عندي دواءُ الهُدَبِدْ
كُشْيَة ضَبٍّ بكَبِدْ
وقال رجل من بني سعد أتى جبلاً يقال له طمرة فأرك به وأكل من ضبابه:
واللهِ لولا أَكلةٌ بِمِرَّهْبِكُشْيَةٍ بكَبِدٍ بظَهْرَه
لقد خَلا مِنَّا قَفَا طِمِرَّه
وأما اليربوع، فهو في الوطن مسبوع. نفق ورهط وعنق لنفسه وقصع، واتخذ لنفسه دممة وسابياء، وكل ذلك هرب مما قدر وهيهات! " ببقة قضى الأمر ". " لا المرء في شيء ولا اليربوع ".
ومشهور عند رواة الأخبار أن طوائف من العرب تأكل الفأر. وقد ادعوا ذلك على " أبي وجزة السعدي " وكان أحد القراء والمجيدين من الشعراء.
وقيل لبعض الأعراب: ما تقول في لحوم الحيات؟ قال: أنا منها بين شواء وقدير، وما أكره نيئها إن أعجلني سفر! وهم الذين عمدوا لبنات اللجة بالحيل، فرموها من المأمن بالغيل.
وأي شيء من أحناش الأرض لم تنزل به من القوم شصية! إنهم إما أكلوه وإما قتلوه. وكثير من الهوام يتخذونها في الأشفية، وخطوبهم ليست بالمصفية. يحرقون الشبوات في بعض الهنوات، ويستعملونها في الأدوية، وإنما ذلك لحكمة غير المغوية.
فهذا كله تأسية لك على ما تلقاه في دأبك من أين، والله محصي الأثر وبادي العين. ألست رائياً ما نزل الجوارس في الأيام الومدة والقوارس؟ بكرت في كحلاء وسحاء تكتسب من غير لحاء، ما رزقها ربها لغرض مطلوب، وقضاء الصمد غير مغلوب. جمعت الضرب من شت، وأيقنت أن الأمل غير منبت، لأنها سمت بالأرى المكتسب إلى جبال سامقة، تشحط عن العيون الوامقة. فلما ظنت أن القدر عنها غافل، أشب لها من الشارة غوى قافل. فلما طلع بالمسأب وخرصه، وهجم على التلف الناس حرصه، جلاها بالإيام فتفرقت، وفجع الثول بقوت، وأصبح إلى الخشرم جد ممقوت وكم قتل قبل ذلك من الدبر، وما أذاتك صاحبك بخسيس من الشبر.
إن خطب الزمان لجلى، تكسب النحل ويشتار " الهذلي " قدر من ربك بدي، تجنى الأرية عن الأنوار، ما يلسب فقير أزدي، - " يعقوب " يختار السين فيقول: أسدي - وقد وصف ذلك جماعة من القالة، وذكروا ما يلقى دون ذلك من سوء الآلة. قال " أبو ذؤيب ":
وما ضَرَبٌ بيضاءُ يأْوِي مَليكُهاإِلى طُنُفٍ أَعيا بِرَاقٍ ونازِل
تُهالُ العُقَابُ أَن تَمُرَّ بِرَيْدِهوترمِي درُوءٌ دونَه بالأَجَادِل
تَنَمَّى بها اليعسوبُ حتى أَقَرَّهاإِلى عَطَنٍ رَحْبِ المَباءَةِ عاسِل
تدَلَّى عليها بالحِبَالِ مُوَثقاًشديدُ الوَصاةِ نابلٌ وابنُ نابِلِ
إِذا كان حَبْلٌ من ثمانينَ قامةًوخمسينَ باعاً، نالَها بالأَناملِ
فَحَطَّ عليها والضلوعُ كأَنهامن الخوفِ أَمثالُ السهامِ النَّواصِل
إِذا لَسعتْه النحلُ لم يرجُ لَسْعَهاوخالَفها في بيتِ نوبٍ عَواملِ
فشَرَّجَها من نطفةٍ رجَبِيةٍسُلاسِلةٍ من ماءِ لَصْب سُلاسِل
وقال " ساعدة بن جوية ":
فما ضَرَبٌ بيضاءُ يسقى دبوبهَادَفاقٌ فعروانُ الكَراثِ فضِيمُها
أُتيحَ لها شَثْنُ البنانِ مُكدَّمٌأَخو حُزَنٍ قد وقَّرتْه كُلومُها
رأَى عارضاً يَهوِي إلى مُسْبطِرَّةٍقد احجَمَ عنها كلُّ شيءٍ يرومُها
قليلُ الأَتاءِ غيرَ قوسٍ وأَسهمٍوأَخراصه يغدو بها ويُقيمها
فما بَرِحَ الأَسبابُ حتى وضعنهإلى الثوْلِ يَنْفِي جَثَّها ويَؤومُها
فلما دنا الإبرادُ حَطَّ بِشَوْرِهإِلى فَضَلاتٍ مستحيرٍ جُمومُها
إِلى فَضَلاتٍ من حَبِيٍّ مُجَلْجَلٍأَضَرَّتْ به أَضواجُها وهُضومُها
فَشَرَّجَها حتى استمرَّ بنُطفةٍوكان شِفاءً شَوْبُها وصَميمُها
فذلك ما شبَّهت يا أُمَّ مَعْمَرِإِذا ما توالى الليلُ غارت نجومُها
وقال " نابغة بني جعدة ":
وكأَنما أَنيابُها اغتبقتْبعد الكَرَى من طيِّبِ الخمْرِ
شرِكاً بماءِ الذَّوبِ تجمعهفي طَوْدِ أَيْمَنَ من قُرى قَسْرِ
قُرْعُ الرءُوسِ لِصَوتِها جَرَسٌفي النبْعِ والكَحْلاءِ والسِّدْرِ
ولِلَيْلِها جَلَبٌ إِذا عَتَمتْوتَبِيتُ عاذبةً كذِي النذْرِ
بَكرتْ تَبَغيَّ الرزقَ في مُسُلٍمخروفَةٍ ومساربٍ خُضْرٍ
لبِثتْ قليلاً ثم خالَفهامتسربِلٌ أَدَماً على النحْرِ
صَدَعٌ أُسَيِّدُ من شنوءَةَ مشاءُ قتَلْنَ أَباه في الدهر
يمشِي بقِرْبَتِه ومِحْجَنِهمُتلطفاً كتَلَطُّفِ الوَبْرِ
يَحْبُو إِذا خافَ القِيامَ علىرَصَفٍ يَزِلُّ بِأَكرُعِ الغُفْرِ
فسما إِليها في مراتبِهافأَتى بسَبْعِ ضَوائنٍ وُفْرِ
فأَصابَ غِرَّتَها ولو علِمتْحَدِبْتْ عليه بِضَيِّق وَعْرِ
وأما دعواك نظام الشعر، فخلة لا تفتقد معها زلة. إذا جاء الروى فضح الغوى. ولو قيل إن القافية لأنها تقفوا الجاهل بها، أي تعيبه، لكان ذلك مذهباً من القول. والقريض ماشه أم أدراص، ومن سلكها غير خبير فكأنما سقط من ثبير.
نحن معاشر الجبهة أولى بالعرب من كل الحيوان. وفينا ورد جيد الشعر العتيق، وإيانا ذكرت الفرسان السالفة والفصحاء المفتخرة، بالإيثار على العيال: الولد والأم والعرس. قال " الأخطل ":
إِذا ما الخيلُ ضيَّعها أناسٌربطناها فشاركت العيالا
نُهِينُ لها الطعام إِذا اشتويناونكسوها البراقعَ والجِلالا
وقال " عنترة " - ويروى لغيره -:
لا تذكري فرَسي وما أَطعمتُهفيكونَ جلدُكِ مثلَ جِلْدِ الأَجربِ
َذَبَ العتيقُ وماءُ شَنٍّ باردٍإِن كنتِ سائلتي غبوقاً فاشربي
وقال " أبو داود الإيادي ":
عَلِقَتْ هامتي بعض ما يمنَعُ مني الأَعنةَ الأَقدارُ
وانجرادي بهن نحو عدوِّيوارتحالي البلادَ والتسيارُ
تلكمُ لذتي إلى يومِ موتيإِنَّ موتاً وإِن عمرتُ قُصارُ
وقال " العبدي ":
أَلاَ هَلْ أَتَاها أَنَّ شِكَّة حَازمٍلديَّ وأني قد صنعتُ الشَّموسَا
وداويتُها حتى شَتَتْ حَبشيةًكأَنَّ عليها سندساً وسدوساً
قصرتُ عليها بالمَقِيطِ لقاحَنارباعية وبازلاً وسدِيساً
فآضَتْ كتَيْسِ الرَّبْلِ تنزو إِذا نزتْعلى رَبذاتٍ يبتدرْن خنوساً
وقال آخر:
ويترك قيساً وقَيْسٌ لهعناجيجُ آخِذَةٌ بالنَّفَسْ
يُقرِّبُها دونَ أَبنائهويُلحِفُها بُرْدَه في القَرَسْ
وقال " الضبي ":
نُوَلِّيها الصريحَ إِذا شَتوناعلى علاتِها ونَلِي السَّمارا
وتُمكِنُنا إِذا نحن التقَيْنامن الأَذْوادِ نَهْباً واقتِسارا
وقال " الجعفي ":
باعُوا جوادَهُم لِتسمَنَ أُمُّهمولكي يكونَ على فِراشهمُ فَتَى
لكنْ قعيدةُ بيتِنا مجفُوَّةٌبادٍ جناجنُ صدرِها ولها غِنَى
راحوا بصائرُهم على أَكتافِهموبصيرتي يعدو بها عَتَدٌ وَأي
وقال " طفيل ":
إِني وإِن قلَّ مالي لا يفارقُنيمِثلُ النعامةِ في أَوصالِه طولُ
تقريبُه المَرَطى، والجَوْزُ معتدلٌكأَنه سُبَدٌ بالماء مغسول
ومثل هذا كثير لا يدرك. وروى أن رسول الله ﷺ، مسح وجه فرسه بثوبه..
نكون حجباً للطرف، ونشم أرج المعرس، وتنشق أنوفنا دخان الرمث وتنظر عيوننا إلى نار الزحفتين؛ ونشاهد ما تدحوه النعائم لتريكها النضيد، والمكاء يتخذ عشه في اليعضيد؛ ونسمه زمار النعامة وعرار الظليم وترنم القائل إذا جلس في خبائه مع الخريدة؛ وارتجاز المتلبب للقاء الكريهة. ونحن بعد شركاء القوم في الطعام والكسوة ومحل الأجسام.
وليس فينا من يزعم أنه يقدر على موزون القول، وإنما ذلك فضيلة للإنس.
أرأيت السالف من الخيل المتقدمة، ك: أعوج والوجيه ومذهب وقيد وبذوة وحلاء وسبل وذي الصوفة والخزز وزاد الركب، وغيرهن من فحول الخيل وإناثها، لم يرو لفرس منها شعر. وأولاها بارتجال الأوزان واقتضاب الرجز والقصيد، ما كان منها في ملك الشعراء. لأنها تأذن لشدوهم بالأشعار وهم جلوس فوق الصهوات، كخيل: " الكندي، وعدي وأبي داود، وطفيل ".
ولم يأت عنها بيت من ذلك ولا مصراع.
وتلا خيل العرب في التكرمة، إبلها السائمة والمستعملة. وإنما جمهور الموزون الذي نقل عن العرب، في الخيل والإبل والنساء. فهل سمعت أحداً من الرواة نسب إلى الناقة أو الجمل بيتاً أو بيتين؟ والمنثور من الكلم جنس للمنظوم. وعلى حسب ما يتسع في القول المتكلم، يتصرف لدى النظم الشاعر. ولذلك صح أن العرب أوفر الأمم حظاً في الموزون، لأن لغتهم تستبحر وإن لم تبن منها أوزان الشعر.
وقد علمت أن صوتك له نوعان: الحمحمة والشحيج، وكلاهما لا مسلك له في الموزونات، لأن الكلمة إذا اجتمع فيها ساكنان يتوسطانها لم يمكن أن تنظم في حشو البيت العربي إلا في موضع واحد، كقوله:
فَرُمْنا القِصاصَ وكان التَّقاصُّفرضاً وحَتْماً على المُسلمينا
وليس ذلك بمعروف ولكنه شاذ مرفوض. وما شذ من كل الأسماء فإنه لا ينكسر به القياس. وإذا كان الساكنان جمع بينهما في آخر الكلمة وقف وسكوت، فإنما يستعمل ذلك في أواخر أوزان معروفة، تسعة أو عشرة، كقول القائل:
جاءَ شقيقٌ عارضاً رمْحَهإِن بني عَمِّكَ فيهم رماحْ
هل أَحْدَثَ الدهرُ لنا ضُؤلةًأَم هل رَقَتْ أمّ شَقيقٍ سلاحْ
وكقول " عمرو بن شاس ":
وكأسٍ كمُستدمي الغزالِ مَزجتُهالأَبيضَ عصَّاءِ العواذلِ مِفضالْ
كآدمَ لم يُؤثِرْ بعِرنينِه الشَّبَاولا الحبْلُ، تخشاه القَرومُ إِذا صالْ
في أشباه لذلك.
والإبل أكثر افتناناً في الأصوات، لأن من أصواتها: الحنين والأطيط والسجع والتحوب والعجيج والجرجرة، والهدر وأصنافه وهي: الفحيح والكتيت والكشيش والقصف والقرقرة والزغد والشحشحة والقلخ. ومن أصواتها الرغاء والبغام. وكل ذلك، على اختلافه، لا تتألف منه الأوزان.
وكذلك أكثر أصوات الحيوان، لا تعتدل ولا يمكن دخولها في المنظوم، لأنها تقطع الأجراس أو تمد، فيكون كالذي جمع بين ساكنين أو أكثر.
ألا ترى أن العصفور أقصر أوصاته إذا حكى، حرف متحرك بعده ساكن، ولو تابع ذلك مقطعاً لعرف لصوته حد، ولكنه يواصل بغير فصل فيخرج قريه إلى غير أصوات الآدميين. والغراب إذا حكوا صوته قالوا: غاق. وذلك متحرك بعده ساكنان، إلا أن تكسر القاف فيصير ساكناً بين متحركين.
ومن تأمل صياح الغربان وجدها في بعض الأوقات تبدأ بمتحركين بعدهما ساكن، ثم تمد فيصير ذلك في الحكاية أربعة أحرف. وقد يجوز أن تختلف أصوات الغربان يحسب اختلاف الأرضين والأحيان.
وهذا الأمير - أعز الله نصره - الذي أومأت إليه، عارف بغوامض القريض، فإنما يحمل التمر من حضرته إلى " هجر " وتهدي الزهرة من مجلسه إلى الروضة العميمة، ويسافر بالنغبة من علمه إلى البحر الزاخر. وما أغناك أيها البائس أن يضحك منك في الآدميين، وأن تصير هزأة في جنسك!.
ومن بديع ما خطر لك، توهمك أن إلى إفهام بني آدم سبيلاً للحيوان: إنما يعلم الرجل ظمء فرسه بصوت يسمعه لم تجر العادة بمثله في حال الري. وكذلك يعرف طلبه للقضيم أو المرتع، ونزاعه إلى ما فرق من الخيل.
فأما أن يقول حيوان ليس بالناطق كلاماً يفهمه عنه الإنس فمتعذر ذلك. وكل ما تسمعه من دعوى العرب، فإنما هو على معنى المجاز وتصور الشيء بالصورة التي ليست له.
وإنما مثلك فيما سألتني من إبلاغ مدحتك إلى حضرة " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " مثل الذئب لما وصفه " الحارثي " وذكر ماء ورده فقال:
وماءٍ كأَن الطحلبَ الجَوْنَ فوقَهطروقاً على أَرجائه ثائرُ الغِسْلِ
وجدتُ عليه الذئبَ يَعوِي كأَنهخليعٌ خَلا عن كلِّ مالٍ ومن أَهْلِ
فقلتُ له: يا ذئبُ هل لك في أَخٍيُجازِي بلا غُرْمٍ عليكَ ولا خَذْلِ
فقال: هداكَ اللهُ إِنك إِنمادعوتَ لما لم يأْتِه سَبُعٌ قبلي
فلستُ بآتيه، ولا أَستطيعُهولاَكِ اسقِني إِن كان ماؤك ذا فَضْلِ
فيجوز أن ينطق الله تعالى الشاحج فيقول: الإكثار مظنة العثار. ومثلي ومثلك، مثل متخذة النؤور والسيطل، قرعته قرعة خفية فأجابها بصوت طال واتصل، ودخل في السمع بقوة فأفرط وقد حان منصرفي الليلة، ولولا ذلك لكان جوابك أقرب من البرة إلى الناقة ومن المرضع إلى الإفاقة. وإن كانت لك إقامة إلى الغد، أجبتك جواباً مرضياً إن شاء الله، على أن المثل السائر: " ربما كان السكوت جواباً "؛ لا سيما إذا كان القول إزراء بالمستمع وطعناً من القائل. والعي أبأس من الشلل، واللسان يبين عن الإنسان مثل ما انبأك عن لون طرف، وخبرك عن روض عرف.
فيمضي الشاحج إلى مربطه، ويبيت الصاهل بمكانه.
حتى إذا الصبح وضح، عاد الشاحج على الأدراج، حتى إذا كان من الصاهل بالمرأى والمسمع، أنطقه الله، إن شاء الله، فقال: أي التحيتين أحب إليك: أتحية الجاهلية؟. فنعم صباحك. أم تحية الإسلام؟ فسلام عليك.
فيرد الصاهل بتكرهٍ.
ثم يقول الشاحج: أما أنفتك من خئولتي، فإن الأنف أخو الشنف، وكل متكبر مقيت، ورب عبد هو أزكى من سيده. وأمةٍ برئت من الآمة، أفضل من الحرة لحقت بها الملامة. وأنساب الحيوان أمر مخبوء. وما يدريك لعل " المرتجز " خالي، و " الدلدل " من أسرتي، و " يعفوراً " أبي أو عمي؟.
والجسد على النفس كريم، ولعل في ظن المننة أن ابنتها أحق بالحلى من الفتاة الحسنة. ولعل في نفوس الكروان أنها أحسن من الطواويس. ولولا الإسلام لم تسلم أدقاء العرب الشرف إلى بني عبد مناف. و " سلمان " عند الميزان أرجح من الهرمزان، و " خباب بن الأرت " وإن كان ينتسب إلى النبط، قد قرع من ينتسب في القبائل ذوات الحسب. وما تعترف الحبشة في ديراها أن أمة من الأمم أفضل منها في السؤدد. و " بلال بن حمامة " لا يدعى ل: " كعب بن مامة " و " صهيب بن سنان " لا يقر بالمنة ل: " زيد بن جدعان " والأراكة في نفس الظبية التهامية، أشرف من الرقلة عند حرة يمامية. والسدرة للعالقة أنفع من السحوق السامقة. والسائس في الجمازة وهي من اللبد، يحس الدابة ويرى أه أولى بناصيتها من مالكها. ويغدو الهاجري بالمسجة على المجدل، وما يرتاب في أنه أحق بالطارقة من الربيب.
وعلى ذلك جرت العصور السالفة.
وغرائز الحيوان قلما تعترف بالفضيلة، بل تجد أدنياء العالم يدعون الفضل على أهل الأقدار، والمنغمسين في الضعة تلهج ألسنتهم بالافتخار. وربما صورت الغريزة لصاحبها ما يقع الإجماع على بطلانه. تظن السمجة أنها جميلة، والقصيرة أنها فارعة، واليد البخيلة أنها سمحة؛ وإنما يحمل على ذلك قلة التمكن من المعقول. ومن كان ذا وفارة من اللب كان بالعكس من هذه الصفة، لأن علقه يعلمه أن الله تعالى قادر على أن يخلق من يفضله. والحازم يرى التواضع فرضاً لازماً، والأخرق يرى التكبر حظاً جزيلاً.
وكل شجرة لا تقدر على عدوان الثمرة: فشجرة العفز لا تثمر بلساً، والسلمة لا يمكنها أن تجنيك ثعداً، والأراكة لا تونع إلا بمرد وبرير. ولو تكبر سنان الرمح فقال في نفسه: إن الله رفعني فوق أدوات الحرب، لجاز أن يطعن غب ذلك فينحطم فيصير إلى الهالكي، فيجعله مسماراً في حافر هجين مقرف، ولعل النسر تكبر وهو في أعلى اللوح وأعجب بأنه ارتفع إلى مكان لا يبلغه كثير من الطير، فلم يلبث فنظر فإذا مكانه أخفض من أماكن خشاش الطير. ولعل الماء تواضع وهو في قعر البحر فبعث الله " تعالى " لساناً من السحب فرفعه إلى حوض المزن؛ ثم إنه تكبر فنزل لوقته إلى القرارة المنخفضة، فصار طوفاً كديراً تخبطه أخفاف الإبل ويعافه الصادي والعطشان.
وأما زعمك أني ادعيت قرابتك، فلون الحبشي شهيد أنه حامي، وتحطم الدرين أخبرك أنه عامي، ومشى الدابة على أربع يعلم أنها بهيمة، وصئي المقعد ينسبه إلى العكرمة دون كل قربى.
فالجنسية قرابة بين المتجانسات. ثم يتفرع ذلك إلى ترتيب الأنواع: فالحيوان كله جنس بينه تقارب بالجنسية، فقد جمعتني وإياك الحيوانية وكوننا من ذوات الأربع قرابة ثانية. وأخص ذلك أننا من ذوات الحافر.
وجائز في المنطق أن يقول " العبسي عنترة " للرجل من ولد حام لا تضمه وأم العبسي قبيلة من قبائل الحبشة ولا بلد من بلادهم: يا خالي. وقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول للرجل من هلال بن عامر: " يا خالي " لأن بعض نسائهم ولدت بعض أجداده ﷺ. وقد يقول الشاب المقتبل للشيخ المسن، وليس بينهما قرابة ولا معرفة: يا عم. وهو يريد التقرب منه والتحنن. وكذلك يقول الشيخ الكبير للفتى الناشيء: يا ابن أخي. وجار على ألسنة العامة والخاصة، أن يقول أحد المتجاورين للآخر: يا أخي؛ وأحدهما رومي والآخر فارسي أو عربي. وإنما الغرض في ذلك التودد، وأن آدم ﷺ ولد البشر كلهم، فكما أنه يقال للرجل: ابن آدم، وبينهما من الآباء ما الله به عليم، فكذلك يكون الرجلان أخوين للآدمية.
وذوات الجناح كلها إخوة لمكان الريش، وإن كان بعضها يعدو على بعض، وسباعها تقتنص بغاثها، غير حافلة بقرابة الجنس.
وما أفقر العلج الوحشي إلى دعوى الصليانة وهي في فيه! وهل يقيم الظبي الراتع بينة على تلك الحلية وقد جعلها بين فكيه؟ وليس بالضب حاجة إلى إدعاء العترة النابتة عند الكدية، وهي تشمى شجرة الضب.
والله تعالى جعلني وإياك قرنين فقال: " والخيل والبغال والحمير لتركبوها ".
والأتن في أكفها لا تسلم الفضل إلى الخيل في سروجها. والعتارف على السباطة لا تقر للظلمان بالمفازة. ولو تنافر ديك وظليم لجاز أن يقضي لديك.
وأما أمرك إياي الصبر، فإن فضل ربنا لا يحظر، والفرج من عنده ينتظر. وكيف لا تأمر نفسك بذلك إذ تبحث بيديك تطلب الشعير وقد علمت أن من أجلك حمل على البعير وأنه آتيك لا محالة؟ فهلا صبرت ساعة حتى يأتيك به سائسك من قبل ظهور جشعك وحرصك؟ وكذلك تحمحم تريد الماء، وربك ما بسط لك الأظماء، وقد اشترى الشعيب الموثقة ليرويك بها من بارد النزوع؛ وقد رأتيه يؤثرك بلبن صراح، أفحسبته ممنعك من القراح؟ إن ذلك لظن أفين.
وإنما مثلي ومثلك، مثل رجل سأل آخر أن يرشده إلى الطريق فأراه الفرقد أو الجدي، لقد أبعد عن الهدى! أو مثل ظمآن استسقى في المقيظ فقيل له: إن بمكان كذا مدهناً يمتليء من وسمي الربيع، وأني له بذلك ومطلع الذراع ما كان، لا غيرها من النجوم الأسدية، وإنما يرجي برد الليل بعد مطلع سهيل؟ ومثل رجل آخر استطعم رجلاً من لحم جزوره، فقال: ألا أدلك على خير من ذلك؟ إن جبل كذا من أجبال السراة، وهو منا على ست أو سبع، ينبت النبع، فاذهب إليه فاختر حظوة على عينك، ثم اصنع لك منها قوساً، فاقعد بها على موارد الأراوي، فإن لحمها رخص؛ وقد قال الأول:
أَقولُ لِعَمْرٍو إِذ مرَرْنَ بَوارِحاًوهُنَّ لنا الإِكثابُ والصَّيْدُ مُخلِقُ
أَلا إِنما التمرُ الذي أَنتَ آكِلٌهوَ الأُهْبُ والمستَرخَصُ المتمزِّق
فَعِنْهنَّ أَو فاسبُبْ فتلك رِمايةٌلها عند دَبَّاغِي تهامةَ مَنفقُ
فأحسن الله جزاءه على بعد الإرشاد! من حسن عمله حسن قوله. وأبى حفل الناقة المعذرة، ومراح السوام لن ينجي الباخل من لذع اللوام. اضرب العراقيب فأشبع ضيفك وأطعم اليعاقيب. واحلب في إنائك للعيمان إذا نزل بفنائك، فركب يشكرها لديك أولى بما في صحنك ورفديك من نساء يشربن المحض ويقين، ولا تعرف من خبرهن اليقين. ولعل ما جمعنه في العضد والساق عن ألبان لقح مناق، كان متعة معاديك، ولا يشكر ما فرط من أياديك.
وأما ذمك بني آدم وصفتك إياهم بالعنف المفرط، فإن إحساناً سبق فريق، وإكراماً ما ترك لك مراماً: بغوك العض بالذهب فأطعموك، وقربوك في المنازل فأكرموك؛ وحبوك في الربيع الباكر نضيراً وسقوك في الزمان الومد بارداً نميراً؛ ولحفوك بثيابهم في الفرس وآثروك على عيالهم بالقوت واللبن؛ وصانوك أن تنزو فتضعف قواك، أو تطرق حليلات لسواك فيجيء ولدك مشهوراً في الحيوان! وقد زعم بعض العلماء أن " أخدر " كان فرساً لبعض الملوك، فذهب في الأرض فتوحش، فولده - لما طرق الأتن - يضرب به المثل في حمير الوحش! وهذا قول حكى وما زكى، لأن ولد الفرس من الأتان بغل. وإنما ذكرت ذلك لأنه شيء قيل، ولعله من أحاديث الأعراب الذين يزعمون أن الجن تلد في الإنس، وأن " سنان بن أبي حارثة، صاحب الحمالة " وهو شيخ فإن ركب ناقته والحي بنخل، فذهب في الأرض فلا يعلم له خبر إلى اليوم، وأن الجن أخذته فاستفحلته! فزاد الله عقولهم من الخسارة! وأي فحلة كانت فيه وقد بلغ أكلأ العمر؟ أفأعوز الجن صبي يأخذونه فيربونه للفحلة ويستقبلون به عنفوان الشبيبة؟ والذي يشهد به المعقول أن أخدر حمار معروف. ويقال إنه حمار أهلي توحش فعسب في عانات الوحش، وولده في سيف كاظمة إلى اليوم وما أحسبك تطيق كلفة البر. لو أنك وردت ماء بصنيبعات، ورد وحوش مرتبعات. فألفيت ماءها قد نضب، لضاق مذهبك عليك. أو لو زرت عين أثال وغمازة تريد المورد، لجاز أن تلفى عليها صائداً يلتمس وذراً من لحمك رائداً، إذ كنت أكثر من العير نحضاً، وأشد إشباعاً للدردق عدموا قرضاً. وقد علمت أن فارسك يسقيك من الجرور المطلب إذا طلعت الشعرى العبور. ومن إنعام بني آدم عليك أنهم حلوا مركبك ولجامك من اللجين والعسجد بمثل ما حليت الكرائم، وجنبوك في الموكب كأنك الهدى ناظراً في عطفيك. ولو أنك بوجرة لمارست من الرتب وأوار القيظ وصنابر الأريز، ما ذرعك به غير رحيب.
وأما ذكرك ما قضب " الفرزدق " به الأتن، فإنما تلك سهام ليست ذات ريش ونصال. والشاعر غير صادق في المدح ولا في الهجاء. وذم القائل من الشعراء دال على فضل المذموم مثل ما دل المدح عليه. لأن المدح ونقيضه إنما يكونان لمن عرف وشهر. والنفوس بنيت على السخط وجنى الذنوب. وليس يرضى عن الرجل ولده في كل الأحيان، فما بال جاره الجنب وعشريه البعيد؟ وهل الأتن فيما قال: الفرزدق " إلا كالأنيق وبنى فزارة؟ مالحق الإبل عيب في ذلك ولا الأنيس؛ ونحو ما وجد في الشعر القديم من تعيير قريش بأكل السخينة، وثقيف بصيد الرخم، وبنى حنيفة بأكل معبود كان لهم من الحيس؟ ما نطق به " ابن الزبعري " لغير لاحق بالشعرى، وما أرسله " الحطيئة " من كلم ليس بمقان، ذهب فلم يعلق " بالزبرقان ".
وما ضر فوارس المروت هدر " الفرزدق " بشدق مهروت وإن دارماً ذات الشرف، لم ينقص شرفها من قرير، تهكم ينقل عن المرء " جرير ".
ولم يصدق " البرجمي " أن زعم أن المرأة بالكلب زنى.
وزل قول " الحارثي " فما سدك ب " الأخيلية " وإن كان ما نطق، عن غير ألية.
وما غاض كرم " أوس بن حارثة " في الرفه والعشر، لما روى عن أشعار " بشر ".
و" أعشى قيس بن ثعلبة " ما رزأ " علقمة " فتيلاً عن مجد.
وما قذف به " النميري أم خنزر " ما مس لها ذي مئزر.
ولا أطفأ " زياد " من عقيقة، لما شتم بني الشقيقة.
وما أمر " ذري الرمة " بكيس، إذ يقصد بسبه " امرأ القيس ".
وما جاء " زهير " بجداء. إذ يقذف ب: " يسار " آل الصيداء، هلا نطق باقتصاد، كما فعل في بني مصاد؟ وكذلك المديح في كل زمان، ما رفع قد مشئم ولا يمان.
وما الذي أفاده رسول الله ﷺ لما امتدحه " كعب، وحسان ".
وهل يلتم بالمدح شعب؟ ما قيل في " عمرو بن هند " لم يجعله من سيل المنية بفند.
وما نظم في " النعمان " لم يأته من الموت بأمان. لم يثبت له منقبة، أن يقال فيه الأشعار المتعقبة.
وما قلده جيد " الحجاج " ليس باللؤلؤ ولا بالجاج....
وأي قول ظعن في الريح، ولم في بهجاء صريح.
وأما زعمك أني أدعي نظم الكلم، فقول منك أنبأنا عن قلة تأملك، وعجلتك في شئونك. إذ كنت لا تعدم أحد أمرين: إما أن تبطل القياس، وإما أن تثبته.
فإن كنت تبطله على رأي السوفسطائية وكثير من أصحاب الشرع، فلا تقيسن " مكة " علة ظبة، ولا تزعمن اليمامة جرت مجرى " وج "، ولا تحكمن على الصخرة بحكم الحصاة، ولا تجعلن الرقلة نظيرة للودية، ولا حرقوص الجدالة كنواة المقلة؛ ولا تطالبن السعن المرسل إلى الناكز، بمثل ما طالبت به الغرب المغترف، وأجز في مذهبك أن أكون أقتدر على النظام، ولا تزعمن أني كغيري من البهائم وأجناس الحيوان ...
وإن ثبت المقاييس على مذهب الجمهور من أهل النظر وأصحاب الأسطوان الذين يسمون أساطين الحكمة، وعلى رأي أصحاب الطبائع، فاحمل الثمد على الغمر، واحكم على ما أهل من البهائم بحكم الضب. ولا تفرد حكم الساعة من حكم السنة، ولا حال الشهر م حال الدهر. وإذا جاز أن ينبت في المكان عشبة فاردة، جاز أن يكون فيه روضة مكتهلة.
أليس الرواة يتناقلون أن الضب قال لولده، وقد احتفر عليه يعض المحتفرين:
أَهَدَموا بَيْتَك لا أَبا لكاوزعموا أَنك لا أَخا لَكا
وأَنا أَمشي الدَّأَلَى حَوَالَكا
وأن النون قال للضب: رد يا ضب. فقال:
أَصبح قلبي صَرِدالا يشتهي أَن يَردَا
إِلا عَراداً عَرِدَاوعَنْكَثاً مُلْتَبِدا
وصِلِّيَاناً بَرِدَا
فإن زعمت أن هذا سائغ للضب، فأجزه لغيره.
وإذا نطق باليسير من الموزون، فما الذي يمنع من النطق بكثيره؟ وقد تقدم أن الشعر نوع من جنس، وذلك الجنس هو الكلام. وإذا صح ذلك قلنا: إن الشعر جنس، والرجز نوع تحته ...
وإنما ذكرت ذلك خشية أن تذهب إلى أن الرجز ليس بشعر، كما قال ذلك بعض الناس محتجاً لما روى عن النبي ﷺ أنه قال:
أَنا النبيُّ لا كذِبْ
أَنا ابن عبدِ المطَّلِبْ
ولما جاء في الرواية الأخرى، أنه قال:
هل أَنتِ إِلا إِصبَعٌ دَمِيتِ
وفي سبيلِ اللهِ ما لقيتِ
في أشباه لهذا. ويحتجون بقولهم للذي ينشيء الرجز: راجز، وللذي ينشيء غيره من القصيد: شاعر.
وإذا ركبنا القضية الثنوية الكلية، فجعلنا المحمول جنساً والحامل نوعاً، فالقضية كذب لا محالة.
وإذا عكسنا ذلك فجعلنا المحمول نوعاً والحامل جنساً، كانت القضية صدقاً. فنقول: كل رجز شعر، فيكون قولاً صادقاً. وإن قيل: كل شعر رجز. فذلك باطل من المقول.
وما أدفع أن الرجز أضعف من القصيد، ولكنهما جنس واحد.
وأما النبي ﷺ، فقد اختلفت الأمة في شأنه وفي قوله تعالى: " وما علمناه الشعر وما ينبغي له ".
فقالت طائفة: لا يكون النبي ﵇، إلا عالماً بجميع أصناف العلم الذي يعرفه الآدميون. وإنما تعبد ﷺ بتركه ذلك الفن - كما تعبد بترك الزنا وشرب المسكر - وكان ذلك خالصاً له في نفسه دون غيره من المسلمين. وإلى هذه المقالة ذهبت أصناف الشيعة، واحتجوا بأن فقد المعرفة بهذا الجنس، معدود في بني آدم من النقص. ولا يبعث الله جل اسمه، إلا أفضل من يكون في عصر المبعث. وقد كان أبوه، ﷺ، وجده وأعمامه ينطقون بالمنظوم: نقلت الرواة أن " عبد الله بن عبد المطلب " قال للكاهنة لما رأت النور بين عينيه فدعته إلى نفسها:
أَما الحرامُ فالمماتُ دونَهوالحِلُّ، لا حِلَّ فأَستبينَه
فكيف بالأَمرِ الذي تَبْغِينَه
وأنشدت الرواة ل " الزبير بن عبد المطلب " عم النبي ﵇:
إِذا كنتَ في حاجةٍ مُرْسِلاًفأَرسِلْ حكيما ولا تُصِهِ
وإِنْ بابُ أَمرٍ عليكَ التَوَىفشاوِرْ لبِيباً ولا تَعْصِهِ
فأما " أبو طالب " فكان أشعر قريش. وقد روى عن " العباس " شعر كثير، وكذلك عن " علي ".
قالوا: فإن كان الشعر منقصة، فلم استعملها السادة في الإسلام والجاهلية؟ وإن كان فضيلة فلم يحرمها الرسول ﷺ؟
وقالت طائفة أخرى: قد يجوز أن يكون الأمر على ما ذكر هؤلاء، ويجوز أن يكون على غيره. لأنه ﷺ قال: " استعينوا على كل صناعة بأهلها. " وفي الجائز أن يكون سلب منه العلم بهذا النوع بما بعث، فكان ذلك له مثل الآية. وإنما معنى قوله تعالى: " وما علمناه الشعر " أنه جواب لقول من قال من الكفار: " الذي جاء به محمد شعر " لا أنه بهذه الآية نفى عنه المعرفة بهذا الضرب. وكان النبي ﷺ، إذا ذكر بيتاً صاباه، أي لم يجيء به على جهته، حتى عرف ذلك منه. مثل قوله بين " الأقرع وعيينة "، " ويأتيك من لم تزود بالأخبار ".
ومما يتصل بهذا، حديث ذكره " ابن خرداذبة " في " كتاب طبقات المغنين " عن " أبي سعيد المكي. المغني " - واسمه إبراهيم، وهو مولى لقائد، وقائد مولى عمرو بن عثمان - وكان أبو سعيد هذا مغنياً، وكان مع ذلك مقبول الشهادة معدلاً. وكان يقول الشعر ويلحنه، فكان مما قال وغنى به هذا البيت:
لقد طُفْتُ سَبْعاً قلتُ لَمَّا قَضَيتُهاأَلا ليت حَجِّي لا عَليَّ ولا لِيَا
وبعث إليه " محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب " - وهو الملك الذي كانت تعرفه بنو العباس بالمهدي، والد هارون - وكان " أبو سعيد " تنسك، ولم يكن يضرب بالعود.
فلما قدم على " محمد " قربه وأدنى مجلسه. وقال له محمد: غنني:
لقد طفتُ سبعاً قلتُ لما قضيتُهاأَلا ليت حَجِّي لا عليَّ ولا ليا
- لأبي سعيد - قال: أو أغنيك أحسن منه يا أمير المؤمنين؟ قال: أنت وذاك. فغناه:
إِن هذا الطويلَ من آلِ حَفْصٍأَنشرَ المجدَ بعد ما كان ماتا
وبناهُ على أَساسٍ وثيقٍوعِمادٍ قد أُثبتَتْ إِثباتَا
فأحسنه. وقال " محمد ": أحسنت يا أبا سعيد، غنني:
لقد طُفتُ سبعاً
قال: أو أغنيك أحسن منه؟ قال: ذلك إليك. فغناه:
قَدِمَ الطويلُ فأَشرقتْ واستبشرتْأَرضُ الحجازِ وبانَ في الأَشجارِ
فأحسنه وأجاد.
فقال " محمد " مثل قوله الأول، واقترح عليه: " لقد طفت سبعاً ".
قال: أو أغنيك أحسن منه؟ قال: قل ما أحببت. فغناه:
إِن الطويلَ من آل حفص فاعلمواساد الحضورَ وساد في الأَسفار
فقال له " محمد ": صر إلى ما دعوناك إليه.
فقال: يا أمير المؤمنين، ما إلى ذلك سبيل. لأني رأيت رسول الله ﷺ في منامي، وكأن في يده شيئاً لا أعلم ما هو. وقد رفع يده ليضربني وهو يقول: " لقد طفت سبعاً، لقد سبعاً طفت؟ ماذا صنعت بأمتي بهذا الصوت؟ " فقلت: بأبي وأمي، اعف عني. فوباعثك بالحق ومصطفيك للرسالة والنبوة، لا غنيت بهذا الصوت أبداً.
فرد يده ﷺ، وقال عفا الله عنك إذاً.
وانتبهت. وما كنت لأعطي رسول الله ﷺ شيئاً في منامي، فأرجع عنه في يقظتي.
فبكى " محمد " وقال: أحسنت يا أبا سعيد، أحسن الله إليك، لا تعد في غنائه.
وحباه وكساه، ورده إلى الحجار.
ألا ترى إلى قوله: لقد سبعاً طفت، كيف حل عقد النظام عن جهته؟ وقال بعض الناس: لم يكن ﷺ يعرف الشعر ولا غيره من الصنائع، وإنما كانت الفضيلة بالرسالة.
فإن قلت أيها السامع: إن قول العرب: رجز وشعر، دليل على أنهما مختلفان في الجنسية.
فإن ذلك ليس بدليل على ما قلت، لأنهم يقولون: فعلت بنو هاشم وحمزة عبد المطلب. وفي " الكتاب العزيز ": " قل من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل ... ".
وقد علمنا أن " جبريل، وميكائيل " من الملائكة. والشيء يخص بالذكر ليرفع من شأنه أو ليوضع بذلك من أمره. ولا ريب أن الرجز أضعف من القصيد، ف " رؤبة والعجاج " أضعف في النظام من " جرير، والفرزدق ". ومن أقوى ما روى في تضعيف الرجز أن " الفرزدق " قال: إني لأرى طرقة الرجز فأدعه رغبة عنه.
وقالة الرجز ثلاثة: فرجل لم يرو عنه غيره، ك " رؤبة، وهميان بن قحافة " وغيرهما. ورجل غلب عليه الرجز وربما جاء بالقصيد، ك " أبي النجم، والأغلب العجليين ". ورجل كان القصيد أغلب عليه وربما جاء بالرجز، ك " جرير، وذي الرمة ". وربما لم يرو عن الشاعر رجز ألبتة مثل " زهير، وطفيل الغنوي، وقيس بن الخطيم ".
وقد بلغني أن للسيد " عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " مجلساً يجتمع فيه الفقهاء وأهل الكلام والأدب والشعراء. ولو تحرى في التطوع متحوب فقادني برسني حتى أقف من ذلك المجلس بمرأى ومسمع لألقيت " مسألة " ثم فرعتها فخاض فيها الفقهاء والمتكلمون والشعراء سحابة ليلتهم تلك. وكأني بك قد قلت في نفسك: ليت شعري ما تلك المسألة؟ ثم أدركتك الأنفة أن تسألني عنها. وأنا أبتديء لك بذكرها غير باخل عليك ولا على غيرك بشيء مما أحسنه.
كنت أقول للفقهاء: ماذا تقولون في رجل طاف بالكعبة سبعاً وهو ينشد:
" فقا نبك ".ما توجبون عليه؟
فإذا أجابوا، فرعتها عليهم. وقد علمت أن الضحضاح بعده الغمر وأن الدخان تحته اللهيب الجمر.
وكنت أقول للمتكلمين: أخبروني عمن يقول بقدم العالم: أقفا نبك كانت قبل " امريء القيس " أم بعده؟ وأخبروني عن: قفا نبك، أجوهر هي أم عرض؟ فإن قالوا: جوهر، فقد أحالوا في رأي المتكلمين. وإن قالوا: عرض، قلت: فالأعراض لا قوام لها في أنفسها وإنما تعرف إذا تعلقت بالجواهر.
وقد نجد رجلين يقفان على ضيفي واد وبينهما مدى بعيد فينشد أحدهما: قفا نبك، فيسمعه الآخر. فبم تعلقت حتى وصلت إليه؟ ثم أشجر الكلام وأشجنه.
وكنت أقول للشعراء: أخبروني عن ثلاثة منكم أحضرهم " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - أعز الله نصره - وكان أحدهم يعمل البيت من قرى " قفا نبك " في دقيقة، والآخر في دقيقتين، والثالث في ثلاث دقائق. فأمرهم أن يصنعوا بيتاً على ذلك العراق ويتعاطوا فيه النصفة، أكان هذا يمكن أم يتعذر؟ وهل تجري الأبيات كلها مجرى واحداً أم تختلف لاختلاف مهيئات الحروف؟ فإن حملهم ادعاء الرتبة والفرار من حياء الغلبة على أن يقولوا: كنا نتناصف ونتماثل ونجيب " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - خلد الله أيامه إلى ما أمر؛ قلت لهم: فكم المدة التي ينجز معها فرغ البيت؟ فإن قالوا: لا نعلم، فقد رجعوا عن دعواهم وأقروا بالعجز لمن سألهم.... وإن قالوا: نعمله في ستة أجزاء من أحد عشر من دقيقة يعمل الذي جرت عادته أن يعمل البيت في دقيقة، ستة أجزاء من أحد عشر من البيت. وكان يعمل صاحب الدقيقتين ثلاثة أجزاء من أحد عشر، وكان يعمل صاحب ثلاثة جزءين.
قلت: كيف السبيل إلى تناصفكم في هذه القسمة، وقد علمتم أن أحد عشر عدد أصم؟ وهل في طاقتكم أو طاقة غيركم قسمة الحرف الواحد أو الحركة، على هذه الأجزاء؟ ثم يتنوع الخطاب في ذلك إلى ما شاء الله.
وأما قولك إن صوتي جنسان: حمحمة وشحيج، وأنه لا يبنى منها النظام، فإن الأشياء لها جمل، والجمل لها تفصيل، والتفصيل له تأويل " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ".
قد جعلت صوتي، لأنه جنسان، قريباً من حد الإبانة. ولعله قد بلغك حديث " أبي مالك الأشجعي " الذي يروي عنه أنه قال: " كنا مع علي ﵇ منصرفه من صفين، فمر بالحيرة وهي كثيرة النصارى فسمع صوت الناقوس فقال: ما يقول الناقوس؟ فقلنا: ما قول يا أمير المؤمنين؟ فقال: يقول:
إِن الدنيا قد أَغوتْناواستغوتنا واستهوتنا
لسنا نَدرِي ما قدَّمنافيها إِلا لو قد مُتنا
تَفنى الدنيا قرناً قرناًيا ابنَ الدنيا مهلاً مهلاً
زِنْ ما يأتي وزناً وزناًما من يومٍ يمضي عنا
إِلاَّ أَوْهى منا رُكْنَا
أفلا ترى إلى أمير المؤمنين كيف صرف صوت الناقوس وهو جنس واحد، لأنه يحدث باصطكاك جسمين جماديين؟ فصوتي أولى بالتفريع من صوت الناقوس، وصوت الناقوس أولى بالتفريع من الصمت الدائم والجمادى.
وقد روى أن " عدي بن زيد " كان مع " النعمان بن المنذر " تحت شجرة كان يشرب عندها ملوك الحيرة. فقال له عدي بن زيد: أيها الملك، أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: وما تقول؟ قال: إنها تقول:
رُبَّ شَرب قد أَناخوا حولَنايشرَبون الخَمْرَ بالماءِ الزلال
ثُم أَضحَوا لَعِبَ الدهرُ بهموكذاك الدهرُ حالاً بعد حال
أفلا ترى كيف تأول " عدي " صمت الشجرة؟ وقد قال " الحارثي ":
فأَسْمَعَنا بالصَّمْتِ رجْع كلامِنافأَبْلِغْ به من ناطقٍ لم يُحاوِرِ
ونظائر هذا كثير. فكيف تمنع صوتي وهو يتصرف فيكون الرقيق والغليظ والخوار، ويطول ويقصر وينقطع ويتألف، ويدل على الكراهة والرغبة وطلب الحاجة، من أن يتأوله أهل الفهم على معان مختلفات ويتصرف في ترتيبه أصحاب المعرفة على لطرق يعرفون مجاريها، ويسلك فيها سبيل الهداية من لا يتجاهلها؟ ويقدر الله جل اسمه على أن ينطق الصاهل، فيقول: ما كفاك أنك ادعيت النظم الذي هو طبع في غريزة الآدميين مطلق أن يقوله الصبي منهم والمرأة والشيخ اليفن والعجوز الفانية، وهو في غرائز الأمم كلها حتى إنه يحكم على أنه لا يمتنع أن يخطر الكلام الموزون لمن لم يسمع شعراً قط.
حتى ادعيت الأشياء التي لا يوصل إليها إلا بالدربة الطويلة والتجربة المكررة، من العلم بالكلام والجدل والنظر في الفقه وأحكام الشعر اللطيفة التي لعله ما ادعى معرفتها جاهلي ولا إسلامي من أهل النظم.
ومتى نتجت؟ لعلك لم تنتج منذ عشرين حجة، فلو أن الله مد في عمرك حتى تكون من مراكب " شريح بن الحارث " فمن بعده من القضاة الراشدين إلى هذا العصر، تسمع كلامهم وتعرف محاورتهم.
لكنت خليقاً ألا يصح هذا من دعواك.
ولقد ادعيت من علم الشعر ما تعلمنا الضرورة اللازمة أن " زهيراً والنابغة " وغيرهما من الفحول، لم يعرفوه. فليت شعري ما يقول فيك أصحاب التناسخ؟ أفنقلت إليك روح " أفلاطون "؟ ومعاذ الله والعدل الشائع.
أما أنا فأتصورك بصورة الكاذب، وقد رابني ما قلت فاجعل بيني وبينك حكماً ترضاه. فإن صدقك سلمت لك أني على خطإ. وإن اتهمك مثل ما اتهمتك، علمت أني معذور في الظنة بك.
فأما الضب الذي هو قاضي البهائم، فبعيد المنزل عني وعنك، أقرب دياره إلينا مسيرة ثلاث أو أربع، ولكن هذه الفاختة قد وردت عليك الماء، وهي من شعراء الطير. وإنما ادعيت ذلك لها، إذ كانت حكاية صوتها جنساً موزوناً، ومن تأمل ذلك وجده كما ذكرت. فاعرض عليها شأنك وانظر ما تقوله، فلو كان موافقاً " لي في صفتك فاعلم أني أردت نصحك، وإن كان موافقاً لك " فاعلم أني داجيتك وأضمرت غشك.
فاختر أينا يكون السائل لها في ذلك. وإن شئت أن نجتمع على سؤالها فإن ذلك يسير قريب.
فيقدر الله جل ثناؤه على أن ينطق الشاحج فيقول: كيف رأيت القاذة في عين أخيك ولم تر الجذع المعترض في عينك؟ ألست قد دفعتني عن دعوى النظم بأنك احتججت أني أجمع بين الساكنين في صوتي من غير وقف يدرك النفس. وهذه الفاختة، بين ابتدائها بصوتها وسكوتها على آخره، ساكنان يلتقيان ليسا في وقف. لأن العامة يقولون في حكاية صوتها:.... يا فاخته. فيكسرون الخاء، وهذه لعمري كلمة موزونة، وهي سدس الرجز التام وربع المجزوء وثلث المشطور ونصف المنهوك. وموازن هذا من صوت الفاختة يلتقي فيه ساكنان وكأنه في التقدير الألف والخاء. ومن تأمل ذلك في أصوات الفواخت وجده.
وكأني بك تحتج علي بهذا البيت الذي ذكره " سيبويه " في الإدغام وهو قول الراجز:
كأَنها بعد كلالِ الزاجِرِومَسْحِه مَرُّ عُقابٍ كاسِرِ
فهذا بيت قد كثر فيه الكلام. وأكثر الناس لا يثبته لأن صاحب " الكتاب " دل كلامه على أنه أدغم الهاء في الحاء. وهذا ما لا يمكن. وقد حكى عن " الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي " أنه كان ينشد هذا البيت، فيجمع فيه بين ساكنين، وهو قول الراجز:
يا عجباً لقد رأَيتُ عَجَبَاحِمارَ قَبَّانَ يسوق أرْنَبَا
خاطِمَها زامَّها أَنْ تَذْهَبَا
فيجمع بن ساكنين في: زامها. وإن صحت هذه الحكاية عنه، فإنما يتعلق بالبيت الذي أنشده " سيبويه "، والجماعة على خلافه في: زأمها. لأنهم ينشدون: زأمها، بالهمز، ويحكون أن ذلك لغة العرب.
وزعم " أبو زيد الأنصاري " أنه أدركته صلاة الصبح عند مسجد " يونس بن عبيد " فدخل فصلى خلفه، فسمعه بهمز: " ولا الضألين " ويقال إنها قراءة " أيوب السختياني " وقد زعموا أن " الحسن البصري " كان يقرا: " ما من دأبة إلا هو آخذ بناصيتها ".
ولا أحسب هذا القول المروي عن " الفارسي " إلا وهماً من راويه، أو يكون قولاً ينفرد به قائله ويخالف إجماع الناس فيه.
ومن ظلمك وإعناتك أنك دعوتني إلى تحكيم حكم العامة تضرب المثل بكذبه فتقول: أكذب من فاختة! أفتراني أجعل حكماً على نفسي من قد شهر بهذه الشيمة؟ ومن استرعى الذئب ظلم، ومن صدق كل بارق أخلف. ولكن أطلب حكماً سوى هذه فقد اشتهر عنها ما تعلم. ولا تدعني إلى الغراب فإن رسول الله ﷺ سماه فاسقاً. ولست بمحكم أهل الفسق؛ ولا إلى الزرياب، فإن به صرعاً وإن كان عالماً بالغات منصرفاً في أجناس القول. ولو عدلت عن ذوات الأربع لكنت أقرب إلى النصفة. وهذه الإبل قد جاءت للورد فإن شئت أن تستظهر لعلمك فاجعل الحكم بعضها توفق في ذلك.
فيقد الله الواحد على أن ينطق الصاهل فيقول: إنما اخترت الفاختة إذ كانت شاعرة، فأردت أن أستعين بها على أحكام الشعر. أو ليس قد كان السادات إذا اختلفوا في أمر الشعر سألوا عنه " حسان وجريراً والفرزدق " وغيرهم من الطبقة الثانية وليس فيهم من يتحرج عن الكذب في المنوم، ويرضى سائلهم في الحكومة بما يقولون؟ أو ليس إلى " حسان " رجع في أمر " الزبرقان والحطيئة " وحسان مجلود في الإفك؟ وأما قول العامة: " أكذب من فاخت " فإنما هو افتراء عليها، ولعلها لم تكذب قط. هم الذين تخرصوا ما حكوه وادعوا أنها في ذلك الصوت الذي يصدر عنها تقول: " قد جاء الرطب " حتى قال قائلهم:
أَكذبُ من فاختةٍتقولُ فوقَ الكَرَب
والطَّلْعُ لم يَبْدُ لهاهذا أَوانُ الرُّطَبِ
وقد علم الله بعزته أنها لم تفه قط بهذه الكلمة. كما أن الطائر الآخر لم يقل:
سقطْ رِدَاك خُذْهْ
وإنما ذلك تشبيه من العامة، ووضع للشيء على ما قرب منه. وتأمل صوت الفاختة فإنه جنس واحد، وليس ما تدعيه العامة عليها بصحيح وليس الصوت الذي تقول فيه بزعمهم: يا فاخته، مخالفاً للصوت الذي هو عندهم: عبد الصمد، بل هما فن واحد ووزن في الحسن متساو. وقد كنت أحلف المحرجة في معطل الرماح من قبل عاذل في القلتة أو النحيرة وذلك بصلاح في " بكة ": أن العامة كذبت على هذا الطائر كما كذبت على غيره من الطير والبهائم.
وأما قولك في التقاء الساكنين ما قلت، فقد مضى في المحاورة معك ما هو كاف. واليونانية تجمع في أشعارها بين الساكنين في غير آخير البيت وكذلك غيرها من الأمم ما خلا العرب فإن كلامها تهذب ونظامها خلص. على أن شيئاً من ذلك قد جاء عنهم. فأما في أواخر الأبيات فالعرب وغيرهم لا ينفرون من جمع بين ساكنين.
وأما قولك، وقد استمر بك عجبك ومدك في المقال غيك: إن قولها " يا فاختة " سدس الرجز التام، فكيف جعلتها راجزة والرجز إنما تقوله العرب في حداء الإبل ومراس الأعمال من حرب أو جذب غرب أو سرى ليل أو ركوب هاجرة؟ إنما يحضرونه نفوسهم عند الونية ليكون مسكة للمنة وذريعة إلى النشاط. والفاختة إنما تصيح هذه الأصوات في أولى أوقاتها بالمسرة وأجدر زمانها بالدعة. ودليل ذلك تأيدها في الصوت ومجيئها به على رسل، ولا تصيح في الطيران، وإنما تصيح وهي واقعة على غصن أو غيره. ولها إذا رعيت في الوكر أو الهواء صوت مخالف لهذا الصوت. ومن تفقد ذلك عرفه، فكيف حكمت على صوتها أنه رجز ولم تحكم عليه أنه من الكامل المضمر؟ إنك لغبين الرأي فاسد القياس.
وأما دعاؤك إلى تحكيم بعض الإبل فصنف من الجهل مبين: أما الناقة فحسبها من قلة اللب أن ولدها يذبح ويحشي جلده من الثمام فتدر عليه وعندها أنه حوارها! وأما الجمل فأخوها، وهل يكون " ابن دغة " إلا على قدرها، " وابنة جهيزة " إلا من جنسها؟ وحسبك من جهالة الإبل أنها تترك ما لان من المرعى وتختار عليه شوك السعدان وغيره من الشجر والعضاه، فربما نشبت الشوكة منها في بطن البعير فكانت سبب هلاكه.
وأحسبك عدلت عن ذوات الأجنحة وهي ألطف أجراماً وأحسن أصواتاً وأذكى قلوباً وأبعد في بلاد الله سفراً، لترد الحكومة إلى ذوات الحافر، وتخص البناية فيها بعض أعمامك الذين هم كما شاء الله. ومن يؤمن حكماً يحكم عليك أن تدعي عليه التخرص والجنف؟ وقد بان فيك بعض الفهم، وجائز أن يوفق لك من يجوز تمويهك عليه، فإن زماننا مذ كان، للكذب فيه سوق ليست للصدق، والباطل عنده مسالك زويت عن الحق. وإنما ادعيت أنك تحمل إلى السيد " عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - أعز الله نصره - بيتين أو ثلاثة، فلو أنك تنظمتهما بدر ما وقعا من إرادتك بقر. والشاعر قد ينظم الكلمة بعد الكلمة فيطيل فيها ويجيد، ثم لا يظفر من الملك بطائل.
ومن يحمل قريضك، على سوء ظنك وسراسة خلقك؟ لو تحمله عنك متحمل لما أمن مع رديء شيمك أن تتهمه بخيانتك وحسدك وأن تطالبه بالجائزة وهو لم يعطها، وتدعى في كلامك الفضيلة ولم ترزقها. وكأني بك لو نظمت بيتاً أو بيتين لجعلت الروى حاء أو هاء لأنهما من شكل صوتك. ولو أنشدتني ما قلت لوقفتك من عيوبه والغلط فيه، على ما يوجب تسليمها إلي.
ويقدر الله سبحانه على أن ينطق الشاحج فيقول: إن أسأت الظن بك، فمن بعد إخلاف مخيلتك، لأني بدأت برجائك ومسألتك، فلقيتني بحذ الأمل وإخلاف الرجاء. ومن استكثر قليل الأشياء فلا طمع في جزيلها من قبله. ولو تحمل ما أقول متحمل لجزاه الله على ذلك بأجر وجزيته بالثناء والشكر. ولست ممن يطلب جائزة على قول الحق، وإنما الغرض أن يخف الأوق ويزول بعض الأثقال.
وأما قولك: لو أنشدتني لفعلت - ووصفت صنيعك - فلست بأهل للإنشاد. لأنك مثل ما جاء في الكتاب الأعز: " قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ".
ولو كنت مريت ما عنيد باللطف واستخرجت سرائري بحسن الوعد، لأنشدتك إنشاد الفحول وغنيتك غناء الحكماء بأي الألحان الثمانية شئت، أو نصبت لك نصب العرب على مذهب " أبي أسامة الهمذاني " وهو أول من غني النصب بالعراق.
وأما إنكارك أني جعلت الفاختة راجزة وأخرجت الرجز عما وضع له، فقد وجدنا المتحققين بهذا الشأن في قديم الزمان والحديث، أخرجوا الجز عما ذكرت من الحداء ومراس الأعمال، إلى أصناف المدح وطبقات النسيب، وصرفوه مختارين في أنحاء كثيرة، وافتنوا في ذلك مثل ما فاتنوا في القصيد.
وأما زعمك أني أريد أن أجر الحكومة إلى بعض الأعمام، فليس الأمر كما ظننت؛ على أنهم أجدر بالخير وأولى بالحلم وأبعد من العبية.
وقد مضت الدهور السالفة وأنا لا أعرفك، ولعل ما غبر من العمر ينقرض ولم ألقك:
كِلانا غنِيٌّ عن أَخيه حياتَهونحن إِذا مُتْنَا أَشدُّ تَغانِيَا
وكيف آمنك على الإنشاد وأنت لم تثبت نفسك على ادعاء المعرفة، فكيف ثباتها على إظهار الفضيلة؟ فلعن الله سراً عند المعيدي، وأمراً يشهده دون الملإ جار السوء. وكيف آمن أن تدعى على الخطأ أو الكسر والإحالة في المعنى، ولا تسمح لي بالضرورات التي اصطلح عليها أهل النظام؟ كحذف التنوين والتقديم والتأخير وتذكير المؤنث وتأنيث المذكر والقلب الذي هو متعارف في المعتل كما قال " الهمداني ":
وكأَن أَعظُمَها كِعابُ مُعافرٍضُرِبَت على شُزُنٍ فهن شَواعِ
أي شوائع، كما قال " خفاف ":
فإِمَّا تَرَيْني غيَّر الدهرُ لِمَّتِيولاحت لَوَاحِي الشيبِ في كلِّ مَفْرِقِ
إنما هو: لوائح، في قول " أبي عبيدة ".
أو عيبني إذا قصرت الممدود الذي قصرته الفصحاء، وتحظر على أن أغير الاسم الموضوع عن حاله، وذلك كله مطلق " للشعراء " كما علمت؟ ولعلي لو أنشدتك لزعمت أني قد كسرت، ولم تتغاض عن خلل إن كان مثل ما تغاضى " عنه " من تقدم ل: " عبيد بن الأبرص " في قصيدته، فرويت في جملة المنظوم إلى اليوم؟ وكما ترك " الأعشى " وما صنع في قوله:
أَلم تروا إِرماً وعاداًأَوْدضى بها الليلُ والنهارُ
وقد حملت الرواة كلمة " الطرماح " وهي وزنان مختلفان، أعني قوله:
طال في رسمِ مَهدَدٍ أَبَدُهْوعَقبى واستوى به بلده
ومَحَاه هَطَّالُ أَسْمِيَةٍكلَّ يومٍ وليلةٍ تردُه
لم يَبْقَ مِن مَرْسِ كفِّ صاحبِهأَخلاقُ سِرْبالِهِ ولا جُرُدُه
مَوعَبُ لِيط القَرا به قُوَبٌسُودٌ قليلُ اللِّحاءِ مُنجَرِدُه
مُجَرَّبٌ بِالرِّهانِ مستلِبٌخصلَ الجَواري طرائفٌ سَبَدُه
ولدي بِمنَّ الله من العلوم الغريبة والآداب الشاردة ما يغنيني عن التجمل بطويل القريض، فكيف بقصيره؟ ويمنعني من التكثر بمتماحله وعروجه، فكيف بفذه وتوأمه؟ والفاختة في هذا كله واقفة تسمع مناجاة الصاهل وثناءه عليها، وأقوال الشاحج ونقصه منها، فترف عينها للصاهل، تغمز عليه وهو لا يراها لأنه معصوب العينين. وتنطلق إلى البعير الوارد فتعكس ما قال الشاحج فيه وتجعل القول الذي نطق به الصاهل من وصفه بالجهل، محكياً عن الشاحج، تريد أذاته بذلك. فتخبره بما قيل فيه من الصفة بقلة اللب، فتملأ صدره من الغضب والحقد. حتى إذا ورد، بهش بفمه بعد الري إلى جحفلة ذلك المسكين فما شعر حتى أزم بها على الغرة إزمة حنق مغتاظ، وهدر في ذلك هدر الموعد.
فضج الشاحج وقال: ما هذا يا أبا أيوب؟ لقد سفه حلمك وخف وزنك ونفرت نعامتك. فما الذي حملك على م صنعت؟ أليس على ظهري يستقي ربك إذا مررت في أسفارك فتشرب النهل والعلل من العذب الناجع من غير طلب ثواب عليه؟ وقد علمت أنك تكون في الحوم الوارد وقد ألهبك سعر الخمس فلا تصل إلى تغميرتك إلا بعد عراد الإبل ودفع المناكب بمنكبك واهتتضامك ضعفتها عند ورودك، واقتصار المصاعب لك وتفردها بما قرى في الحوض دونك. وقد علمت أنك ترد بعد الظمء التام، فإن يكن ساقيك عزيز الجانب كثير النافرة نافذ الأقضية، وإلا حلئت عن المورد ورجع صدرك بغلته. وإن كان صاحبك ضعيفاً في قومه غير بعيد الصيت في عشيرته، ثم دنوت إلى الحوض، حنيت العصا لك أو قذفت بالحجر والفهر، فربما غارت عينك أو دمي مشفرك.
فلك ولنظرائك إذا كان الأمر على ما ذكرت، قال القائل ضربه ضرب غرائب الإبل. وقال " المثقب ":
كأَن قِذافَ ما تَنْفِي يداهاقذافُ غريبة بيَدَيْ مُعينِ
فإن كنت كريماً على المالك جعل الشاة أو الشاتين رشوة للسقاة على سقيك. وإلى هذه الشيمة ذهب بعض العلماء في تفسير قول الراجز:
نادِ حُمَيداً يا خليلي لا تَنَمْ
على عبنقى دافَعتْ عنه الغنمْ
إِن لم أُكَلِّفْها جَلاذِيَّ الأَكَمْ
ودَلَجَ الليلِ فخُصَّاني بِذَمّْ
فمعنى: دافعت عنه الغنم، على هذا القول، أنه سقى بها وجعلت رشوة لمن يغلب على الماء، فيسقى هذا البعير. وإن كنت للأرملة أو المغيبة فإنها تجيء بالشيء النزر إلى قيم الماء، مثل القعب من الببن واللوية من لحم الوحش. وعلى حسب ما تعطى القيم يكون سقيك. قال الشاعر:
سيَكفِيكَ سَقْياً رِجلُ ظبيٍ وعُلْبَةٌتمَطَّتْ بها مصلوبةٌ لم تُحارِدِ
وطال ما نزل ربك، من رغبته في إروائك، إلى البئر البعيدة القعر فطلع وقد أسن وانجذم دونه المرس فهلك. وربما وقف على المكان الزلج فهوى في القليب. وف ينحو من ذلك أنشد " الأصمعي " في " كتاب أوراد الإبل ":
يا عينُ بَكِّي عامراً عند النَهَلْعند الرشاء والعشاءِ والعَمَلْ
يا ليتني أَصدَرْتُهن بِغَلَلْولم أَقدِّمْ عامراً يومَ نَزلْ
قام على مَنزَعةٍزَلْجٍ فزَلْ
ولأجلك وأجل غيرك من الهجمة، افتقروا إلى الممرس والدالج وصاحب التعلية، واضطروا إلى حكم القادس، واستعان المعرس منهم بعروسه وبها خلوق العرس على إيراد الذود. قال الراجز:
لو أَن سلمى شهدتْ مظَلِّيتَمتَحُ أَو تُدلجُ أَو تُعلِّي
إِذاً لراحتْ غيرَ ذات دَلِّ
وقال آخر يذكر أنه إن لم يجد من يعينه على السقي كلف عروسه أن تسقي معه:
قامت تُريكَ بَشَراً مكنوناًقد عَلِمتْ إِن لم أَجدْ معيناً
لأَخلِطَنَّ بالخَلوقِ الطينايا بئرَ عادٍ مَن تَهَيَّبِينَا
سوف تُماحِينَ وتَدلَجيناوتُطرَحُ الدلُو مكاناً بِينَا
وإذا وردت هذه المقراة فقد كفيت وكفى صاحبك. وإنما ذلك بودج من آدي وشفيع من قوتي ووقت يضيع من عمري ودأب يقوض ما رفعه الربيع والعلف من أجلادي. وليس لسقيك عصبت عيناي ولا من أجلك قرى هذا الماء، وإنما ترد إن كنت عزيزاً ورد الظالم. فإن عجزت عن ذلك هجمت هجوم الواغل. أفصرورة أنت فترجو أن حجك يكفر عنك إثمك؟ أم قد سلف حجك؟ فبعداً لك! تظلم وقد رأيت الكعبة وعاينت ما سفك ب " مني " من الدماء.
قد كان ينبغي لك ألا تسمع كلام أحد الخصمين قبل الآخر، وأن تأخذ بقول العرب: وجه المحرش أقبح. ألم يبلغك ضرب العامة المثل بكذب الفاختة؟ أفما استحييت أن تنقاد طوعاً لطائر، في وزن جسدك بوزنه ما شاء الله من المرار؟ وأي صداقة بينك وبين ذوات الأجنحة ومنهن الغراب الذي ينقر عينك وأعين أبناء جنسك، وأنتن رذايا بالفلاة؟ وإنما سمي ابن دأية لأنه يقف على دأية البعير. وأشد ما في ذلك أنه لا يتركه حتى تزهق نفسه، بل يعجله خروج النفس ولفظ المهجة وقال قال الراجز:
يا عجباً للعجَبِ العُجَابِ
خمسةُ غِرْبانٍ على غرابِ
يعني بالغربان الخمسة: بنات دأية. وبالغراب: رأس ورك البعير. وإنما قالوا في المثل: " أعور، عينك والحجر " لأن الرجل منهم يكون له بعير به دبرة فيقع عليها الغراب فيخشى أن يرميه فيصيب الدبرة فيقول هذه المقالة. يعني بالأعور الغراب، أفلا ترى إلى سوء طمعه وحرصه وقلة انتظاره ما أشرف على الهلكة من الركاب؟ قال الشاعر:
وإِذا أَحُلُّ قُتُودَها بِتَنوفةٍجعلت تُلِيحُ إِلى الغُرابِ الأعوَرِ
وقد كان من الحق عليك ألا تصدق أقوال ذوات الريش على ذوات الأربع. ألستن معاشر الإبل إذا كان بكن الدبر جعل عليكن الريش ينفر به عنكن طمعة الطير؟ قال " ذو الخرق ":
لمَّا رأَتْ إِبلي أَمستْ حُمولتُهاجُرْباً عِجافاً عليها الريشُ والخِرَقُ
وقال آخر:
ألا مَنْ لمولى لا يزال كأنهمن الضّغن والبغضاء ريشةُ غاربِ
ولو كان الحديث كما بلغك لوجب أن تحتمل وتصفح لأنك مشاكهي في البلوى ببني آدم، وقسيمي في عناء يقع بنا من البشر قد أعفيت منه الطير لا سيما الذي لا يؤكل منها. أليس الإبل النواضح في " يثرب " وغيرها من بلاد النخل، وعليهن تقطع مفاوز الأرض وبهن يكابد الهجير في اليوم الحمت؟ فهلا زجرك ما تذوقه من المشقة أن تعتمد بائساً مثلك فتوقع به الأذية؟ ولعلي كنت أرثي لك ولغيرك من ذوات المشفر إذا سمعت قول الراجز:
قد قلتُ يوماً للغراب إِذ حَجَلْ
عليكَ بالقُودِ المسانيفِ الأُوَلْ
تَغَدَّ ما شئتَ على غير عَجَلْ
التمرُ في البئرِ وفي ظهرِ الجملْ
فمعنى هذا أنه يستقي الماء من البئر على ظهر الناضح، فإذا سقى النخل جاء بالتمر.
وقد غادرت بجحفلتي حبراً هو أعظم من حبر " بنت مصان ".
ولو كان لي سبيل ولك إلى أن نتحاكم إلى قاضي البهائم أبي الحسل، إذاً لحاكمتك إليه؛ فلعله كان يحكم لي عليك بأن تنوب عني شهراً أو أكثر من شهر. فتعالى هاري من أين قدرت لي في هذا اليوم؟ إن قالت العرب: " جاءتك بحائن رجلاه " فأنا أقول: جاءت بك إلى حائن رجلاك. أفما علمت أنك وهذه المطايا والحمولة التي في رفقتك تصيب نقعاً من قبل استقائي الماء لورودك وورودهن؟ ولا أمن عليك ذلك، ولكن غير أحق بمضارتك وأولى بشراسة خلقك. فإن شئت أن تخرج إلي من حق هذا الكلم فتكون قد خرجت من حزب الظالمين، أو أدعو عليك في كل صباح ومساء وجهمة تقبل وهزيع ينصرم وفجر يسفر وشمس تشرق.
فيجوز أن توافق دعوتي قضاء الله سبحانه فتصيبك من ذلك قوارع الدهر فلا يبارك لك في العض المشتري من سوق المصر؛ فيكون ملء المثمنة عندك مثل الثمة بالكف المقتصدة، وتسلط حويتك وقتبك على تأثير في جنبك، فلا تعدم قملاً تدخل بين قفارك، ويمكن منها ظمء الهواجر فلا يقطع ذلك نمير غمر ولو شعرت في " دجلة أو الفرات " ويبعث إليك أجير عنيف يخصك بأثقل الوسوق، ويضربك بوبيله في سيرك بغير تعذير، ويسرق علفك فيصرفه في استراء الخمر وركوب العصيان؛ أو يدركك الهرم والتثليب فتبقى في نفسك إحدى الحسرات، لا أنت في الدجالة ظاعن ولا في الراعية مع الإبل راتع، ولا فيك نحض يؤكل فيريحك من الحياة ناحر، وأنت تدعو الله على نفسك وأن يجعلك قوتاً لكلاب المحلة، إذ كانت الحياة شاقة عليك.
وأدعو ربك أن يبلوك بهوى ناقة شارف همة مشرمة يفضحك هواها في الإبل فتكون في ذلك هزأة في البرك وضحكة بين الأكوار، وأقول في مظان الإجابة: لا ملأت كرشك من السعدان، ولا شمت بارق الغيق والصيب، ولا رأيت نضرة كلإ عازب، ولا سمعت صوت التلبية ولا زرت الناسة في حجة ولا وقفت ب " عرفة ". وإن كنت يماني المولد فلا قدر لك أن تنظر إلى الفحل سهيل. وإن كان مولدك بالشام فمنعت أن تلمح شآمي النجوم. كيف عمدت جحفلتي بأوازيك أردت أن تجعلني أعلم مثلك أو مثل " سهيل بن عمرو القرشي " أو أفلح مثل " عنترة ".
وإن خرجت إلي من حقي فإني أغسل الحقد عليك من قلبي وأنتزع مذمتك من لساني وأحث على مودتك نفسي، ولن تستغني عن صديق من ذوات الحافر كما لا أستغني عن صديق من ذوات الخف؛ وأدعو الخالق بسعادتك وأن يرعيك أنف الكلإ، ويوردك نمير الماء من غير أن تعارك عليه حوماً، ولا تزاحم عليه في موردك عرجاً، بل تنفخ حباب الحوض أو الغدير لاهياً في شربك متهنياً في ذلك بعبك ورشفك، لا تخاف من عصا تقرعك ولا زجر يروعك ويذعرك؛ وأن يعفى ظهرك من الأعباء فيخلو جثمانك من الجلب والدبر، وتسرح في أرض كثيرة العضاه فيها القتادان الأكبر والأصغر، والسلم والطلح والعرفط والسمر والشبهان - فإن " أبا زيد الأنصاري " ذكر الشبهان في جملة العضاه الشاكة ولولا ذلك لم أذكره لك، إذا كان غير " أبي زيد " يزعم أن الشبهان الثمام أو شجر يشبهه.
ويكون في تلك الأرض ما يعجبك من أصناف الشجر الذي تطرف ورقه وتجتذب أغصانه. وينقل إليك الله بقدرته قطعة من سعدان " توضح " فيلقيه في أرضك لتعاقب في مرتعك بين أصناف الشجر والنبات؛ ويرزقك هجمة عوناً وأبكاراً كأنها عذارى عليها شارة، ومعاصر تتخير فيها على عينك تخير " أبي قابوس " في قيان العراق. هذا إن كنت راغباً في الضراب.
فإن لم تكن راغباً في ذلك، فهو أبقى لأيدك وأرجى لبصيرتك وأدنى لرشدك وأجدر بطول عمرك، على أن العمر إلى الله إن شاء قصر وإن شاء مد.
فيهش البعير لأن يخرج إليه من حقه. فيقول: دونك مشفري فأزمه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع